مفاهيم > الإنسان بين عمل الدنيا وحساب الآخرة

الإنسان بين عمل الدنيا وحساب الآخرة

يقول الله سبحانه وتعالى: {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (المؤمنون:93-94)، في هذه الآيتين، يعلِّم الله تعالى نبيّه، ويعلّمنا من خلال النبي(ص)، أنّ على الإنسان عندما يستحضر مشهد يوم القيامة، ويشاهد الناس الذين يختلفون في التزاماتهم، بين مؤمن يلتزم الإيمان، وكافر يلتزم الكفر، أو ضالّ يلتزم الضلال... أن يطلب من الله أن لا يحشره مع القوم الظالمين الذين توعّدهم بغضبه وسخطه وعذابه، وأن لا يجعله في هذا المجتمع الظالم لنفسه، الذي ابتعد عن مواقع رضا الله. وهذا الدعاء ينبغي للإنسان دائماً أن يدعو به ربه، عندما يرى الناس الضالين والظالمين الذين يظلمون أنفسهم بالكفر أو بالضلال أو المعصية.

سلوك المؤمن

ثمّ يقول الله سبحانه للنّبي(ص): {وإنّا على أن نُريك ما نعدهم لقادرون} (المؤمنون:95)، أي نحن نملك القدرة على أن نريك ما نعد هؤلاء الضالين الظالمين يوم القيامة، ولكن نحن نوجّهك في سلوكك مع الناس، فقد يسيء إليك هؤلاء الناس عندما تدعوهم إلى الإيمان فلا يطيعونك، أو تدعوهم إلى الطاعة فلا يسمعون لك، فحاول أن يكون أسلوبك مع هؤلاء الناس أن تدفع بالحسنة السيئة {ادفع بالتي هي أحسن السيئة}، أي أن لا تقابلهم بالسوء، رداً على ما يقومون به من سوء ضدك.

{نحن أعلم بما يصفون} (المؤمنون:96)، فالله أعلم بأساليبهم وبكلماتهم القاسية، وباتهاماتهم لك، وضغطهم عليك، {وقُل} عندما تواجه كلّ ذلك، {ربِّ أعوذ بك من همزات الشياطين} (المؤمنون:97)، أي استعذ بالله من كل وساوس الشياطين وخطواتهم التي يضلون بها الناس عندما يوسوسون لهم، فيخلطون لهم الحق بالباطل، والخير بالشر، فتشتبه عليهم الأمور.

استعذ بالله من ذلك، حتى يبعدهم الله عنك، لأن الله سبحانه وتعالى أراد للمؤمن أن يستعيذ به من كلِّ ما يقوم به الشياطين في وساوسهم وخطواتهم، بما يحاولون به إضلال الإنسان، {وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون} (المؤمنون:98)، أبعدهم يا رب عني، فأنا أعوذ بك وأستجير بك من أن يحضروا في عقلي وفي قلبي وفي الساحة التي أتحرك فيها. وقد ورد أنه يستحب للإنسان عندما يبدأ صلاته قبل التكبير أن يقول: {قل أعوذ بك ربِّ من همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون}، حتى لا ينفذ الشيطان إليه في صلاته، فيبعده عن التوجه إلى الله والخشوع بين يديه.

العاصون يوم القيامة

ثم يحدِّثنا الله عن هؤلاء الناس الذين يظلمون أنفسهم، كيف يواجهون الموت، وعندما يعاينون القيامة ويرون ما ينتظرهم فيها من عذاب الله، {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ أرجعون* لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت}، أي عندما يرى يوم القيامة، ويرى كيف يذهب العاصون والكافرون إلى النار، يبرِّر أمام الله بأنه لم يكن يعرف خطورة هذه المسألة، فقد كان عندما يأتي المبلِّغون والمنذرون والرّسل، ينكر عليهم دعوتهم ويقول إنها أساطير الأولين، ويقول أيضاً: {أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون* أوآباؤنا الأولون} (الصافات:16-17)، فما لم نصدقه في السابق هو حاضر أمام أعيننا اليوم، لذلك نطلب منك يا رب إرجاعنا إلى الدنيا، وأن تعطينا فرصة ثانية حتى نطيعك ونعبدك، ثم أمتنا بعد ذلك حتى نستطيع تحصيل النتيجة.

{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ أرجعون* لعلي أعمل صالحاً فيما تركت}، من الأعمال. ويأتي الجواب من الله تعالى: {كلا إنها كلمةٌ هو قائلها} (المؤمنون:99-100)، أي إن هذه الكلمة لا معنى جدّياً لها، فهي لا تقبل منه، لأن الله قد أعطاه الفرصة في كل السنين التي عاشها في الدنيا، فأعطاه عقلاً يميّز به بين الخير والشر، وبين ما ينفعه وما يضره، وأرسل الرسل ليعرّفوه لقاء يومه هذا. لذلك فإن هذه الكلمة لا قيمة لها.

وقد ورد: "اليوم ـ في الدنيا ـ عمل ولا حساب"، "وغداً حساب ولا عمل"، لأنه لا عمل يوم القيامة، بل هناك الحساب فقط. ففي الدنيا، قد تصلي أو لا تصلي، وقد تلتزم بالدّين أو لا تلتزم، فلا أحد يحاسبك.

{ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعثون} (المؤمنون:100)، وعالم البرزخ هو عالم وسط بين الدنيا والآخرة، وفيه ثواب وعقاب.

{فإذا نفخ في الصور}، أي إذا جاءت القيامة ـ والصور هو البوق، وهذا وارد على نحو الكناية ـ والمقصود به الصيحة التي توقظ الأموات من أجداثهم، {فلا أنساب بينهم}، فليس هناك فلان ابن فلان أو فلان ابن فلانة، هذه الحال تلزم عن تنظيم الواقع الإنساني للناس في الدنيا، لأنه يوجد عائلة وأنساب وعلاقات. أما يوم القيامة: {وكلٌ آتيه يوم القيامة فرداً} (مريم:95)، {يوم يفرّ المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه* لكل امرىءٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه} (عبس:34-37)، ليس هناك أب أو أم أو أخ، ليس هناك أحد، {لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً} (لقمان:33).

{فإذا نفخ في الصّور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} (المؤمنون:101)، فلا أحد يسأل الآخر، لأنّ الكل مشغول بهذا الجوّ الصلب الذي يعيشونه، {فمن ثقلت موازينه}، أي مَن كانت أعماله أعمالاً صالحة وطيبة، بحيث كان ميزانه ثقيلاً بالأعمال الصالحة {فأولئك هم المفلحون} (المؤمنون:103)، لأنهم قدموا إلى الله بأعمالهم الخيّرة والصالحة. {ومن خفت موازينه}، أي لم يكن عنده أعمال صالحة، تماماً ككفة الميزان عندما لا تضع فيه شيئاً، تراه فوراً يترجح إلى الجهة الأخرى، ولكن عندما تضع في الكفة شيئاً فإنها تثبت، {ومن خفَّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم}، لأنهم لم يقوموا بعملٍ صالح، {في جهنم خالدون* تلفح وجوههم النار}، أي عندما تهب النار على وجوههم فتلفحها {وهم فيها كالحون} (المؤمنون:103-104)، فكأنه تسودّ وجوههم من خلال النار التي تصيبهم.

وتتوجه إليهم هنا الملائكة من خلال الله بالمطالبة {ألم تكن آياتي تتلى عليكم}، أقمت عليكم الحجة، ألم تكونوا تقرأون القرآن وتستمعون إلى الأنبياء والأولياء والواعظين، {فكنتم بها تكذبون* قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين* ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون* قال اخسأوا فيها ولا تكلّمون} (المؤمنون:105-108)، وكم هي صعبة على الإنسان أن يقول له الله عزّ وجل اخسأ في جهنّم،لأنّ فيها الكثير من المهانة والمذلّة لهذا الإنسان.

{إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين* فاتّخذتموهم سخرياً}، أولئك الناس الذين كانوا معكم في الأمكنة ذاتها، وكنتم تسخرون منهم وتضحكون عليهم، عندما يصلّون ويصومون، ولا يشربون الخمر، ولا يلعبون القمار ولا يرتشون، بحجّة أنّ هؤلاء لا يعيشون الحياة، ولا يعرفون كيف يعيشون، أليس هذا ما يردده بعض الناس؟!

ولكنّ الله يطالبهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون، {فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري}، أي انشغلتم بهم، وبالكلام عليهم، وبالسخرية بهم، حتى نسيتم الله، {وكنتم منهم تضحكون} (المؤمنون:109-110)، فاليوم انظروا إلى هؤلاء، {أني جزيتهم اليوم بما صبروا}، صبروا على سخريتكم وعلى الطاعة وعن المعصية، وصبروا على البلاء، {إنهم هم الفائزون} (المؤمنون:111) {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} (المطففين:26). والحمد لله رب العالمين.

درس التفسير القرآني الذي ألقاه سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله بتاريخ 16-5-1426هـ/ 23-6-2005