|
| البَرَكة في التصوّر القرآني |
العلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله
لقد جاء في الآيات الشّريفة كلمة {مُبَارَكٌ} وصفاً للقرآن، وقد أثير الحديث حول طبيعة هذه البركة، هل هي حسية خاضعة للأسباب والمعطيات العاديّة في علاقة المسببات بأسبابها، بمعنى الزيادة والنمو المادي والنّفع العملي، كما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً}[مريم:31]، أي نفاعاً للناس، أو هي معنويّة روحيَّة تنفتح على الجانب الروحي للإنسان، من خلال الله سبحانه الَّذي يفيض الخيرات والبركات على النّاس من لطفه ورحمته، كما في قوله تعالى حاكياً عن الملائكة في حديثهم مع إبراهيم: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ}؟!
والظّاهر أنّ الله يفيض البركة على الحياة وعلى عباده بالخيرات المتنوّعة في الجانب الماديّ والمعنويّ، بما يمنحهم من نعم الحياة الدنيا الَّتي تتوقَّف عليها شروط حياتهم ونموّها أو زيادة لذائذها وشهواتها، ومما يعطيهم من سعادة الروح ونمو القلب وصفاء الروح والرّضوان منه والطّمأنينة والسّكينة النفسيّة.
ولكنَّ السؤال الّذي يفرض نفسه هو: هل إنَّ البركات الإلهيّة النازلة من الله تتجاوز الأسباب والقوانين الطبيعية المتصلة بوجود الأشياء، فلو أراد الله أن يبارك للإنسان في رزقه، فهل يعني ذلك أنّه يرزقه من غير أسباب الرزق الّتي خلقها الله في الحياة، أم أنها تتحرك من خلال الأسباب، بمعنى أنَّ الله سبحانه يحرّك هذه الأسباب لتؤدّي دورها في إنتاج الخير للإنسان بالطّريقة الَّتي تنسجم مع حاجاته الجسديّة والمعنويّة وتتحقق بها أغراضه من دون فسادٍ ولا ضياع؟
إنَّ تدخّل الله في حركة البركة في حياة الإنسان لا يلغي الأسباب ولا يبطلها عن التأثير، لأنها جزءٌ من قانونه الّذي أودع في داخله سرّ حركة الأشياء ووجودها، بل إنّه يمنحها قوّةً وحيويّةً وأسباباً خفيّةً في بعض الحالات، فالمسألة، كما يقول صاحب تفسير الميزان (السيّد محمّد حسين الطباطبائي)، أنَّ تأثيره تعالى في الأشياء في طول سائر الأسباب لا في عرضها، حتى يؤول الأمر إلى تزاحم أو إبطال.
فهناك شيء من الماديّة للبركة في طبيعة الأشياء، وهناك شيء من الروحيّة الإلهيّة في حركة السببيّة في داخل أوضاعها وشؤونها.
إنَّ الله سبحانه هو وليّ الأشياء، وهو مبدع نموّها وزيادتها وسعتها في الحسيات والمعنويات، ولهذا فإنَّ البركة مظهر من مظاهر رحمته ولطفه ورعايته للواقع الإنساني الّذي هو أثر من آثار ربوبيّته للكون كلّه، وهو القادر على إيجادها بالأسباب الطبيعيّة وغيرها، بحسب حكمته في تقدير الأمور ورعايته للإنسان والحياة.
المصدر: تفسير من وحي القرآن
|