نسخة للطباعة

أرشيف في دائرة الضوء

جماليّات المكان في القرآن الكريم

إنَّ المكان بوصفه حقيقةً كونيّةً أبدعتها القدرة الإلهية المطلقة، يدركها الإنسان خلال حياته اليوميَّة بكلّ حواسه، وخصوصاً إذا أطلق قدراته التأمليَّة في التّفاعل واستنطاق عظيم خلق الله وإبداعه، لينعكس ذلك على روحه وفكره، وليستكشف الإبداع الإلهي في كونٍ مليء بالمعجزات والنّعم الإلهيّة التي يحيا في وسطها الآدميّون...

والقرآن الكريم بما هو كلام الله تعالى، أعطى "للمكان" حدوداً أوسع وأشمل من مجرّد الذّكر والإشارة إلى مواضيع جامدة ساكنة، بل جعل من الأمكنة المختلفة في الأرض والسَّماء وما وراءهما، عوالم تفيض بالحياة والحيويَّة، وكأنَّها أرواح، بمعنى أنّه بمقدار ما يتأمّل بها الإنسان ويستخلص العبر، يشعر بأنّها متحركة وحيويّة بما تحمل من أفكار وتصوّرات تنشّط إبداع الإنسان ومخيّلته، وتعمل على تزكية روحه وإيمانه بوجود الصّانع القدير...

ولا أدلّ على ذلك من تسمية بعض السّور القرآنيّة بأسماء أمكنة معيّنة كـ"الكهف" و"الطور" و"الأحقاف" و"الحجر" و"سبأ"، أو في ذكر القرآن الكريم للمفردات المتعلّقة بالسَّماء والأرض والجبال والجنّة. والمنهج القرآني في عرض آيات المكان، يأتي متمايزاً من ناحية بنائها ـ الآيات ـ البياني والبلاغي، كمدخل للتذوّق الجمالي والإحساس به عبر إثارته لبواعث الاستمتاع بالمظاهر الكونية، عبر مفردات وتراكيب منتقاة وسلسلة تخرج بأشكال فنيَّة رائعة، كالأمثال والقصَّة الواعظة والحوار، ويتمّ كلّ ذلك وفق الدّواعي النفسيّة والاجتماعيّة والإعجازيّة لسياق العرض القرآني...

فأنت تتحسّس المشاهد الحيّة واللوحات الشّاخصة والأحوال الذهنيّة والنفسيّة المستنطقة من الذكر الحكيم، وبهذا يكتسب العقل الإنساني ملكة الذّوق في تفاعله مع المشاهد والمظاهر الكونيَّة بطريقةٍ حيةٍ وفاعلةٍ تهذب روحه ووجدانه، وهذا ما ينعكس على طبيعة إيمانه وحجمه، وهناك أماكن بعينها، أقسم الله تعالى بها مثل قوله: {لا أقسم بهذا البلد}[البلد:1].

ولم يقف القرآن الكريم عند هذا الحد، فإنَّه في كثير من المواضع ذكر المكان بمفهومه العام المطلق، فذكر سموات وأراضين وجناناً وحدائق ذات بهجة، فاقرأ ما شئت قول الله تعالى: {أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجةٍ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} [النمل:60]، وانظر إلى قوله تعالى:{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض مختلف ألوانها وغرابيب سود} [فاطر:27].

ففي سورة النمل، الآية 60، وكما يقول العلامة المرجع سماحة السيد فضل الله(رض): بما يتمثَّل فيها ـ أي السَّموات والأرض ـ من عظمة الخلق، ودقّة الصنع، وضخامة القوة، وتنوّع الخصائص والأشكال، وروعة الإبداع، وجلالة المظهر، وحكمة التّدبير، واستقامة الحركة، فهل بعد هذا كلّه يستطيع هؤلاء الَّذين يتخذهم المشركون شركاء لله تعالى خلق ذلك كله؟ فإذا كان الجواب هو النَّفي، وهو الحقيقة الوجدانية التي تلتقي بالواقع وبالفطرة، فهل هناك جواب "إلا الله"؟! [من وحي القرآن، ج17، ص:225].

فلفظة (حدائق ذات بهجة)، قد رسمت لوحةً فنيةً رائعةً يعجز أيّ أديب أو فنان أن يصوّرها أو يرسمها، وإذا عرفنا ما معنى كلمة "بهجة" في كتب المعاجم، عرفنا سرّ الجمال في هذه اللفظة الَّتي وصف بها القرآن هذه الحدائق الَّتي تنبت على أثر نزول الماء من السَّماء، فقد جاء في "لسان العرب لابن منظور": البهجة، الحسن، يقال: رجل ذو بهجة، والبهجة: حسن لون الشَّيء ونضارته، وقيل: هو في النَّبات النَّضارة، وفي الإنسان: ضحك أسارير الوجه أو ظهور الفرح... [لسان العرب لابن منظور، م: 216].

وفي سورة فاطر، الآية 27، صورة جماليَّة رائعة تطوف بنا في الأرض جميعها بكلمات قلائل تجمع بين الأحياء وغير الأحياء، فكيف تنوَّعت هذه الألوان، ومن أين جاء هذا التنوّع؟!

يجيب سماحة السيّد فضل الله(رض) في تفسيره لهذه الآية المباركة: خلق الله التنوّع الَّذي يدلّ على عظمته وسرّ إبداعه وامتداد قدرته، مما يفرض على النّاس أن يفكّروا فيه ويتأملوه ويختزنوه في عقولهم فكراً، وفي قلوبهم شعوراً وحركةً في العبادة، تعبّر عن الالتزام العملي بالإيمان بالله، فإنَّ النَّفس لا تعيش الخوف والرهبة والانقياد إلا من خلال شعورها بالعظمة لمن تخافه أو تنقاد له... [من وحي القرآن، ج19، ص:105].

ولم يقتصر اختلاف الألوان على الثّمار والجبال، بل تعدّاه إلى النّاس والدواب والأنعام، قال تعالى: {ومن الناس والدوابّ والأنعام مختلف ألوانه كذلك}[فاطر: 38].

وقال تعالى في سورة الرعد، الآية 4: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنّات من أعناب وزرع..}، أي متقاربات في الموقع والطَّبيعة والجوّ، ولكنَّها مختلفة من طيّبةٍ إلى سبخةٍ، ومن صُلبةٍ إلى رخوةٍ، ومن صالحةٍ للزّرع والشَّجر إلى أخرى عكسها، مع التقائها جميعاً على طبيعة واحدة، هي خصوصيتها الأرضيَّة... [من وحي القرآن، ج13، ص: 19].

هذا بعض من عشرات الشَّواهد والأمثلة على جماليَّة صورة المكان وحيويتها وغناها التعبيري في القرآن الكريم، حيث المكان لا يغدو محدوداً أو شيئاً مادياً جامداً، بل هو صورة متحركيَّة وغنيَّة بدلالاتها وإبداعاتها الَّتي تنتظر من يستنطقها إن أحسن التأمّل والنّظر في عظيم خلق الله وقدرته، فهل نحن المسلمين أصحاب نظرٍ وتأمّلٍ، أو أصحاب استغراقٍ في المادّيات الَّتي تبعدنا عن حقائق الأمور وأبعادها الإلهيَّة الجليلة...

محمد فضل الله

التاريخ: 11 جمادى الثانية 1433 هـ  الموافق: 05/05/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: