|
بين الآونة والأخرى، وعند كلّ مفصل، تشهد العلاقات بين العالم الإسلاميّ والعالم الغربيّ تطوّرات تتراوح بين السلبيّة حيناً والإيجابيّة حيناً آخر، تبعاً للمصالح السياسيّة والاقتصاديّة، وما تطرحه الوسائل الإعلاميّة من ملفّات، وما يدور حولها من نقاشات، يترك أثره في شخصيّة ووعي الإنسان الغربيّ في تعامله وعلاقاته مع الآخرين، وقد بات من المحسوم ما يشكّله المسلمون في الغرب من قوّة اقتصاديّة وسياسيّة وفكريّة وعقائديّة تنمو بشكلٍ مطّرد، كما تشير العديد من الإحصاءات ومراكز الدّراسات الاجتماعيّة والسياسيّة...
لذا أضحى من الضّروريّ النّظر بدقّة وعمق إلى حال المسلمين في الغرب، لجهة حجم دورهم ووجودهم، من أجل تنظيم هذا الحجم، وتفعيل هذا الدّور، وتعزيز هذا الوجود، ليصبح ثابتاً وراسخاً يستند إلى أسس إسلاميّة وإنسانيّة واضحة وحضاريّة، تعمل على مدّ جسور التّواصل مع الآخرين، لا أن يبقى المسلمون في جمعهم مشتّتين، فتذهب قوّتهم، ويغيب دورهم، في ظلّ غياب المؤسّسات المدنيّة وغيرها الّتي تعمل على تنظيم أوضاع المسلمين لممارسة دورهم الحضاريّ والإنسانيّ، كما أمر بذلك الدّين الإسلاميّ الحنيف، الّذي حضّ الفرد على أن يعيش إنسانيّته ومفاهيم دينه واقعاً حيّاً ملموساً، ليصنع الفعل المؤثّر والإيجابيّ في أيّ مجتمع وُجد فيه، فكلّ الأرض هي لله تعالى...
فالعمل المؤسّساتيّ الإسلاميّ والأهليّ المشترك مسؤوليّة كبيرة ومطلوبة، لمواكبة أوضاع المسلمين في الغرب وغيره، على قاعدة الرفض لكلّ الحسابات الشخصيّة والمذهبيّة الّتي تضعف الإسلام وأثره ودوره في مسيرة الإنسان والمجتمعات.
وفي السّياق ذاته، يرى سماحة المرجع السيّد فضل الله(رض): أنّ علينا العمل لإيجاد الجسور الّتي تربطنا بالغرب، لأنّه أصبح حاجةً حيويّةً بالنّسبة إلينا من النّواحي السياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة...
بيْد أنّه ـ بحسب سماحته(رض) ـ لا بدّ من أن نثير في داخل هذا الجوّ بعض الضّوابط الّتي يمكن أن تقي الإنسان المسلم من السّقوط تحت تأثير كثير من المواقع...
على أنّ المطلوب ـ يتابع سماحته(رض) ـ أن نعمّق في وعي الإنسان المسلم أنّ القاعدة الّتي تنطلق منها الحضارة الغربيّة، تختلف عن القاعدة الّتي تنطلق منها الحضارة الإسلاميّة، وأنّ مجرّد التّوافق بين الغرب وبعض فروع الإسلام، والخطوط الأخلاقيّة العمليّة للإسلام، لا تعني اعتبار الغرب مثلاً للإسلام كما يتحدّث البعض...
فالمسألة ـ كما يرى سماحته(رض) ـ هي فكريّة عميقة الجذور.. ويضيف: إنّ القيمة الّتي نجدها في الغرب في المسألة الثقافيّة تبقى بعيدةً عن الأوضاع السياسيّة الّتي توظّف كثيراً من الحالات لحسابات خطوطها ومصالحها.. لذا، يشير سماحته(رض) إلى نقطة مهمّة واستراتيجيّة وعمليّة، بقوله: إنّنا إذا استطعنا امتلاك المستوى الثّقافيّ العميق الجيّد في المسألة الإسلاميّة، على مستوى المفاهيم والعقيدة أو الشّريعة، يمكننا الدّخول إلى الغرب مبشّرين لإقناع الإنسان الغربي المادّيّ بالمسألة الإسلاميّة، لأنّ عقله ليس خاضعاً للخلفيّات الانفعاليّة أو العاطفيّة...
كما يدعو سماحته(رض) إلى الاستفادة من وجود الجامعات الغربيّة المفتوحة للمفكّرين المسلمين.. ما يفسح لنا المجال للدّعوة على مستوى الجامعات والمفكّرين...
وينبّه سماحته(رض) إلى مشكلة واقعيّة تعيق العمل الإسلاميّ المخلص، حيث يقول: إذا كانت الظّروف مهيّأة لاقتحام المواقع بعقلٍ منفتحٍ وبصيرةٍ نافذة، فإنّ المشكلة الّتي نواجهها في هذا الإطار، هي أنّ المسلمين ليسوا أمّة واحدة، فهم لا يملكون مرجعيّة تخطّط للجانب الفكريّ والثّقافيّ، وهم مشغولون بعقد سياسيّة جعلت السياسة هدفاً بدل أن تكون وسيلة، هذا إضافةً إلى التحدّيات الّتي تواجه المسلمين، فتشغلهم بأنفسهم وتمنعهم من ذلك...
لهذا لا بدّ ـ كما يؤكّد سماحته(رض) ـ أن نحدِّق بالغرب كعنوان كبير ثقافيّ وحضاريّ وإنسانيّ، دون تغييب الوجه الآخر، وأن نهيّئ أنفسنا للدّخول في هذه المعركة الثقافيّة والسياسيّة، لكي نحصل على ما يهمّنا من الغرب.. وأن نخفّف تأثير الغرب على الشّرق بطريقة أو بأخرى... [كتاب "تحدّيات المهجر بين الأصالة والمعاصرة"، ص:25].
ختاماً، لا يسعنا إلا الاستفادة من النّقاط المهمّة الّتي طرحها سماحته(رض) لتعزيز العمل الإسلاميّ وتفعيله، وخصوصاً في الغرب، انطلاقاً من رؤية واضحة وواعية للخطوات، بحيث تكون مدروسةً ومحسوبةً كي تأتي ثمارها المرجوّة، لا أن تكون مجرّد جهود ضائعة لا توحّدها المرجعيّة الإسلاميّة الهادفة والفاعلة...
فالإسلام ـ كما يطرح سماحته(رض) ـ ينبغي أن يبقى هو المنطلق والهدف لعملنا الرّساليّ والتّبليغيّ والحضاريّ، عندما تذوب كلّ العناوين والصّراعات الجانبيّة الّتي تضعف العمل الإسلاميّ...
لذا ينبغي أن نغيّر في عقليّتنا في تعاملنا مع العالم الغربيّ وعلاقتنا به، انطلاقاً من وعينا لمفاهيم إسلامنا الأصيلة، وأن نكون مخلصين ورساليّين ومسؤولين عن كلّ تصرّفاتنا وسلوكيّاتنا، لنعطي الإسلام الصّورة الحضاريّة والمشرقة والحيّة الّتي تفعّل المسيرة الإنسانيّة والوجوديّة...
ربيع فارس
|