مفاهيم > العرض وأهوال الحساب

العرض وأهوال الحساب

يقول تعالى في كتابه الكريم: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (ق:16).

في هذه الآية يريد الله سبحانه وتعالى أن يقول للناس، إنّه يعلم كل ما تنفتح عليه أنفسهم، حتى الوسوسات التي تتمثّل في مشاعرهم، وأحاسيسهم وأفكارهم، فهم مكشوفون بشكلٍ كلي أمام الله، بحيث لا يخفى عليه شيء منهم، فلا يملك الإنسان أن يستتر من الله بأيِّ ستر، {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، أي أنّ الله أقرب إلى الإنسان من ذلك العرق الذي هو ألصق شيء به.

تصحيـح النـوايا

فعلى الإنسان إذاً أن يشعر برقابة الله عليه حتى وهو يفكّر، لأنّه عندما يستغرق في التفكير والأمنيات، قد يصل إلى تمنّي ما هو حرام عليه، أو قد تخطر له جملة من الأوهام والظنون التي تتصل بالأشخاص من حوله، وقد يأخذ حريته في ذلك، لأنه يدرك عدم اطّلاع الناس من حوله عمّا يجول في خلده من تفكير، وعما يظنّه بالآخرين، ما دام لا ينطق بما يفكر، إلا أنه ينسى أنّه مكشوف أمام الله الذي يعرف كلّ ما يفكّر فيه حتى وإن لم ينطق به.

وكما نخجل من الناس عندما يطّلعون على بعض أمورنا الخبيثة أو المخجلة، كذلك ينبغي أن نخجل من الله سبحانه وتعالى عندما يكشفنا ونحن نفكر بطريقةٍ غير جيدة، وإن كان الله يحاسبنا على أفكارنا، لأنّ الله لا يحاسب الإنسان إلا على ما ينطق به ويظهره ويفعله، إلا أنّ على الإنسان أن يفهم أنه عندما يفكر بأفكار سيئة، ويستغرق في هذا النمط من التفكير، فإنّ من الممكن أن يتطور هذا التفكير إلى فعل، ولذلك عليه أن يمنع نفسه من الأفكار السيئة التي تتصل بالجانب الأخلاقي والجانب العدواني، وما إلى ذلك.

ثم يبيّن الله لنا أنه مع علمه بكل ما توسوس به أنفسنا، قد جعل علينا شهوداً يسجلون علينا أعمالنا، وهم الملائكة. والملائكة لا يطّلعون على خفايا النفس، ففي دعاء كميل: "وجعلتهم شهوداً عليّ مع جوارحي، وكنت أنت الرقيب عليّ من ورائهم، والشاهد لما خفي عنهم"، أي أن الله لا يطلع الملائكة، الذين هم عن اليمين وعن الشمال، على أفكارنا وأوهامنا وتمنياتنا، لأنّ ذلك من الأمور التي يستقلّ الله بمعرفتها، ولكنّ الله جعلهم شهوداً علينا، يسجّلون كلّ ما نقوم به، {إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} (ق:17)، فلكلّ إنسان ملكان يلازمانه، واحد عن اليمين والآخر عن الشمال، {ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد} (ق:18)، فهما يسجّلان عليه كل أفعاله وأقواله التي يتكلم بها، وإن كانت على سبيل المزاح. هذه الرقابة الإلهية والرقابة الملائكية، تبقيان مستمرتين في حياة الإنسان إلى أن ينتهي أجله.

شهـادة الأعمـال

{وجاءت سكرة الموت بالحق}، فالإنسان عندما يكون في حالة احتضار، يغيب عن الواقع الذي من حوله تماماً كالسكران، فلا يشعر بما حوله. {ذلك ما كنت عنه تحيد} (ق:19)، أي أنّك كنت تحيد دائماً عن الوصول إلى هذه المرحلة من سكرة الموت، فتتعدّى أي خطر، حتى لا تصل إلى هذه اللحظة، ولكنّها لحظة لا بدّ منها، لينتقل بعدها الإنسان إلى ربّه، {ونُفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} (ق:20)، والصور هو البوق الذي يوقظ الأموات من أجداثهم، وهو كناية عن الصيحة القوية، التي تجعل الناس يخرجون من أجداثهم كأنهم جرادٌ منتشر، ذلك يوم الوعيد، يوم القيامة.

{وجاءت كل نفسٍ معها سائقٌ}، كما هو الحال في المحكمة، حيث يحتاج الإنسان إلى شرطيّ يسوقه إلى قاعة المحكمة، {وشهيد} (ق:21)، وهو الشاهد الذي يشهد معه أو عليه، وعندما يصل، فهناك عالم جديد لم يكن يتصوّره أبداً، وهو ما يدفع هذا الإنسان إلى القول: {ربِّ أرجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت}، لأنّه لم يكن يعرف أن الأمور بمثل هذه الشدّة، ويأتي الجواب: {لقد كنت في غفلةٍ من هذا}، كنت مستغرقاً في متاع الحياة وأطماعها ومشاكلها وشهواتها، والغفلة هي العمى وعدم الانتباه، لذا ورد: "الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا".

وقد جاء في بعض الأحاديث عن النبي(ص)، يصوّر فيها مسألة الموت والبعث: "إنكم لتموتنّ كما تنامون"، تماماً كما هي حالة النوم، وإنما الفرق هو أن النائم يتنفّس ويتحرك، بينما الميت هو جسدٌ جامد لا حركة فيه، "ولتبعثنّ كما تستيقظون"، ثم يكون البعث، بحيث تعود الحركة إلى الجسد، وتتنبّه كل حواس الإنسان، فيلتفت إلى ما يجري حوله. ولذلك ورد في دعاء يوم الأربعاء: "ولك الحمد أن بعثتني من مرقدي، ولو شئت لجعلته سرمداً".

{لقد كنت في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} (ق:22)، أي كنت مغمضاً كالأعمى، أما اليوم فبصرك حادّ، بحيث ترى كل شيء. {وقال قرينه}، والقرين هو الصاحب الذي يكون معه في الدنيا، وقد يضلّ صاحبه في كثير من الحالات، لذلك عندما يبعث الإنسان يوم القيامة {يعضّ الظالم على يديه}، والظالم لنفسه {يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلاً} (الفرقان:27)، ليتني اتّبعت خط النبي، {يا ويلتى}، ينادي بالويل، {ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً} (الفرقان:28)، يا ليتني لم أتخذ فلاناً صديقاً وصاحباً، {فقد أضلَّني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً} (الفرقان:29)، فإنّ الشيطان يضل الإنسان عن ذكر الله ويوسوس له، ثم يهرب عنه قائلاً: لا شأن لي بك اليوم.

عـذاب الشـرك

{وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد} (ق:23)، فلقد كان معي، ويأتي النداء من الله: {ألقيا في جهنّم كل كفارٍ عنيد} (ق:24)، كل الذين كفروا بالله وعاندوه ولم يتحركوا في خط طاعته، {منّاع للخير معتدٍ مريب* الذي جعل مع الله إلهاً آخر} (ق:25-26)، وهم الذين تمرّدوا على الله والذين اعتدوا على الناس، والذي كان محلّ ريبة وشك، والذي أشرك بالله، سواءً كان الشرك بالله من حيث الاعتقاد بأن هناك إلهين، أو من جهة إطاعة الناس في معصية الله.

والشرك بالله نتيجته العذاب الشديد: {فألقياه في العذاب الشديد} (ق:25-26)، أما موقف الذي أطاعه الإنسان في معصية الله، وهو القرين، فيقول: {قال قرينه ربنا ما أطغيته}، لا شأن لي، فأنا لم أقم بتضليله، ولم أجعله يعيش في معصيتك، {ولكن كان في ضلال بعيد} (ق:27)، فهو الذي سار في خط الضلال بإرادته. ويأتي النداء من قِبَل الله عندما يتنازعان، كل واحدٍ يلقي اللوم على الآخر، {قال لا تختصموا لديّ}، فالآن ليس محل الخصام والنـزاع وإلقاء اللوم على الآخر، {وقد قدمتُ إليكم بالوعيد} (ق:28)، فقد سبق وأنذرتكم لقاء يومكم هذا، {ما يبدّل القول لديَّ} فكلمتي واحدة، {وما أنا بظلاّمٍ للعبيد} (ق:29).

وتأتي الجماهير المتعددة التي لا تحصى، {يوم نقول لجهنّم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد} (ق:30)، فما زال لديَّ فسحة ولديّ أرض واسعة للظالمين، أما جماهير الجنة فحالهم: {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} (ق:31)، أي أنها قُرّبت، فأهلها لا يحتاجون إلى قطع المسافات للوصول إليها. لأنّ الله يقرّبها لهم، {هذا ما توعدون}، فلقد وعدهم الله أنّهم إذا اتّقوه وانطلقوا في خط طاعته، فإنّ لهم الجنة جزاءً بما عملوا.

ثواب الخشية من الله

{هذا ما توعدون لكل أوّاب} يؤوب إلى الله ويرجع إليه، {حفيظٍ} (ق:31) يحفظ عهد الله سبحانه وتعالى، {من خشي الرحمن بالغيب}، الذي يخاف الله من دون أن يرى الله سبحانه وتعالى، لأن الإيمان في داخل قلبه، ولأنه يرى الله بعقله وقلبه ويخشاه ويراقبه، {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} (ق:33)، أي مُقبل على طاعة الله. ثم يأتي النداء والناس مجتمعون على باب الجنة: {ادخلوها بسلام}، من دون أي مشكلة، ومن دون أي حزن، {ذلك يوم الخلود} (ق:34)، وماذا في الجنّة؟! {لهم فيها ما يشاؤون ولدينا مزيد} (ق:35)، لهم فيها كل ما يتمنون وكل ما يرغبون، ونحن من عندنا سنعطيهم أكثر. فمن هو الأحسن؛ الذي يمشي في خط النار أم في خط الجنة؟!

{وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} (المطففين:26)، "اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل"، {فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره} (الزلزلة:7-8). نسأل الله أن يوفقنا ويغفر لنا ويحسن لنا عواقب أمورنا. والحمد لله رب العالمين.

موعظة ليلة الجمعة (30-6-2005م)