مفاهيم > مبـادىء المعاهـدة

مبـادىء المعاهـدة

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {لتُبلوُنّ في أموالِكُم وأنفسكُم ولتسمعُنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران:186].

إنّ الله سبحانه وتعالى يحدّثنا في هذه الآية، أن الإنسان عندما يعيش في المجتمع وهو يلتزم الخط المستقيم في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والسير مع أوليائه في طاعة الله ورسوله، فإنه قد يلتقي بالناس الذين لا يتفقون معه في إيمانه، فهناك الذين يكفرون بالله تعالى أو يكفرون برسوله ورسالته، أو يكفرون باليوم الآخر.

وهناك الذين يجعلون لله تعالى شريكاً، إما في مقام الألوهية أو في مقام العبادة، فيشركون بعبادة الله غيره، أو يشركون بطاعة الله غيره، ومن الطبيعي أن تحدث نزاعات وخلافات بين جماعة المؤمنين في الخطِّ الإيماني، وجماعة الكافرين المشركين أو أهل الكتاب الذين يكفرون بالرسول وبرسالته من اليهود والنصارى، وقد يتعرَّض المؤمنون في هذه النـزاعات والخلافات لبعض الضغوط من قِبَل المشركين، ومن قِبَل أهل الكتاب، كما حدث في زمن النبي(ص)، في اضطهاد المشركين للمؤمنين، حتى إنهم بدأوا في اضطهاد النبي(ص).

وعانى النبي(ص) منهم ما عاناه، حتى قال: "ما أُوذِيَ نبي مثلما أوذيت"، وهكذا في إثارتهم الحروب ضد المسلمين، حيث شغلوا تلك المرحلة الإسلامية بالحروب، فكان النبي(ص) يخرج من حرب ثم يدخل في حرب أخرى، إذ بدأ بعد الهجرة حربه معهم في بدر، ثم في أُحُد، ثم في الأحزاب وغيرها، حتى وصل إلى فتح مكة، وبعدها غزوة حنين.

وهكذا في خيبر وغيرها، حيث منعوا النبي(ص) من استكمال إبلاغ رسالته للمنطقة التي كان يعيش فيها، لأن الناس كانوا ينظرون إلى مسألة ميزان القوة بين المسلمين والمشركين، لأنهم عندما يرون المشركين في مركز القوة، فإن ذلك سوف يمنعهم من الإيمان بالرسول(ص) والسير في خطِّ الإسلام.

لذلك عانى النبي(ص) منهم الكثير، كما عانى من اليهود الكثير، وعندما هاجر النبي(ص) إلى المدينة، عقد معاهدة بين أهل المدينة الذين كانوا مختلفين بين عشيرتي الأوس والخزرج، فصالح بينهم ووحّدهم بالإسلام، ثم بدأ النبي(ص) معاهدةً يجمع فيها كل سكان المدينة من المهاجرين الذين هاجروا معه أو هاجروا قبله أو بعده وسكنوا المدينة واستضافهم الأنصار، وهذا ما قاله الله تعالى: {والذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر:9].

وأدخل اليهود في المعاهدة، فجعل لهم الحق بالأمن والحق بالتعاون وما إلى ذلك، حيث كانت هذه الوثيقة؛ وثيقة المعاهدة، أول وثيقة عهدية تعاقدية في تلك الأزمنة، وهي الوثيقة القانونية التي لا يزال العالم يدرسها كأوّل حركة تعاقدية في بدايات العمل بالقانون الإسلامي في الدولة الإسلامية، ولكن اليهود نقضوا العهد، وتحالفوا مع المشركين في معركة الأحزاب، وعملوا على خيانة الله ورسوله.

ولذلك عندما انتصر النبي(ص) في معركة الأحزاب، {وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال} [الأحزاب:25]، عند ذلك، ذهب النبي(ص) ليواجه يهود بني قريظة وبني النضير الذين خانوا العهد والميثاق، وكانت النتيجة أن النبي(ص) انتصر عليهم وأخرجهم من المدينة، لأنه لم يعد يثق بهم في أنهم يمكن أن يحفظوا أمن الناس بعد أن خانوا الله ورسوله ونقضوا العهد بعد الميثاق.

وهكذا عاش المسلمون في حركة التاريخ، هذا الأذى الثقافي والسياسي والأمني مع اليهود ومع غير اليهود أيضاً من النصارى الذين حاربوا المسلمين في أكثر من موقع، ومن المشركين والملحدين والكافرين.

إن الله سبحانه وتعالى يقول إنه قد يبتليكم، أي قد يحدث لكم هذا البلاء من خلال طبيعة الأوضاع التي يعيشها الناس في خلافاتهم ونزاعاتهم وسلبياتهم، قد تعيشون ذلك، وربما يؤثر ذلك على سلامة أموالكم عندما يستولي الآخرون عليها، أو سلامة نفوسكم عندما يهجم الآخرون عليكم ويعتدون عليكم، وتسمعون الأذى من خلال الكلمات القاسية التي تصدر من أهل الكتاب ومن المشركين، وقد تواجهون المشاكل الكثيرة، عندها عليكم أن لا تسقطوا أمام هذا البلاء، وعليكم أن لا تهتزوا ولا تتراجعوا ولا تتركوا إيمانكم ودينكم، بل عليكم أن تصمدوا وأن تصبروا وتتقوا أولاً؛ أن تصبروا فلا تسقطوا ولا تجزعوا، وأن تتّقوا، بمعنى أن تدرسوا المسألة في خطِّ التقوى الذي تسيرون من خلاله على التعليمات التي تصدرها الشريعة الإسلامية في ما أمر الله تعالى به أو أمر به رسوله(ص).

عليكم أن تصبروا وتدرسوا المسألة دراسة تحكمها التقوى، لتقفوا عند حدود الله ولا تنحرفوا عنها {فإن ذلك من عزم الأمور}، أي إنّ الصبر أمام البلاء والسير على خط التقوى في مواجهة المشاكل التي تعرض للإنسان، لا يمثّل حالة ضعف، فالصابر الصامد ينطلق من موقع قوة، لأنه يصبر ليفكر، ويصمد ليخطط، وليثبّت أقدامه على الطريق المستقيم، ويتقي الله، فيراقب الله في كل أمر صغير أو كبير، حتى يبقى في خط الاستقامة في حياته كلها.

وعليه، فإن الصبر لا يمثِّل حالة ضعف، بل يمثل حالة قوة، لأن الإنسان الصابر هو الذي يسيطر على مشاعره وأحاسيسه وعلى نقاط الضعف في نفسه، وهو الإنسان الذي يثبت أمام الاهتزازات.

ولذلك، فإن الصبر يمثل مظهر عزم ومظهر إرادة ومظهر قوة، لأن الصابر لا يستطيع الآخرون أن يسيطروا عليه، بل إنه يظلُّ صامداً يفكر في نهايات الأمور من خلال الخطة التي يرسمها {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان:17].

ونحن أيها الأحبة، نعيش في عالمنا هذا الكثير من تحدّيات المشركين والمستكبرين واليهود وبعض النصارى، ونواجه الكثير ونتحمّل الأذى والاهتزازات الكبيرة والحروب القاسية الشديدة، فعلينا أن نصبر ونصمد ونثبت أمام الاهتزازات التي يفرضونها علينا، حتى يعطينا الله سبحانه وتعالى من نصره ما يشاء إذا أخذنا بأسباب النصر: {ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيز} [الحجّ:40]. والحمد لله رب العالمين.

موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 14- 10 - 2004م.