|
مفاهيم
>
الاحتكـام لأمـر اللـه
الاحتكـام لأمـر اللـه
كنّا نتحدّث في ما سبق
عن مسألة أن الله سبحانه تعالى يريد من الإنسان المسلم الطاعة المطلقة،
حيث لا يكون للإنسان أي موقف سلبي من قريب أو من بعيد أمام ما أمر الله
به وما نهى عنه، وهذا ما جاء في قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة
إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب:36]،
فلا خيار للإنسان أمام ما قضاه الله ورسوله، والقضية ترجع إلى قضاء الله
وحده، لأن الرسول(ص) إنما يأمر وينهى تبعاً لما أمر الله به ونهى عنه
ولما أوكل الله إليه من أمره ونهيه، حتى أن العلاقة بالله تتأكد باتّباع
رسول الله وبإطاعته {قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله}[آل
عمران:31]. فالله يحب الناس من خلال ما يطيعون به الرسول، لأنه من أطاع
الرسول فقد أطاع الله.
والله سبحانه يحدِّثنا
عن بعض النماذج من المسلمين، الذين ربما يتعرضون في خلافاتهم مع الناس
الآخرين لبعض الأمور، فيدعوهم الآخرون من المسلمين ممن اختلفوا معهم إلى
التقاضي إلى حكم الله ورسوله، فلا يستسلمون لذلك، بل يحاولون البحث أولاً
في النتائج، وهل إن الشرع يحكم لهم في ما يدَّعونه أو أنّه يحكم لخصومهم،
فإذا رأوا أن الشرع يحكم لهم فإنهم يبادرون إلى الاستسلام لأمر الشرع،
وإذا رأوا أن الشرع يحكم لخصومهم في ما يختلفون فيه معهم، رفضوا المجيء
إلى حكم الله.
وهذا أمر نجده الآن في
كثير من مواقع القضاء في العالم الإسلامي، باعتبار أن واقع القضاء في
العالم الإسلامي يخضع في أغلب الحالات إلى القوانين الوضعية المدنية التي
تُشرِّع على خلاف حكم الله سبحانه وتعالى، بل إنها تتبع في تشريعاتها
القوانين التي أصدرها الغرب الذي سيطر على البلاد الإسلامية وفرض عليها
أسلوبه ووسائله في الحكم والقضاء وغير ذلك.
وهناك قضاء شرعي لا
سلطة له في غالب الأحوال في البلاد الإسلامية، فنلاحظ أن بعض الناس عندما
يقعون في أية مشكلة تؤدي إلى نزاع وخلاف بينهم وبين الآخرين، فإنهم
يبادرون إلى السؤال هل الشرع معهم أو القانون معهم، فإذا رأوا أن الشرع
معهم بادروا إليه، وإن رأوا أن القانون معهم والشرع ليس معهم ذهبوا إلى
القانون الوضعي وتركوا القانون الشرعي.
وقد عالجت آيات سورة
النور هذا الواقع وهذه النماذج، يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة:
{لقد أنزلنا آيات مبيّنات}، ليعرفها الناس وليأخذوا بها في ما يراد لهم
الاهتداء به في كل شؤونهم العقيدية والشرعية، وفي علاقاتهم الإنسانية
ومناهجهم العملية، {والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم} [النور:46]،
لأن هذه الآيات المبينة الواضحة هي التي تخطّ للإنسان الخطوط التي تسير
به إلى الصراط المستقيم، وتريد للناس أن يهتدوا بها، ولكن الله سبحانه
وتعالى يحدِّثنا عمّن لم يهتدِ بها، وإنما يحاول أن يلعب بالمسألة بين
الحق والباطل {ويقولون آمنّا بالله وبالرسول وأطعنا}، فهم يعلنون إيمانهم
بالله وبالرسول، ويؤكدون الانسجام مع خط الإيمان الذي يفرض عليهم اتّباع
الله والرسول، فيؤكدون الطاعة لله ورسوله في ما أمرا به ونهيا عنه، {ثم
يتولى فريق منهم}، أي يعرض فريقٌ منهم.
فهؤلاء الذين يعلنون
إيمانهم ويؤكّدون التزامهم بالطاعة، ينقسمون إلى قسمين؛ فهناك قسم ينسجم
مع خط الطاعة، وقسم آخر يعرض عمّا اعترف به وأكّده، {ثم يتولّى فريق منهم
من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين}، لأن الإيمان ليس مجرد كلمة نتكلم بها
أو شهادة لفظية نشهد بها، ولكن الإيمان كما ذُكر: "إقرار باللسان،
واعتراف بالجنان ـ يعني بالقلب والعقل ـ وعمل بالأركان"، عملٌ بالأعضاء
في خطِّ هذا الإيمان، بتجسيده في الواقع الذي يعيشه الناس في كل أمورهم
الفردية والاجتماعية.
{وإذا دعوا إلى الله
ورسوله ليحكم بينهم ـ في ما اختلفوا فيه ـ إذا فريقٌ منهم معرضون}، أي
أنّهم يعرضون عن هذه الدعوة ولا يستسلمون لها، مع أن على الإنسان المؤمن
أن يستسلم للدعوة إلى السير في خطِّ الله ورسوله، {وإن يكن لهم الحق}، إن
سألوا عن القضية التي يُدعون فيها إلى حكم الله وإلى حكم الرسول، ورأوا
أن الحق لهم في حكم الشرع، وأنهم إذا تقاضوا لدى الشرع فإنهم يحصلون على
ما يريدون، لأن الحق ولو بالصدفة كان لهم، {يأتوا إليه مذعنين}، لا من
جهة أنهم يؤمنون بالحق ويؤمنون بالله ورسوله وبشريعته، ولكن لأن الشريعة
انسجمت معهم بحسب طبيعة القضية التي يعرضونها أمام القضاء.
{أفي قلوبهم مرض}، هل
هم منافقون؟! لأنّ الله يتحدث عن مرض القلب ويعني به مرض العقل، أي المرض
المعنوي والمرض الروحي، الذي يصيب الإيمان ويجعل الإنسان غير منسجم مع
طبيعة الخطِّ المستقيم، باعتبار الخلل في إيمانه والخلل في إسلامه وفي
التزامه الديني، أفي قلوبهم مرض كما هو حال المنافقين الذين يظهرون
الإيمان ويبطنون الكفر، أو يظهرون الالتزام ويبطنون عدمه {أفي قلوبهم
مرضٌ أم ارتابوا}، أي هل حصل عندهم شك في الله وفي رسوله وابتعدوا عن
خطِّ الإيمان وخطِّ الالتزام {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله}،
بحيث يشككون في عدالة الله تعالى وفي عدالة الرسول، فيخافون أن يأخذهم
الله بالجور ويأخذهم الرسول بالظلم، والله ليس بحاجة إلى أن يجور على
أحد، لأنّه هو العدل، وهو الذي يأمر بالعدل، والذي أقام الحياة على أساس
العدل والاستقامة والتوازن.
{بل أولئك هم
الظالمون} [النور:50]، هم الذين ظلموا أنفسهم بالانحراف عن خطّ الله
سبحانه وتعالى {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [النحل:118]، فهم
ظلموا أنفسهم وظلموا الحق الذي أراد الله لهم أن يحافظوا عليه وأن يسيروا
في خطه وينفتحوا على كل شرائعه وموارده، وما يفعله هؤلاء ليس شأن
المؤمنين، {إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم
أن يقولوا سمعنا وأطعنا}، بحيث يكون دورهم دور الاستسلام المطلق، فما دام
الله هو الذي دعاهم إلى حكمه، وما دام الرسول دعاهم إلى حكم الله، فعليهم
أن يستسلموا، لأن هذا هو معنى العبودية لله سبحانه وتعالى.
نحن قلنا إنّ كلمة "لا
إله إلا الله"، تعني أنك حرّ أمام العالم كله وعبدٌ أمام الله تعالى،
خلافاً لبعض الناس الذين هم أحرار أمام الله ولكنهم عبيد للشيطان، وهذه
تسمعونها في بعض الحالات من بعض الناس، ممّن تقول له صلِّ، فيقول لك أنا
حر، صُم يقول أنا حر، لا تأكل الربا لا تزني لا تسرق يقول أنا حر، لكنه
عبدٌ للشيطان، ويتصوّر نفسه حراً لمن كانت عبوديته له في أصل وجوده، يعني
نحن عبيد الله لأننا صنعة الله، لأننا خلق الله، {هذا خلق الله فأروني
ماذا خلق الذين من دونه} [لقمان:11].
ولعلّنا تحدثنا إليكم
أكثر من مرة عن القصة التي جرت مع الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع) عندما
مرّ على دار شخص يُقال له بشر، وكان هذا الشخص يقضي ليله باللهو والخمر
والرقص والغناء الفاحش وما إلى ذلك من الأمور، وقد مرّ الإمام(ع) حسب
الرواية على بيته، ورأى الخادمة ترمي النفايات خارج البيت، فاستوقفها
الإمام(ع) وسألها لمن هذه الدار، طبعاً وكم سائلٍ عن أمرٍ وهو عالمه، لأن
الإمام يريد أن يصل إلى النتيجة، قال: لمن هذه الدار؟ قالت: لسيدي بشر،
قال: سيدك حرٌ أم عبد؟ لأن في ذلك الوقت كان هناك عبيد وإماء وأحرار،
يعني كان الناس يبيعون الناس، قالت: سيدي حر، قال: صدقتِ، لو كان عبداً
لخاف من مولاه. هو حر أمام الله ولكنّه عبد للشيطان، ثم ترك الإمام
الجارية ومشى، ودخلت الجارية إلى البيت وكان سيدها استأخرها، فسألها:
لماذا تأخرتِ؟ قالت: مرّ بي شخص صفته كذا وكذا، وسألني ثم أجبته، فقال
كذا. في بعض الحالات قد تتكلم مع إنسان 20 سنة ولا يؤثر فيه، ولكن قد
تأتي لحظة رحمانية فيهتزُّ كيانه، كما هي الأرض في قوله تعالى: {وترى
الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج}
[الحج:5]، كذلك القلب يمكن أن تأتيه كلمة في وقت يكون مستعداً للهداية،
فتؤثر به مثل الماء عندما ينـزل على الأرض المملوءة بالبذور، لأن الإنسان
بطبيعته طيب، ولكن الأمور التي تحيط به ربما تذهب صفاءه وتذهب طيبته.
هذا الإنسان اهتزَّ
واستيقظ قلبه، فركض ووصل إلى الإمام(ع) وأكبّ عليه يقبّله، قال له: هل لي
من توبة؟ فهذه الكلمة هزّتني وغيّرت كل تفكيري، وأنا تائب إلى الله تعالى
وسأترك كل هذه الأشياء، فهل لي من توبة؟ قال: إن تُبتَ تاب الله عليك.
وتحوّل هذا الشخص اللاهي المعربد الخليع إلى شخص من زهّاد المجتمع، حتى
إنه كان يمشي حافياً، فسموه بشر الحافي.
ونفهم من هذا، أنّ على
أخواننا وأخواتنا أن لا يتركوا الموعظة، وأن يدرسوا الكلمة التي تؤثر
بالشخص، فلا نقول إنّ فلاناً لا فائدة منه، بل أن نتكلّم لعلّنا نستطيع
في حالة من الحالات أن تترك كلمتنا تأثيرها كما أثّرت في هذا الإنسان.
نرجع إلى الآية: {إنما
كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا
وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور:51]، هؤلاء الذين يستجيبون لله
وللرسول، هم الذين ينالون الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. ثم يعطي
الله تعالى الخطّ المستقيم للفوز وللنجاح وللحصول على الدرجة الرفيعة:
{ومَن يطِع الله ورسوله ويخشى الله ويتّقه} أي يأخذ بأسباب التقوى،
{فأولئك هم الفائزون} [النور:52]، الذين ينالون الفوز في الدنيا والآخرة.
ثم يرجع القرآن الكريم
إلى هؤلاء الناس الذين في قلوبهم مرض، {وأقسموا بالله جهد أيمانهم}، أي
أنّهم عندما يأتون إليك، فإنهم يقولون والله وتالله، سنطيع وسنمشي في خط
التقوى، {وأقسموا بالله جهد إيمانهم} أي بجهد الحلف والأقسام التي
يقسمونها، {لئن أمرتهم} بالخروج معك للجهاد، ليخرجنّ {قل لا تقسموا}، لا
تحلفوا على كل شيء، {طاعة معروفة}، نحن نعرف طاعتكم، فهي طاعة بالكلام
وليست طاعة بالواقع، {إن الله خبير بما تعملون} [النور:53]، ثم يعطينا
الله تعالى الخط: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولّوا} ولم يقبلوا
ولم يستجيبوا لك، تكون قد أدّيت رسالتك، واستنفدت جهدك في مقام وعظ الناس
وإرشادهم ودعوتهم إلى الاستقامة على الخط المستقيم.
{فإن تولّوا}، إذا أعرضوا، {فإنما
عليه ما حُمِّل}، لأنّه {إنما أنت مذكّر* لست عليهم بمسيطر}
[الغاشية:21-22]، {وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات:55]
{فذكّر إن نفعت الذكرى} [الأعلى:9]، {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا
مؤمنين} [يونس:99]، أنت ليس بيدك إكراه الناس، أنت عليك البيان والبلاغ
وعلينا الحساب، {فإنما عليه ما حمّل وعليكم من حمِّلتم}، مسؤوليتكم أن
تسيروا على الخط وتستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، {وإن
تطيعوه تهتدوا}، أي تسيروا في خطّ الهداية الذي يؤدِّي بكم إلى رضوان
الله وإلى جنة النعيم، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور:54].
والحمد لله رب العالمين.
موعظة ليلة الجمعة ، بيروت:
23- 09 - 2004م. |