نسخة للطباعة

أرشيف مفاهيم عامة

رعاية الآباء ورحمة الأبناء

العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله

يتناول القرآن الكريم كيفيَّة تعاطي الأبناء مع الوالدين، كشكلٍ من أشكال العلاقات الّتي يبنيها الإنسان في حياته، فهناك من ينفتح على الله وعلى أجواء الصّلاح في علاقته بهما، ليبقى معهما في خطّ الصّلاح في شبابه، كما كان كذلك في طفولته، وهناك من ينغلق عن الله ويصمّ أذنيه عن سماع ندائهما الّذي يدعوه إليه.

يقول تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسَاناً} أن يحسن إليهما، وأن يتطلّع، بعمقٍ وانفتاح وإنسانيّةٍ، إلى الجهد الّذي بذلاه في تربيته، بما لم يبذله أحدٌ معه، ولم يقدِّمه إليه إنسانٌ، ولا سيَّما الأمّ الّتي تتحمَّل الجهد الجسديّ الشّاقّ في حمله وولادته ورضاعه، {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}، فكان حملها له مشقّة ومعاناة ثقيلة تواجه فيها حالة صحيّة صعبة، حيث يتغيّر مزاجها، ويضطرب وضعها الجسديّ بكلِّ أجهزته، وكانت ولادته حركة آلام قاسية في مكابدة الجهد والخطر على الحياة، ولكنّها بالرّغم من حالة الكره الطّبيعيّ للإحساس الجسديّ بالثّقل والألم والمعاناة، تتقبَّل ذلك كلّه بالرّضى والحنان والعاطفة، فتحتضن ولدها بالعاطفة الدّافقة الطاهرة، وتستمرّ في رعايته في حمله ورضاعه.

وتستمرّ الرّعاية مدّة طويلةً {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، عندما تشتدّ قواه {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}، وهي المدّة الّتي يقوى فيها جسده، ويكمل فيها عقله، وتهدأ فيها شهواته، وتتوازن فيها انفعالاته، ويبدأ بالتطلّع إلى نعمة الله عليه في حركة وجوده، بكلّ تفاصيلها الصّغيرة والكبيرة، {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى والِدَيَّ} أي اجعلني أعيش وعي النّعمة، إلهاماً روحيّاً، يلزمني بمسؤوليّة الشّكر لك قولاً وفعلاً يلتزمان سبل ومواقع وغايات رضاك، وبما يحوّلها إلى طاقةٍ حيّةٍ منفتحةٍ على مواقع القرب منك والحبّ والصّدق لك، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ}، فالإيمان بالله والاعتراف بنعمته، يفرضان عمليّاً على الإنسان الّذي يتطلّع للحصول على رضاه، أن يؤدّي في حياته العمل الصّالح، وأن يربّي أولاده من بعده على الإيمان والعمل الصّالح، وعلى الرّوحيّة الّتي تجعل الصّلاح حالةً عميقةً داخل نفوسهم وخطّ سير وممارسة، ونهجاً في الفكر والعلاقات، ليشكّلوا الوجود الفاعل داخل المجتمع الصّالح، والتمرّد على المجتمع الفاسد.

هذا هو الطّموح الإيمانيّ الذي يعيشه المؤمن كأب في نظرته إلى الذريّة، من حيث كونها امتداداً للوجود في المستقبل، فليست مجرّد حاجةٍ ذاتيّةٍ يزهو بها الإنسان، بل هي شعور بالمسؤوليّة في امتداد الصّلاح في أولاده، من خلال مسؤوليّته عن خطّ الصّلاح في حياته. وبذلك تمتزج نزعة الإنسان الغريزيّة في حبّ الأولاد كحاجةٍ ذاتيّة، بالنّظرة الرّساليّة إلى الدّور الّذي يريد لهم القيام به في الحياة من بعده.

المصدر: تفسير من وحي القرآن

التاريخ: 27 جمادى الأولى 1433 هـ  الموافق: 18/04/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: