نسخة للطباعة

أرشيف مفاهيم عامة

قيمة الحمد لله وآثاره على الإنسان

التاريخ: 8 رمضان 1433 هـ  الموافق: 27/07/2012 م

سماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)

للمعرفة بالله دورها الكبير في وعي الإنسان للإيمان بربِّه، في خوف مقامه، والتزامه بطاعته، وانفتاحه على محبّته، وفهمه للسّرّ في عبوديّته له، وتصوّره لجلاله وكماله في كلّ صفاته العليا وأسمائه الحسنى، وفي كلّ محامده وأفعاله.

وقد عرّفنا ذلك كلّه من خلال الوسائل الّتي أولاها لنا ووضعها في متناولنا، في حواسّنا وعقولنا، ورسالته الّتي أرسل بها أنبياءه، بحيث انفتحت لنا من ذلك كلّه أبواب المعرفة في أوسع مداها، وأرحب مواقعها، فعرفنا من خلال ذلك كيف نتصوّره ونتطلّع إليه ونعبده ونطيعه ونخشع أمامه ونلتزم أحكامه، ما يجلب لنا السّعادة في الدّنيا والآخرة، فله الحمد على ذلك كلّه.

وللشّكر معنى في العقل والقلب وحركة الإنسان في الحياة، ينطلق من وعي النّعم في الوجود وفاعليّتها في استمراره، الأمر الّذي ألهمنا الله وحيه، وعرَّفنا سرّه، فشكرناه على نعمه شكر الواعين المنفتحين عليه، فله الحمد على ذلك، وعلى ما عرّفنا من ربوبيّته الّتي توحي إلينا بالألوهيّة الّتي ترعى المربوبين بالتّربية، التي تتدرّج بهم في البلوغ إلى درجات الكمال شيئاً فشيئاً، حتى تنتهي بهم إلى الدّرجة العليا التي يحصلون بها على السّعادة في حياتهم، ويتوجّهون من خلالها إلى السعادة في آخرتهم، فأصبحنا نعرف أنّ لنا ربّاً يرعانا برعايته، ويدبّر أمورنا بتدبيره، ويشرف على وجودنا كلّه بنعمته ولطفه ورحمته، ويقودنا إلى واقع عدله وعفوه في يوم اللّقاء الأكبر به.

وله الحمد على ما هدانا إليه ودلّنا عليه من الإخلاص في توحيده الّذي عاشت أعماقنا في ينابيع قدسه، وفي جوهر حقيقته، فعرفنا ـ في العمق من وعينا الفكريّ ـ أنّه هو الإله الواحد الّذي لا شريك له في أمره، ولا مضادّ له في ملكه، فهو الخالق والرّازق والمنعم والمدبّر والمهيمن على الأمر كلّه، فوحّدناه بعقولنا وقلوبنا ومشاعرنا وحياتنا كلّها توحيد الإخلاص، لأنّنا لم نجد هناك غيره، فكيف نبتعد عن الإخلاص له، لنرتبط بالعدم في ظلماته الّتي لا أفق لها ولا قرار، وكيف نلحد في أمره ونبتعد عن الإيمان به، أو نشكّ في ربوبيّته، وهو النّور الّذي لا ظلمة معه، والحقّ الّذي لا باطل عنده، وهو الوضوح كلّه، والصفاء كلّه.

إنّنا نحمده على ذلك كلّه، ونتقرّب إليه بهذا الحمد، لأنّه يمثّل كلّ الإيمان به، والمحبّة له، والتطلّع إلى رحمته، والقرب منه، لنحصل من هذا الحمد على الامتداد في العمر مع الحامدين له من خلقه، والسّبق إلى الوصول إلى رضاه وعفوه، وعلى الإضاءة الرّوحيّة من نوره الّذي يفيض على الوجود، فيضيء لنا ظلمات البرزخ الّتي قد تتراكم في داخلها أشباح الموت في المرحلة الّتي تفصل بين نهاية الحياة وبداية يوم القيامة، الّتي قد يوحي بها قوله تعالى: {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون:100]، وتتحدّث عنها الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت(ع)، وييسِّر لنا الطّريق إلى البعث في رحلتنا النهائيّة من الأحداث إلى يوم المحشر، فتكون الطّريق إليه مفتوحةً على رحمته ورضوانه، فلا نحسّ فيها جهداً ولا رهقاً، ويبلغ بنا درجة الشّرف والعلوّ والرّفعة في مواقعنا عند مواقف الأشهاد الّذين يشهدون للنّاس وعليهم بما قاموا به من أعمال الخير والشّرّ، لننال بذلك النّصر من الله سبحانه، على ما جاءت به الآية الكريمة: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر:51]، حيث نقف بين يدي الله عُراةً إلا من العمل الصّالح، والأمل الكبير برحمة الله ورضوانه، فلا يملك أحد أن ينقذنا من عذاب الله إذا أراد أن يعذِّبنا {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}[الدخان:41].

وهكذا ينطلق هذا الحمد الإيمانيّ المرتفع إلى الله من كلِّ قلوبنا، ليرتفع بنا إلى الدّرجات العليا في أعلى علّيّين، في كتابٍ مرقومٍ يشهده المقرّبون، لنعيش هناك روحانيّة القرب؛ قرب الرّوح، وسعادة المحبّة لله الّذي يمنحنا حبَّه من حيث يمنحنا قربه في ذلك العالم العلويّ، الّذي يتجلّى الله فيه لعباده المؤمنين الحامدين الشّاكرين، فيفيض عليهم من رحمته ولطفه ورضوانه، ويغمرهم بالسّعادة الرّوحيّة، حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين.

فتقرّ بذلك عيوننا، وتشرق بالسّرور، وترتاح في نظرتها إلى الأفق الرّحب أمامها بهدوء واطمئنان، في اليوم الّذي تبرق فيه الأبصار، وتتحيّر فزعاً فلا تطرف، أو دهشةً فلا تبصر.

وتبيضُّ به وجوهنا، من خلال البهجة الرّوحيّة الّتي تنعكس نوراً على الوجوه من خلال النّتائج الطيّبة الفَرِحة، بما يحصل عليه المؤمنون من ثواب الله في جنّته ورضوانه، في الوقت الّذي تسودّ وجوه وجلود الآخرين الّذين كفروا بالله، وتمرّدوا عليه، وانحرفوا عن خطّه المستقيم، من خلال النّتائج السيّئة المرعبة مما يتعرّض له الكافرون الضالّون من عقاب الله في سخطه وناره.

ويرتفع الحمد في نتائجه، فيعتقنا الله بسببه من أليم ناره إلى كريم جواره، لدلالة الحمد على عمق الإيمان بالله والاستغراق في محامده والالتزام بطاعته. وننطلق في هذا الجوّ في مجتمع الحامدين لله، الحائزين على رضوانه، المقرّبين إليه، فنـزاحم الملائكة المقرّبين الّذين يحلّقون في الجنّة في تسبيحهم وحمدهم له، وننضمّ إلى الأنبياء المرسلين الّذين انفتحوا برسالاتهم على كلِّ مواقع الحمد له، وفتحوا العقول والقلوب عليه في حمده وتسبيحه وتهليله وتكبيره، فكانت دار الخلود ساحتهم الّتي لا تزول، ومحلّ كرامتهم الّتي لا تتغيَّر ولا تتحوّل.

المصدر: كتاب (آفاق الرّوح).

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: