|
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
قد يتساءل شخص عن كيفية تصرفه عند تعرضه للاستهزاء من قبل الكافر أو الجاهل، فنحن نعتقد، جواباً على ذلك، أنه لا بدَّ له من أن يدرس الموقف من خلال طبيعة الجوّ الاجتماعي الَّذي يحيط بالمتكلّم والكلام، فربما يطلق هذا الإنسان السّاخر سخريته في مجتمع لا يملك موقفاً مضاداً للمفاهيم الإسلاميَّة، ولا يملك معرفة كاملة للإسلام، ما يجعله في الموقع العملي الَّذي يمكن للدّعوة الإسلاميَّة أن تتحرك في اتجاه الوصول إلى فكره ووجدانه..
وفي هذه الحال، قد يفرض الموقف أن نستثمر هذا الموقف السّاخر، لتحويله إلى مجال لإثارة القضايا الإسلاميّة بعيداً عن ردود الفعل الذاتيَّة، وذلك باستعمال الأساليب الحكيمة المرنة في عرض الفكرة بهدوء واتزان، وتغيير الجوّ السّاخر إلى جوٍّ حادٍّ عاقلٍ يسمح للمجتمع بالتفكير والمناقشة من أجل أن نقلب الموقف ضدّه من جهة، ونغيّر تفكير أفراد المجتمع، أو نفتح لهم المجال للبدء في عملية التَّفكير من جهةٍ أخرى.. ومن الطَّبيعي أن ينطلق ذلك كلّه من موقع المرونة واللباقة والإيمان...
وربما تنطلق السّخرية في جوٍّ لا يوحي بأنَّه فرصة للمناقشة والتفكير، بل يتحرك في مهاجمة الفكرة والشَّخص بالأساليب الَّتي تحطم المقاومة وتضعف الموقف، وتحول القضيَّة إلى مجال للضَّحك والتندر...
وفي هذه الحال، لا بدَّ من مقابلة السّخرية بالسّخرية، والتندر بالتندر، وملاحقة كلّ نقاط الضّعف الموجودة لدى الإنسان السّاخر، وإثارتها بأسلوب يوحي بالضحك ويستثير الهزء عليه، لأنَّه لا يمكن مقابلته بالفكرة الجادة في موقف يعتبر الجد نفسه منطلقاً للسّخرية، فإنَّ أية فكرة مهما عظمت، لا يمكن أن تثبت أمام أجواء الاستهزاء، فلا يبقى إلا أن ينتصر المؤمن لها بالوسائل العمليَّة الَّتي تهزم المعتدين وتحطم عدوانهم، تماماً كما صنعه نوح فيما حكاه الله عنه: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }[هود: 38].
وقد يكون الإنسان السّاخر خاضعاً لفكرة مضلّلة توحي له بذلك، وتدفعه إلى استعمال هذه الأساليب من موقع خاطئ لا يملك سبيلاً لاكتشافه.. وفي هذه الحال، لا بدَّ لنا من ملاحظة الموقف من ناحية الحاجة إلى هداية هذا الإنسان وإنقاذه من ضلاله، فنحاول البحث عن أفضل السّبل الّتي تخرجه من هذا الجوّ إلى الجوّ الَّذي يستثير في وعيه المعاني الطيبة والنوازع الخيرة التي تفتح عينيه على طريق الحق، وتخرجه من الظلمات إلى النور.. وقد تمس الحاجة في هذا الجو إلى بعض من الأساليب الضّاحكة الَّتي لا تثير ولا تعقد، وبعض من الأساليب الجادة التي تمنع تحول الموقف إلى الانحلال والميعان...
المصدر: مفاهيم إسلاميّة عامة.
|