مفاهيم > أسلـوب الـرفق

أسلـوب الـرفق

الله سبحانه وتعالى يقول: {ومَن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} [فصّلت:33]، هذا القول الذي يمثّل شعاراً للإنسان المسلم عندما يريد أن يعيش إسلامه في نفسه، فيؤكده في قوله وفعله وشعاره، عندما يرفع الآخرون شعاراتهم ليعلنوا عن انتماءاتهم التي قد تتنوّع في دينٍ يختلف عن دين الإسلام، أو في خط يختلف عن خط الإسلام، ثم يقول الله سبحانه وتعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم} [فصّلت:34].

كيف يواجه الإنسان المسلم المشاكل التي تقتحم عليه حياته في علاقته مع الآخرين؟ وكيف يواجه مشاكله مع زوجه أو أبنائه وأهله؟ أو عندما يعيش في ساحات الصراع في المجتمع عندما يختلف مع إنسان آخر أو مع فريق آخر في أمر يتصل بالمفاهيم الدينية فيما هو حق أو باطل، أو في القضايا المعاشة فيما هو الحق لهذا أو لذاك، أو في مسألة سياسية في ساحات الصراع السياسي، أو في مسألة اجتماعية في حالات الصراع الاجتماعي...؟

كيف يحل الإنسان المسلم مشاكله؟ هل يحلها بالعنف فيبادر إلى طلاق زوجته عندما يختلف معها، أو تبادر الزوجة بالضغط عليه وطلب الطلاق منه؟ أو هل يصادر آراء أولاده أو يصادر الأولاد رأي أبيهم أو أمهم بالعنف أو يدخل في قضايا تقويم المصلحة والمفسدة والخير والشر والحق والباطل، وحركة الغلبة بين الغالب والمغلوب؟ كيف يمارس الإنسان حل المشكلة بصفته منتمياً إلى الخط الإسلامي الذي يفرض عليه أن يلتزم بكل أحكامه؟

إنّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يقول للإنسان ادرس كل الأساليب وكل الوسائل المتوفرة عندك، قد تكون القوة هي الوسيلة، وقد يكون العنف هو الأسلوب الذي تقنع به الطرف الآخر الذي تختلف معه لتجبره على الخضوع لك في ما تريده، وقد تكون لديك وسيلة لحلِّ المسألة بالرفق واللين، أو بالطريقة التي تربح من خلالها صداقته وتحول عداوته إلى صداقة، عندها عليك أن تختار الوسيلة الأحسن والأفضل التي تؤكد سلامة العلاقة بين الناس، وتحوّل التقاطع إلى تواصل والعداوة إلى صداقة {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم}، أي تصرف معه كما لو أنّه صديقك الذي تربطك به وتربطه بك العلاقة الحميمة.

هذا هو الأسلوب الذي قدَّمه الإسلام لحلّ المشاكل. وإذا كانت الآية تتحدث عن علاقة الفرد مع الفرد، فإن من الممكن جداً أن تمتد إلى علاقة المجتمعات بعضها مع بعض، فنحن عندما نواجه الشعوب الأخرى التي تحدث بيننا وبينها بعض حالات سوء التفاهم أو بعض حالات الصراع، فإن علينا بوحي هذه الآية أن نختار الوسائل التي تحوّل هذه الشعوب من حالة العداوة إلى حالة الصداقة، لنكون أصدقاء العالم، لأنّ العنف لا يحلّ مشكلةً، بل قد يعقدها أكثر.

وقد ورد عن النبي(ص: "إن الرفق ـ وهو الحل السلمي من خلال اللين في الخطاب واللين في المعاملة وفي العلاقة ـ لم يوضع على شيء قط إلا زانه ـ إلا زيّنه وحسّنه ـ ولم يوضع عنه قطّ ـ وذلك باختيار العنف ـ إلا شانه"، إلا عابه وقبّحه، وجاء عنه(ص) أيضاً: "إن الله رفيق يحب الرفق ـ لأن الله يرفق بعباده ويلطف بهم ـ ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"، أي إذا كانت هناك مشكلة وحللتها بالطريقة السلمية وأمكن لك أن تحلّها بطريقة العنف، فإن الله يعطيك من الأجر على حلّها بالطريقة السلمية أكثر مما يعطيك من الأجر على حلّها بطريقة العنف.

لكن هذا الأسلوب الذي أراد الله للإنسان أن يستعمله في مواجهة المشاكل، يحتاج إلى قدرات عالية من الصبر والوعي، وإلى قدرة على التفكّر في الأسلوب الأنسب لمواجهة المشاكل، بحيث يفكّر في النتائج المترتبة على الأسلوب في كل القضايا التي تواجهه؛ في الصراع السياسي، والصراع الاجتماعي، والصراع الفكري، لأن القضية أنك عندما تدخل في مسألة صراع مع الإنسان الآخر، فإن المشكلة لا تحل بشفاء الغيظ، بل بمعرفة جذور المشكلة وحلّها من أصلها بعيداً عن حالات الحقد والعصبية، ولا سيما إذا كنت منتمياً إلى الإسلام الذي هو الحق ومبتعداً عن الباطل، وقد قال الإمام علي(ع): "فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك ـ يعني أن يكون طموحك في الحياة ـ بلوغ لذة أو شفاء غيظ"، أن لا يكون كل همك كيف تحصل على اللذة، لأن اللذة تنتهي بلحظة.

الآن لو فرضنا أنّ هناك "أكلةً" تحبها كثيراً وحصلت عليها وأكلتها، كم هو وقت إحساسك باللذّة عندما تكون الأكلة في لسانك؟! لحظة، لكن بعد ذلك عندما تدخل إلى المعدة فهل تحسّ بها؟ جربوا كل اللذات، إحساسك باللذة أو شفاء الغيظ هو لحظة، وعليك أن لا تخضع كل حياتك للحظة. "فلا يكن"، وهذه كلمة الإمام علي بن أبي طالب(ع) لابن عباس ولكل واحد منا، "فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ"، لكن ما هو الذي يبقى، "ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق"، هو أن تصل إلى الأسلوب، إلى الوسائل التي تُطفىء الباطل الذي أراد الله سبحانه وتعالى لك أن تطفئه وحمّلك مسؤولية إطفائه {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون} [التوبة:32]، وإحياء الحق يكون كما يريد الله سبحانه وتعالى.

فقضية أن تدفع بالتي هي أحسن، كما جاء في الآية الثانية، بحيث تحوّل عدوك إلى صديق، ليست من الأمور السهلة، ولذلك يقول تعالى: {وما يُلقّاها ـ لا يحصل عليها ـ إلا الذين صبروا ـ الذين عندما تأتيهم حالات الإحساس والمشاعر الحادّة يضبطون أعصابهم ـ وما يُلقّاها إلا ذو حظٍ عظيم} [فصّلت:35]، الذي يفكر بوعي، وذلك عندما يفكر بنتائج الأمور وعواقبها لا في بداياتها.

وقد ورد عن علي(ع) في مسألة الصداقة: "أعجز الناس مَن عجز عن اكتساب الأخوان ـ أي الذي يعيش ولا يحصل على صديق أو أخ، لأنه إنسان حادّ المزاج انفعالي، لا أحد يطيقه ولا يطيق أحداً، ولذا فهو يعيش وحيداً، فهو أعجز الناس ـ وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم"، وهو الذي حصّل أخواناً ولكنه لم يعرف كيف يحافظ عليهم بأسلوبه.

أيها الأحبة، إن مجتمعاتنا الآن بفعل الأزمات المادية والأمنية والسياسية والاجتماعية تجعلنا نتعب كثيراً، وتجعلنا ننفعل كثيراً، وتجعلنا نتعصّب كثيراً، وتجعلنا في حالة تعب دائم، لأننا نحن من نتعّب أنفسنا. الله سبحانه وتعالى يقول أريحوا أنفسكم، حضروا عقولكم، ركزوا إرادتكم، افتحوا عيونكم للآفاق الواسعة، حاولوا أن تؤصلوا إنسانيتكم حتى تحصلوا على راحة العقل والقلب والضمير والحياة، لكن مشكلتنا أننا أول ما نستيقظ من النوم نفكر كيف نتعب أنفسنا وكيف نتعب عيالنا وكيف نتعب الناس من حولنا، ولا نفكر كيف نريح أنفسنا، الراحة ليست فقط أن تجلب لأهلك ما يأكلون وما يشربون، بل راحة أهلك أن تنشر السلام في بيتك، وأن تعيش السلام مع زوجك ومع أولادك ومع الناس من حولك. والحمد لله ربِّ العالمين.

موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 15- 7 - 2004م.