|
مفاهيم
>
الـرأفـة الرساليـة
الـرأفـة الرساليـة
كنّا نتحدّث حول الآية الكريمة: {لقد جاءكم رسول من
أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}
[التوبة:128]، والفقرة الأخيرة في هذه الآية تصور لنا رسول الله(ص) في
هذا القلب الرؤوف الرحيم الذي يعيش مع المؤمنين الذين آمنوا به وبرسالته
وانطلقوا في هذا الخطّ، فهو الرؤوف بهم، بحيث يمنحهم رأفته في علاقته بهم
وتعامله مع أخطائهم، فهو لا يتعامل معهم بالقسوة، بل يتعامل معهم
بالرأفة، وهو الرحيم بالمؤمنين، الذي يرعى المؤمنين فيدرس كل نقاط ضعفهم
وكل نقاط قوتهم، فلا يشتدُّ عليهم، بل يعطيهم العذر في ما يخضعون له من
نقاط الضعف، وقد يقوّي ما يتحركون به من نقاط القوة، وهذا هو شأن كل
الدعاة إلى الله الذين يعيشون مع المؤمنين، لا من خلال رسالاتهم فقط، بل
لأنّهم يشعرون أنهم مجتمع واحد، وأن على القائد أن يعيش مع كل التابعين
له بكل الرأفة والرحمة.
وهكذا استطاع رسول الله(ص) أن يربي أصحابه على ذلك،
حتى يكون المجتمع المسلم مجتمعاً متراحماً يرحم بعضه بعضاً، ولكنهم في
الوقت نفسه، عندما يدخلون الصراع القاسي مع الكافرين، فإنهم يشتدّون
عليهم ليضمنوا حماية المسلمين من عدوانهم، وليضغطوا عليهم بمختلف وسائل
الضغط، وهذا ما عبر عنه الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: {محمدٌ رسول
الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح:29]. هذه هي صورة
المجتمع المسلم مع قيادته، وصورة القائد مع جنوده ومع أتباعه.
ونلاحظ في هذه الآية، أن الله لم يميّز الرسول عن
الناس الذين معه، بل اعتبره جزءاً من المجتمع، فالقائد حتى لو كان يملك
الامتيازات الكبرى، لا ينفصل عن مجتمعه، أي أنّه لا يضع نفسه في برج عاجي
أو في الموقع الفوقي لينظر إلى أتباعه كما لو كانوا في الموقع السفلي أو
في موقع متأخر، بل يشعر أنه جزء من هذا المجتمع، باعتبار أنه يحمل
الرسالة لهؤلاء، فإن آمنوا بها انطلق معهم في مسألة الإيمان ليكون واحداً
منهم، من هذا المجتمع.
ولهذا نجد أن الله تعالى أمر نبيّه أن يُعبر دائماً
بأنه المسلم {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} [الأنعام:14]، {وأمرت لأن
أكون أوَّل المسلمين} [الزمر:12]، فالنبي يقدّم نفسه بأنه الرسول الذي
دعا إلى الرسالة، وكان أول المسلمين المؤمنين بهذه الرسالة، وأن الذين
آمنوا به كانوا معه وكانوا في خطه وفي طريقته. وهذا أمر ينبغي لكل
القيادات الإسلامية ولكل الدعاة المسلمين أن يتمثّلوه في أنفسهم عندما
ينظرون إلى المؤمنين والمسلمين من حولهم، فلا يعتبرون أنفسهم فوقهم، بل
يعتبرون أنفسهم جزءاً منهم، باعتبار أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي
تلتقي فيه القيادة مع الأتباع، حتى لو كان لهذه القيادة امتياز يميّزها
عن الآخرين، لأنهم يلتقون في مسألة الإسلام ويتراحمون فيما بينهم، بحيث
يشعر المسلم تجاه المسلم الآخر بالرحمة، فلا يقسو عليه ولا يعنف معه ولا
يسيء إليه ولا يخذله.
هذه هي صورة المجتمع المسلم {محمد رسول الله والذين
معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم}، وهكذا انتصر المسلمون عندما كانوا
مع رسول الله(ص)، لأنهم كانوا يحملون هاتين الصفتين؛ صفة الشدة مع
الأعداء في ساحات الصراع، وصفة الرحمة مع المؤمنين، وعندما انقلبت
المسألة، فأصبحنا أشدّاء على المؤمنين رحماء مع الكفار، انهزمنا وضعفنا
وسقطنا، وهذا ما نلاحظه في ما يتحرك به الكثيرون من المسلمين الذين
يحاربون مسلمين آخرين نتيجة بعض الخلافات المذهبية أو بعض الخلافات
السياسية أو بعض الخلافات العرقية، فيحارب المسلم المسلم ويستعين بالكافر
عليه.
ونحن نجد في كثير من الحالات الآن، أن كثيراً من
المسلمين، سواءً كانوا من الحكام أو من الأحزاب، يساعدون الكافر على
المسلم، مثل الأشخاص الذين يتجسّسون لحساب الأعداء، كالذين يتجسسون لحساب
إسرائيل ضد المجاهدين الفلسطينيين أو ضد المجاهدين اللبنانيين، أو الذين
يتجسّسون لحساب أمريكا ضد المسلمين هنا وهناك، ويدفعون بالقوات الأمريكية
لأن تحارب المسلمين في عقر دارهم، وهذا ما نلاحظه الآن في العراق من خلال
الحكومة التي اعتبرت نفسها عراقية، ولكنّها تعطي القرار والحرية للقوات
الأمريكية لأن تنطلق بطائراتها ومدافعها وصواريخها لتقصف المؤمنين
والمسلمين في النجف الأشرف، وحتى إنها ربما تقصف الأماكن المقدّسة، كل
ذلك من خلال هؤلاء الذين في الحكومة، الذين يدفعون بالأمريكيين لأن
يقصفوا هذا المكان المقدّس والأرض الطاهرة، ولأن يقتلوا الأطفال والنساء
والشيوخ. ونحن نعرف أن هذه الحكومات لا حول لها ولا قوة، وأنها مأمورة
بأمر القوات الأمريكية التي أعطتهم عنوان السيادة، ولكنهم لا يزالون
يعيشون تحت الاحتلال.
وهكذا نلاحظ كيف يسقط المسلمون في أكثر من مكان
ومنطقة في العراق نتيجة القصف الأمريكي، وبمختلف الأسلحة الثقيلة، في
الوقت الذي لا يملك لمجاهدون إلا الأسلحة الخفيفة، وهذا ما قَلَبَ
المسألة، وذلك عندما أصبحنا أشداء بعضنا على بعض، رحماء على الكافرين في
الوقت نفسه.
ولقد بيّن لنا الله سبحانه وتعالى سبب انهزام اليهود
بأنّ: {بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} [الحشر:14]، أي كان
اليهود متفرقين يحاربون بعضهم بعضاً، ويشتدّ بعضهم على بعض، قلوبهم شتى،
تحسبهم يعيشون في مجتمع موحّد، ولكن كل واحد يختلف عن الآخر في توجّهاته
وفي خطوطه، لذلك انكسر اليهود وانتصر المسلمون، لأنهم كانوا أشدّاء على
الكفّار، وانقلبت الصورة، فأصبح اليهود أشدّاء على المسلمين رحماء بينهم،
وأصبح بأسنا بيننا شديداً، تحسبنا جميعاً وقلوبنا شتّى. وهكذا انقلبت
الصورة، وانقلبت النفوس وانقلب الواقع، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {إن
الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم} [الرعد:11].
{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء
بينهم}، لأنهم يعيشون الخضوع لله ويعيشون الإخلاص له، {تراهم ركّعاً
سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً}، يفكّرون في الله تعالى، ويبتغون
منه الفضل وأن يرضى عنهم، {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}، فقد بلغوا
في عبادتهم لله سبحانه وتعالى وكثرة صلواتهم وكثرة سجودهم، أن جباههم
تأثّرت بسجودهم على الأرض، بحيث إنك عندما تراهم ترى أثر السجود وأثر
الصلاة على جباههم، {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل}.
لذلك علينا عندما نريد أن نصنع مجتمعاً مسلماً، سواء
كان ذلك على مستوى شخصية القيادة أو روحية القيادة وأخلاقيتها وتواضعها
ورحمتها مع المجتمع المسلم، الذي يتكامل بدوره معها، فإننا نستطيع أن
ننتصر، بإخلاصنا لله تعالى وركوعنا وسجودنا بين يديه، وعندما نبتغي منه
الفضل والرضوان.
ذلك هو الهدف الذي ينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيقه في
مجتمعاتنا، لتكون مجتمعاتنا مجتمعات إسلامية يرضى عنها الله سبحانه
وتعالى، ويرضى عنها رسوله، لتعود إلى ربها راضية مطمئنة كما وصفها لنا
تعالى في كتابه الكريم: {يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربك راضيةً
مرضية* فادخلي في عبادي* وادخلي جنتي} [الفجر:27ـ30]، النفس الراضية
المرضيّة بالله سبحانه وتعالى، التي تعيش الاطمئنان وعدم الحيرة والقلق
وعدم التمزق.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا بما يعين به الصالحين على
أنفسهم، إنه أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
موعظة ليلة الجمعة ، بيروت:
12- 8 - 2004م. |