|
علي عزّت بيكوفيتش، أوّل رئيس لجمهوريّة البوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب الأهليّة في هذا البلد في تسعينات القرن الماضي، ولد في العام 1925م، وتوفّي في العام 2003 م. ناشط سياسيّ وفيلسوف إسلامي، مؤلّف عدّة كتب، أهمها (الإسلام بين الشرق والغرب). نال عدة جوائز عالميّة تقديراً لإسهاماته السياسيّة والفكريّة...
في عمله الشّهير (الإسلام بين الشّرق والغرب)، تعرّض المؤلّف لعدّة وجهات نظر حول العالم ومشاكله، والنّظرة الإسلاميّة هي الوحيدة، في نظره، الّتي تجمع الرّوح والمادّة، والّتي تنظر إلى الإنسان نظرةً سليمة، باعتباره مخلوقاً من روح ومادة، مبيّناً في كتابه خطر النّظر إلى الإنسان نظرة ماديّة فقط، أو روحيّة فقط، بل يرى أنّه لا بدَّ من النّظرتين معاً...
وينطلق الرّئيس البوسني الرّاحل في تفسيره الفلسفيّ للإنسان، من تركيبته من ثنائيّة الآدميّة والطبيعة، ويُستدلّ من عرض الكتاب على المعرفة العميقة لصاحبه بالعالم الغربيّ، وما يتعلّق به من معلومات ودراسات وإحصاءات، يسعفه في كلّ ذلك إلمام غير عاديّ بالفلسفات والحضارات الغربيّة، وهو بذلك لا يعدّ مثقّفاً في مجال الفلسفة، بل فيلسوفاً ومتمكّناً، له رؤيته الخاصّة في معالجة القضايا والأمور من كلّ خلفيّاتها وزواياها المعرفيّة والفكريّة...
قسّم بيكوفيتش كتابه إلى قسمين: الأوّل، وهو عبارة عن مقدّمات تناول فيها نظرات حول الدّين، يتحدّث فيه عن نظريّة داروين ومايكل أنجلو، والأخلاق والدّين، والفنّ والدّين، وكذلك الثّقافة والتّاريخ..
أمّا القسم الثّاني، فيحمل عنوان (الإسلام: الوحدة ثنائيّة القطب)، يتكلّم فيه عن الأنبياء: موسى وعيسى ومحمد، والدّين المجرّد، والطبيعة الإسلاميّة للقانون، وغير ذلك، فضلاً عن تقديمه نظرةً أخيرةً بعنوان (التّسليم لله)...
واللافت في كتاب بيكوفتيش الّذي تناوله بالقراءة العديد من المفكّرين والكتّاب، أنّه يركّز على الفنون والآداب في نقده للنّظرية الداروينيّة الّتي لم تكرّس اهتماماً كافياً للظواهر الثقافيّة، لسبب بسيط كما يرى البعض، وهو أنّ هذه الظواهر ليست نتاج التطوّر، أو لأنّ الفنّ شأنه شأن الأخلاق والدّين وكلّ الظواهر الروحيّة، يتجاوز الرؤية الماديّة، ولذا لا يمكن تفسيره تفسيراً ماديّاً...
وبعد أن يطرح بيكوفتيش آراء الغربيّين ويفنِّدها في الخلق والمادّة، يوضح أنّ ثنائيّة الوجود الإنساني (أي ثنائيّة المادّيّ والرّوحيّ) لا يمكن تفسيرها، وضمان بقائها واستمرارها، إلا بافتراض ثنائيّة أخرى، هي ثنائيّة الخالق والمخلوق، ثنائيّة تأسيسيّة لا يمكن ردّها إلى ما هو خارجها. ومن هنا، يرى عزّت بيكوفيتش أنّ الإنسان بصفة أساسيّة لا يوجد إلا بفعل الخلق الإلهيّ، ومن ثم إذا لم يكن هناك إله، فلن يوجد إنسان، حسب رأي بيكوفيتش...
كتاب يستحقّ المتابعة والاطّلاع والدّراسة، بالنّظر إلى أهمية طروحاته الفلسفيّة والفكريّة، وموقع مؤلّفه لجهة عمق فكره وأسلوبه ورؤيته وخبرته على المستوى المعرفيّ والسياسيّ العام...
محمد السيّد
|