كنّا نتحدّث عن مسألة
الأمانة التي حمّلنا الله مسؤوليتها من خلال التزامنا بها في علاقتنا مع
الناس الآخرين أو في علاقاتنا مع الله ورسوله، لأن الإنسان الذي يحترم
نفسه يحترم التزامه، لأن الالتزام هو جزء من إنسانية الإنسان من خلال
علاقته بالإنسان الآخر. والأمانة بمعناها العام هي المسؤولية، فهناك
أمانة الله عنده، وهي أن يوحّده في العقيدة فلا يشرك به شيئاً، وفي
العبادة فلا يشرك بعبادته أحداً، وفي الطاعة فلا يشرك في طاعة الله
أحداً.
وأيضاً هناك أمانة مع
الرسول، فالتزام الإنسان بالإسلام، عندما يقول أشهد أن محمداً رسول الله،
معناه أنه يلتزم في قلبه وعقله وكل حياته بالنبي(ص)، لا بصفته الذاتية،
ولكن بصفته رسولاً يحمل الرسالة من الله بما أوحى الله به إليه وبما أوكل
الله أمره إليه، لينفتح الإنسان على هذه الرسالة انفتاحاً ثقافياً
وعملياً.
فهذه هي الأمانة التي
يحملها الإنسان ليلتزم بالإسلام في نفسه ويدعو إليها غيره، سواء كان غيره
من أهله أو من الناس الذين يتحمل مسؤوليتهم، لأن الالتزام بالإسلام
كأمانة حمّلها الله للإنسان هي أن ينقل الإسلام إلى الآخرين، فنحن لم نكن
في عهد رسول الله(ص)، ولكن الأجيال التي تعاقبت من آبائنا وأجدادنا هي
التي آمنت بالإسلام وحملته إلى الأجيال، فكل جيل حمل الإسلام إلى الجيل
الذي يأتي بعده. وهكذا نحن نحمل مسؤولية الإسلام إلى الجيل الآتي من
بعدنا، وقد خاطب الله المؤمنين بقوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين
آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} [التحريم:6]،
وأيضاً يقول: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه:132]، وفي آية أخرى:
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل
عمران:104].
وهذه الأمانة هي
الأمانة الثقيلة، لأنها تشمل دور الإنسان في الحياة في ما يلزم به نفسه
مما حمّله الله مسؤوليته في نفسه وفي أهله وفي الناس كافة، وقد حدثنا
الله تعالى عن ثقل هذه المسؤولية، أو هي الأمانة بطريقة إيحائية، فقال
سبحانه وتعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن
يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}
[الأحزاب:72]، فالله يريد أن يصور هذه المسألة بهذه الطريقة، أن انظروا
إلى ضخامة السموات في أفلاكها وفي كل أقطارها، وانظروا إلى الأرض في كل
امتدادها، وإلى الجبال في علوّها وضخامتها وصلابتها، لقد عرضنا الأمانة
عليها، وذلك طبعاً عن طريق التمثيل، لأن السموات والأرض والجبال لا تعقل
ولا تنطق، ولكن {فأبين أن يحملنها}، وقالوا يا ربّ لا نستطيع أن نحمل هذه
الأمانة، {وأشفقن منها}. فما هي هذه الأمانة؟ إنها أمانة المسؤولية، فقد
رفضت هذه المخلوقات أن تتحمّل مسؤولية النظام والقانون الذي يحكم وجودها،
وتركت ذلك لله سبحانه وتعالى.
وهذا أيضاً ما أشار
إليه الله سبحانه وتعالى عندما قال للسموات والأرض: {ائتيا طوعاً أو
كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت:11]، أي يا ربّنا دبّر أنت لنا أمرنا،
فنحن لا نستطيع أن نتحمّل مسؤولية أنفسنا، لأنه قد نخطىء وقد ننحرف
والخطأ يستتبع سخطك ويستتبع عقابك.
ولكن عندما عرضت هذه
الأمانة على الإنسان وقال له الله تحمّل مسؤولية نفسك، وإنني سأنزل عليك
هدى، لأنه عندما أنزل الله تعالى إبليس وأنزل آدم وحواء إلى الأرض، بيّن
لهم الله تعالى بأنه سوف ينـزل عليهم الهدى الذي يهتدون به، فالذي يتبع
هداي له الجنة، والذي ينحرف عنه له النار، {فإما يأتينّكم مني هدىً فمن
اتّبع هداي فلا يضل} [طه:123]، فأبدى الإنسان استعداده لتحمّل المسؤولية؛
مسؤولية العقل بحيث يحركه في الاتجاه الذي يرضاه الله، ومسؤولية أعضائه
في أن لا ينحرف بها عن خط هداه، وأيضاً مسؤولية كل مواقفه في مَن يؤيد أو
يرفض، فقال له الله سبحانه إنك ما دمت مستعداً لذلك إذاً أنا أكلفك، آمرك
وأنهاك، {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59].
فالله تعالى حمّل
الإنسان مسؤولية نفسه، وحمّله أيضاً مسؤولية الحياة من حوله، لأن الله
سبحانه وتعالى قال للملائكة: {إني جاعلٌ في الأرض خليفة} [البقرة:130]،
يحكم الأرض ويدبّر شؤونها وينظّم حركتها ويعمّرها ليصنعها على الصورة
التي تجعلها منتجةً وقويةً وصالحةً.
فالإنسان هو خليفة
الله في الأرض، وقد أعطاه الله العقل الذي يستطيع من خلاله إدارة هذه
الأرض وتحريكها في الاتجاه الذي يريده الله، ولكن الإنسان لم يدرس هذه
المسؤولية لمعرفة النتائج المترتبة عليها وما يعقبها من أمور على مستوى
الآخرة، {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً}، فقد ظلم نفسه لأنه لم يحركها
في اتجاه حمل هذه الأمانة، والالتزام بأوامر الله ونواهيه، والتحرك
باتجاه السلامة، والله يقول: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}
[النحل:118]، لأن الله عندما أعطى الإنسان العقل، وعندما فتح أمامه أبواب
العلم والوعي، قال له عليك أن تحرك عقلك باتجاه الحق والخير، لكنه حرّكه
باتجاه الباطل والشر، وقال له: حرّك أعضاءك وحرك أيضاً الثروات التي
أودعها الله في الأرض وجعلك المسيطر عليها، ولكن الإنسان ظلم نفسه، فلم
يحرّكها في الاتجاه الذي أراده الله أن يحرَّكها فيه.
{جهولا}، وهو الجهل
بالنتائج السلبية التي يمكن أن يصل إليها عندما ينحرف عن خط الله ورسوله
في هذا المجال. وهذه الآية، أيها الأحبة، تعطينا الفكرة التي لا بُدّ
للإنسان أن يوحي بها لنفسه، وهي أنّ الله لم يخلقه حراً، بمعنى أن يعمل
كلّ ما يريده، فصحيح أن الله أعطاه الحرية، ولم يضع أي حواجز أمام عقله،
ولكنّه حمّله مسؤولية هذه الحرية: {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره* ومن
يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره} [الزلزلة:7-8]، "اليوم عمل ولا حساب وغداً
حساب ولا عمل"، "في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وفي الشبهات عتاب".
بعض الناس عندما تقول
له صلِّ يقول أنا حرّ لا أريد، لا تشرب الخمر وترتكب المعاصي، يقول أنا
حرّ، وهكذا... لكنّه، وإن كان حراً في اختياره الجسدي، ولكن عليه أن يكون
عبداً لله سبحانه، وهذا الشخص الذي يقول عن نفسه حرّ ما هو إلا عبدٌ، فهو
يترك عبوديّته لله ليكون عبداً أمام شهوته وأمام الآخرين، والله سبحانه
وتعالى يقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن
يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب:36].
وقد نقلت لكم عدة مرات
قصة الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع) عندما مرّ على دار بشر، وكان ليله ليل
خمر وخلاعة ومجون حتى الصبح، فمرّ(ع) على بيته ورأى الخادمة تضع النفايات
خارج البيت، فاستوقفها الإمام(ع) وقال لها: لمن هذه الدار؟ قالت لسيدي
بشر، قال سيدكِ حر أم عبد؟ ـ لأنه في ذاك الوقت كان يوجد عبيد يبيعهم
الناس ويشترونهم، وكان هناك أحرار ـ قالت سيدي حر، قال لها(ع): صدقتِ، لو
كان عبداً لخاف من مولاه. فهو لا يشعر بعبوديته لله تعالى، ولو كان يحسّ
بعبوديته لله لخاف من الله، ولما قام بما قام به، مشى الإمام ودخلت هذه
الجارية إلى البيت، فسألها سيدها لماذا تأخرت؟ فنقلت إليه الحديث، فتاب
على أثرها.
ففي بعض الحالات، قد
تتكلم مع الإنسان ألف كلمة فلا تؤثر فيه، وفي بعض الحالات تكون عنده حالة
صحوة وانفتاح، وعندما تتكلم كلمة واحدة يهتز لها كل كيانه، وهذا الرجل
بمجرد أن سمع هذه الكلمة اهتزّ كل كيانه، فانقلب رأساً على عقِب، وبدأ
يركض إلى أن التقى بالإمام الكاظم(ع) وقال له يا سيدي أنا تائب فهل لي من
توبة؟ قال له(ع): إن تبتَ تاب الله عليك.
وأصبح هذا الشخص بفعل هذه الموعظة
التي اختار الإمام وقتها، بحيث يتأثر بها هذا الشخص، أصبح من الزهّاد،
وحتى قيل إنه صار يمشي حافياً تواضعاً لله، وسمّوه بشر الحافي. هذا
الشاهد أن الإنسان لا بد أن يفتح قلبه للموعظة، كما قال الإمام علي(ع):
"أحْيِ قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة"، لأنه يأتي عليك وقت يكون قبلك
مفتوحاً للموعظة، فتأتي الموعظة كالماء عندما يأتي على الأرض التي بها
قابلية للخصوبة، مثلما يقول الله تعالى: {وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا
عليها الماء اهتزّت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج} [الحج:5]. لذلك علينا
أن نعيش، أيها الأحبة، الالتزام بأمانة الله ورسوله في السير على ما يحبه
الله ورسوله، وتلك هي أمانتنا أمام الله وأمام رسوله. والحمد لله رب
العالمين.