|
الفقه لغةً: مطلق الفهم، قال تعالى: {واحلُل عقدةً من لساني يفقهوا قولي} [طه:98].
واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشّرعيّة المستنبطة من أدلّتها التفصيليّة. وعلم الفقه من أهمّ العلوم الشرعيّة، إذ هو العلم الّذي به تعرف حدود الله من الحلال والحرام وغيرها، وكان رسول الله(ص) الفقيه الأوّل الّذي ينطق عن الوحي الربّاني، حيث كان النّاس يتعلّمون منه أحكام الله وحدوده، وكأيّ علم من العلوم، فإنّ الفقه مرّ بأدوار ومراحل كثيرة، وخضع لكثير من المؤثّرات والظروف السياسيّة والفكريّة، تراوحت بين الجمود حول إنجازات بعض الفقهاء قديماً ومؤلّفاتهم، وبين الدّعوة إلى إحياء هذا العلم من جديد لنشره بين النّاس بأسلوب تجديديّ يقارب الواقع المعاصر أكثر دون أن يفقد هذا العلم أصالته المعهودة...
وبالنّسبة إلى التّجديد، فالتّجديد لغةً: جعل الشّيء جديداً، ومنه: جدّد وضوءه، وجدّد عهده، يعني أعاده وكرّره، وتجديد الفقه يقصد به إعادة نضارته وبهائه، وإحياء ما اندرس من معالمه، والعمل على نشره بين النّاس، ويشمل التّجديد كذلك، التصدّي للمستجدّات التي تظهر في كلّ عصر لبيان الحكم الشّرعيّ لهذه المستجدّات..
ونحن نعلم ما للفقه من شموليّةٍ لحياة النّاس ومصالحهم الدّنيويّة والأخرويّة، وشموليّته لكلّ زمان ومكان ... والتّجديد في الفقه لا ينافي الأصالة كما يتصوّر البعض، فليست الأصالة انكفاءً على القديم وتقديسه ورفض كلّ جديد، فذلك يؤدّي إلى قتل روح الإبداع والاجتهاد في الأمّة وتدمير لقدراتها وطاقاتها، وعرقلة مسيرتها العلميّة والحضاريّة، وقتل الفعل البشريّ الإيجابيّ والمنتج، ما يؤدّي إلى خلق تعقيدات في الواقع تعمل على جموده وثباته، لا بل تؤسّس لتخلّفه القاتل...
إنّ التّجديد هو الرّغبة الصادقة في التحسين والتطوير، لا مجرّد التقليد والمحاكاة، ولا يعني نسف التراث، ولا أنّه ـ أي التجديد ـ يمثّل الرقيّ والتطوّر، بينما يمثّل القديم التخلّف والجمود، فهذا غير صحيح، لأنّ لكلّ زمن فكره ومفكّريه وظروفه، كما أنّ الجديد في زمن لا بدّ من أن يصبح في زمن لاحق قديماً، وهكذا، لأنّ التّجديد لا حدّ له، لأنّه يسع الفكر البشريّ على مرّ تاريخه المتقادم...
ويرى بعض الباحثين الإسلاميّين، أنّ التّجديد كعمليّة معرفيّة لا بد من أن تكون من داخل المنظومة المعرفيّة الإسلاميّة، وليس عبر إسقاط نظرات معرفيّة غير إسلاميّة، وأنّ التّجديد مطلوب في الفقه وأصوله، لأنّ العلاقة بين العلمين متداخلة ومترابطة. ويتابع هؤلاء الباحثون، بأنّ المطلوب هو تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة بما يتّفق مع تغيّر الظّروف الزمانيّة والمكانيّة، فالاجتهاد حركة دائمة مستمرّة، والآراء الاجتهاديّة، أيّاً كانت منزلة أصحابها من الفقهاء، لا يجوز إسباغ صفة الثبات عليها، فالثّبات لنصوص الكتاب والسنّة دون غيرهما، أمّا الاجتهاد، فينبغي أن يساير الواقع المتغيّر دوماً، حتّى يحقّق مقاصد الشّريعة، والاجتهاد من فروض الكفاية، أي من واجبات الأمّة أن يكون فيها مجتهدون يقومون بهذه الوظيفة...
فالفقه الإسلاميّ هو الجامع لمصالح النّاس في الدّنيا والآخرة، والمنظّم لعلاقات الإنسان الثّلاث:
علاقته بربّه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه، لذا فالاجتهاد حسّاس وضروريّ لا بدّ من مراعاته لهذه المصالح، وهذا ما يتطلّب دقّة في العمل والنّظر، وانفتاح في الأفق الاجتهاديّ عند المختصّين، ووعي رصين بمصالح العباد والبلاد، ومقاربة حكيمة بوقائع النّاس والمجتمع...
والحاجة إلى التّجديد طبيعيّة، لأنها من صميم طبائع الناس وتطلّعاتهم، حيث يحبون التجديد ويسيرون وراء المجدّدين وكلّ حديث، لذا لا بدّ من التأكيد على صفة المجدّد والمجتهد، وقدرته العلميّة والمعرفية والتشخيصية. وقد اشترط الغزالي في المجتهد شرطيْن:
الأوّل: أن يكون محيطاً بمدارك الشّرع.
الثّاني: أن يكون عدلاً لجواز الاعتماد على فتواه.
من جهته، يقول الشّاطبي: تحصل درجة الاجتهاد لمن اتّصف بوصفين:
أحدهما: فهم مقاصد الشّريعة على كاملها.
ثانيهما: التمكّن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها.
وبالانتقال إلى رأي الفقهاء المعاصرين، نورد ما طرحه سماحة الفقيه المجدّد المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(ص) بالنّسبة إلى الفقيه ودوره والاجتهاد، إذ يرى سماحته(رض) أنّ الفقيه يتحرّك في دائرتين لا بدّ من توافقهما وتكاملهما، فهناك الدائرة الذاتيّة المتّصلة بعلم الفقه من حيث دراسة النّصوص الشرعيّة، وتحقيق المضمون في مدلوله وأبعاده للوصول إلى مرحلة الاستنساخ في استخراج الحكم الشّرعيّ من مصادره الموثوقة...
وهناك الدّائرة الرّساليّة لامتداد الإسلام في حركة الإنسان في الواقع، من حيث هو منهج للحياة وحلّ لمشاكلها، وانفتاح على آفاقها ومواجهة لتحدّياتها، من أجل تحقيق الصّيغة المثلى، والأنموذج الّذي يستطيع الوقوف بقوّة وصلابة أمام التيّارات الأخرى في ساحة الصّراع، على مستوى المفاهيم والوسائل والأساليب، بحيث يملك الموقف الحركيّ المتنوّع الألوان والمتعدّد الأبعاد، فيكون الفقيه ـ بحسب سماحته(رض) ـ رسولاً مرحلياً في معنى الرّسالة، وذلك في دائرة الامتداد لحركيّة الرّسول.
ويشير سماحته(رض) إلى أنّ الفقيه إذا سار في الاتجاه الضيّق المنغلق على الدائرة الذاتيّة للفقه في شخصيّته، فسينعكس ذلك سلباً على دوره وعلى رسالته في الانفتاح على أبعاد العمليّة الاجتهاديّة ككلّ، وسيجعله مكبّلاً وقاصراً عن لعب دوره الحقيقيّ...
وبناءً عليه، يقول سماحته(رض): هكذا فقدنا في مجتمعاتنا الفقهيّة صفة الفقيه الإسلاميّ الموسوعيّ في مسألة الاختصاص الفقهيّ، الأمر الّذي أبعد الواقع الإسلاميّ العام عن التصوّر الدّقيق للتّفكير المتنوّع في هذه الدّائرة المذهبيّة أو تلك...
وينبّه سماحته(رض) إلى بروز ظاهرة سلبيّة نشأت في ظلّ هذا المفهوم المحدود لدور الفقيه، وهي ابتعاده عن مسألة تبليغ الدّعوة أو المفردات الفقهيّة على خطّ التّوعية العامّة، لأنّ هذا لا يلتقي بمهمّة العالم الفقيه، بل يلتقي بمهمّة المبلّغ الذي يستهلك ثقافة الفقيه ليبلّغها للنّاس، وبذلك بدأ الفصل بين مهمّة الفقيه ومهمّة المبلّغ والواعظ...
وهذا ما أنتج ـ كما يرى سماحته(رض) ـ الفقيه الجامد المنغلق عن حاجات عصره، لا الفقيه الحركيّ في عالم التحدّيات...
ويتابع سماحته(رض)، فيتحدّث عن مسألة الفقيه في الدائرة الرّساليّة، حيث الأفق الرّحب الذي ينفتح على الإسلام، وهناك الأرض الواسعة الممتدّة في اتجاه الأهداف الإسلاميّة الكبرى، وهناك الفقه الإسلامي المنطلق من قاعدة الإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، المتحرّك في حاجات الإنسان وأوضاعه...
وفي ضوء ذلك، ينطلق دور الفقيه ليكون دور النبيّ، باعتباره الحامل لرسالته، الأمين عليها..
وهكذا يكون الفقيه ـ يضيف سماحته(رض) ـ النّافذة الّتي يطلّ الفقهاء من خلالها على الواقع كلّه والإنسان كلّه، ولن يكون الفقيه مجرّد مثقّف في الحكم الشّرعيّ، بل يمتدّ ليكون مثقّفاً في الإسلام كلّه، عقيدةً وشريعةً ومنهجاً وهدفاً على خطّ النظريّة، وحركةً وجهاداً ودعوةً وسلطةً على خطّ التّنفيذ والامتداد في الحياة...
ويدعو سماحته(رض) إلى ضرورة اعتماد النّصّ القرآنيّ كأساسٍ في عمليّة الاجتهاد وتنقية السنّة النبويّة الشّريفة، إذ يمكننا من خلال الرّجوع إلى القرآن، أن نحصل على جملة قواعد فقهيّة عامّة قد تغطّي مساحات واسعة من حياة المسلمين. وفي تصوّري ـ والكلام لسماحته(رض) ـ أنّنا إذا استطعنا الارتكاز على القرآن كأساسٍ للوعي التشريعيّ في الإسلام، واتّبعنا الأساليب الحديثة في استيحاء الفكرة من النّصّ، يمكننا أن نحصل على أشياء جديدة جدّاً...
ويدعو سماحته(رض) أيضاً إلى إطلاق العمليّة الاجتهاديّة وتحريرها من المحدوديّة المستغرقة في الخصوصيّة، والتعمّق الفلسفيّ في المسألة الأصوليّة، والّتي لا علاقة لها بالواقع ولا علاقة لها بالحياة...
ويقول سماحته: إنّني أدعو إلى إعادة النّظر في المسألة الاجتهاديّة، لأنّني أعتبر أنّ طريقة فهم النّصّ في القرآن والسنّة، لا تختلف عن طريقة فهم أيّ نصّ آخر في الواقع الإنساني العام.. ونحن نجد أنّ مجالات فهم النّصّ قد تطوّرت واختلفت في العالم، ولذلك فإنّي أتصوّر أنّ من الممكن جدّاً الأخذ بهذه الوسائل لندرسها، فربما نجد شيئاً جديداً يطلّ بنا على فهمٍ جديد...
[المصدر: كتاب الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل. ومن شاء الاستزادة، فليراجع هذا المصدر].
إنّ موضوع الفقه وتجديده من الموضوعات الدّقيقة والحسّاسة، لأنّها تتّصل اتصالاً مباشراً بأدقّ تفاصيل النّاس والحياة، والفقه يتعلّق بكلّ مجالات الحياة، وتجديده لمواجهة تحدّيات الواقع، وما أكثرها! مسؤولية ضخمة وحيويّة تتطلّب وجود مجتهدين رساليّين متفاعلين مع قضايا الإنسان والحياة، يملكون بعد النّظر ودقّة الفكر، انطلاقاً من وعيهم لأبعاد رسالة الإسلام الكبرى وأهدافها، والله تعالى في كتابه المجيد يقول: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التّوبة : 105]...
محمد فضل الله
|