نسخة للطباعة

أرشيف في دائرة الضوء

المرجعية المؤسّسة بين الشهيد مطهّري والمرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)

يبدي الشهيد مرتضى مطهري اهتمامه بموضوع "الفقه وتطوّره"، ويقدّم بهذا الصّدد اقتراحاً يرى أنّه ينفع بهذا الخصوص، وكما يقول مطهّري نفسه: فقد سبق أن عرض هذا المقترح المرحوم آية الله الشيخ (عبد الكريم اليزدي)، وهو يعرضه ـ مطهّري ـ مرّة أخرى.

كان المرحوم (اليزدي) يقول: ما من ضرورة تدعو لأن يقلّد النّاس شخصاً واحداً في جميع المسائل، بل الأفضل أن يقسِّم "الفقه" إلى أقسام تخصصّية، أي أنّ مجموعةً من العلماء بعد أن يتفقّهوا في دورة فقهيّة عامّة، يعيّنون لأنفسهم جانباً معيّناً يختصّون به، ويقلّدهم النّاس في ذلك القسم التخصّصي وحده، كما هي الحال في الطبّ في الوقت الحاضر، حيث تشعبّت الاختصاصات، فهذا اختصاصيّ في القلب، وذاك في العين، وآخر في الأذن والأنف والحنجرة...

[من كتاب "الكلام يجرّ الكلام"/ تأليف السيّد أحمد الزنجاني].

ويضيف الشّهيد مطهري: إنّ الحاجة إلى تقسيم العمل في الفقه وضرورة إيجاد فروع تخصصيّة فيه قد ظهرت منذ أكثر من مائة سنة حتّى الآن، وعلى الفقهاء في هذه الظّروف الحياتيّة السائدة، إمّا أن يقفوا بوجه تكامل الفقه وتطوّره، وإمّا أن يسلّموا بضرورة تنفيذ هذا الاقتراح... [الاجتهاد في الإسلام، للشّهيد مطهّري، ص:366].

عمليّاً، يضع الشّهيد الأستاذ العلماء أمام طريقين لا ثالث لهما: إمّا الوقوف بوجه تكامل الفقه وتطوّره، وبذلك يخرج العلماء من الزّمن، ويعيشون على هامش العصر، وهذا ما يترتّب عليه آثار شرعيّة، فالدّين في ذاته متجدّد مع روح العصر، ويفرض بالتّالي وجود مجتهدين فاعلين ومؤثّرين في الفكر والحياة، يحقّقون المصالحة مع ذواتهم وواقعهم، ويستحقّون المواقع الّتي يجلسون فيها خدمةً للدين والإنسان، وإمّا السير في هدي هذا الاقتراح العلمي والعملي معا مما يحقّق مشروع التكامل للعلوم. وتبرز هنا النتائج التي يعيشها العلماء من خلال تعمّق وتخصّص كلّ فقيه بقسم من العلوم، وكذلك واقع النّاس يصبح غنيّاً ومواكباً لسير الحياة وتقدّمها...

وثمّة اقتراح آخر للشّهيد مطهّري، وهو "التعاون الفكري بين العلماء"، حيث يرى أنّه في عالم اليوم، لم يعد لفكر الفرد وللتّفكير الفرديّ قيمة تُذكر، فعلماء كلّ فرعٍ من فروع العلم مشغولون دائماً بتبادل النّظر فيما بينهم، فيكون من أثر هذا التّعاون وتبادل المعلومات والتعرّف إلى وجهات نظر الآخرين، أنّه إذا كانت هناك نظريّة نافعة وصحيحة، أمكن نشرها بسرعة أكثر لتأخذ مكانها، وإذا كانت النظريّة باطلة، أمكن نشر بطلانها سريعاً واطّراحها بعيداً دون أن يضطرّ طلاب العلم إلى التمسّك بها، حتّى يتبيّن لهم بطلانها بعد سنين..

ويضيف: فلو أنشئ مجمع علميّ للفقهاء، وتحقّق مبدأ تبادل وجهات النّظر، فإنّ ذلك فضلاً عن أنّه يؤدّي إلى تكامل الفقه وتطوّره، فإنّه يزيل كثيراً من الاختلاف في الفتوى.. ليس هناك طريق آخر، لأنّنا إذا كنّا ندّعي أن فقهنا من العلوم الحقّة في العالم، فلا بدّ لنا من اتّباع الأساليب الّتي تُتّبع في سائر العلوم الأخرى، وإذا لم نفعل ذلك، فمعنى ذلك أنّ الفقه خارج عن صفّ العلوم... [الاجتهاد في الإسلام، ص:368].

هذه المقترحات المتقدّمة، تعكس الخلفيّة الفكريّة العميقة لصاحبها في تقريب موضوع حيويّ ومهمّ "كالاجتهاد"، والّذي أصبح اليوم في زمن التحدّيات، من الأمور الدّقيقة والحسّاسة والفاعلة ، ففي زمنٍ اختلطت المفاهيم وكثُرت التحدّيات الّتي ترمي الدّين بالتخلّف والتّقوقع، ينبغي التوقّف بإمعان عند هذه المقترحات، وأخذها بجديّة تامّة من قِبَل المجتهدين والعلماء، ليُصار إلى الاستفادة منها وقطف ثمارها في زمنٍ تعصف الخلافات المدمّرة بالمجتمع والحياة...

أمّا سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، فيرى أنّه لا تصوّر ناجزاً للمرجعيّة الشيعيّة ودورها حسب تأمّلنا في التاريخ الإسلامي الشيعي، سواء كان ذلك في دائرة الفُتيا وملحقاتها، أو في دائرة الشؤون العامّة كما نتصوّره الآن..

ويضيف سماحته(رض)، أنّه لم يكن في الوسط الشيعيّ تاريخيّاً مرجعيّة بالمعنى العام تشمل الجانب السياسيّ الّذي يتحدّث عن المرجع كسلطةٍ سياسيّة، قياديّة، شاملة، عامّة، وكواقع حركيّ فعليّ...

فمسألة المرجعيّة، بحسب رأيه، هي من المسائل الحادثة والطّارئة الّتي نشأت في ظلّ ظروف معيَّنة، كأن يبرز في الحوزات العلميّة شخص متفوّق على الآخرين، ويحظى بتقدير عام يدفع أهل الحوزة إلى الاعتراف به أو تعيينه مرجعاً...

وقد يتطوَّر دور المرجع وارتكازه في الوجدان الشيعيّ في نظرته إلى مرجعيّته، بحسب تميّزه، حتّى في ما يتجاوز المسألة الفقهيّة، ومن المرجعيّات من لم تتطوّر في نظر الوجدان الشيعيّ، فبقيت في دائرتها الفقهيّة الخاصّة...

وفي تصوّر سماحته(رض)، أنّ هذه الفجوة بين ما هو الوجدان الشيعي العام، وما هو مفهوم المرجعيّة لدى المرجع، خلق هوّةً واسعةً جعلت الواقع الإسلاميّ في الدّائرة الشيعيّة يعيش حالة قلقٍ كبير، من هنا بدأت الأحاديث والاقتراحات والأبحاث حول هذا الموضوع...

والحاجة إلى المرجعيّة المؤسّسة في رأي سماحة السيّد(رض)، جاءت نتيجة التطوّرات الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة الّتي بات يعرفها المسلمون الآن، وخصوصاً في الدّائرة الإسلاميّة الشيعيّة، بمعنى أن تكون المرجعيّة مؤسّسةً يقودها مرجع، لأنّ القضيّة أصبحت تحتاج إلى أجهزة ودراسات تتّصل بمجمل المواقع العامّة، وتشارك في كلّ القضايا المطروحة في السّاحة، وتتحرّك في كثير من المبادرات الشعبيّة والدّوليّة، مما لا يمكن للمرجع أن يحيط به، إذ لا يكفي أن تمثّل الأفكار العامّة القائمة الّتي لا تغني من جوع، لأنّها لا تتّصل بالواقع...

وفي ظلّ هذا الواقع، يرى سماحته(رض) ضرورة تحويل جهاز المرجعيّة إلى مؤسّسة يقودها مرجع يملك علم الفقه بشكلٍ عميق، ليس من الضّروري أن يكون الأعلم، ولكن لا بدَّ من أن يكون له من خلال ممارساته قدر كبير من النّضج الّذي يمكّنه من أن يفتي في كلّ قضيّة، أو أن يكتشف روح الإسلام في هذا الموقع أو ذاك، بما يمكّنه أن يقدّم فيه رأياً ولايتيّاً أو فقهيّاً...

[من كتاب "الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل"، ص:278-280].

من يُقِمْ أدنى مقاربة بين آراء السيّد فضل الله(رض) والشّهيد مطهّري، يرَ مدى التّقارب الفكريّ لجهة تناول موضوع "المرجعيّة" بشكلٍ حيويّ يتماشى مع ظروف الواقع المتحرّك لقضايا المجتمع والأمّة، وأنّ تقديم الاقتراحات العلميّة والعمليّة كفيلة بأن تنقل واقع المرجعيّة إلى أفقها الرّحب والواسع، والمنتج والمؤثّر في توجيه الأمّة، وتشكيل وعيها ومواكبة إنجازاتها، فهذا بحدّ ذاته من صلب وظيفة المرجعيّة الحركيّة الّتي تحيا في قلب الزّمن وتحرّكه، لا خارج الزّمن.

 نحن نعتبر أنّ مثل هذه الاقتراحات الصّادرة عن شخصيّات فكريّة ومرجعيّة مرموقة، لجديرة بالتّقدير والوقوف عند آرائها بعيداً عن كلّ الحسابات، بل أن يبقى حساب رفع صروح الإسلام والدّين والإنسان هو الأوّل والأخير...

محمد فضل الله

التاريخ: 18 جمادى الثّانية 1433 هـ  الموافق: 09/05/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: