|
| أحمد بن بلّه: المناضل السَّاكن في التَّاريخ |
غيّب الموت أمس الرّئيس الجزائريّ الأسبق "أحمد بن بلّه" عن عمرٍ ناهز الـ 96 عاماً، إثر إصابته بأزمةٍ صحّية.
وبن بلّه هو الّذي شارك في تفجير الثّورة الجزائريّة، وانتُخب رئيساً للبلاد بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسيّ سنة 1963، وبرحليه، تُطوى صفحة امتدّت على مدى قرن من الزّمن، تميّزت بالنّضال الوطني الجزائريّ من أجل الكرامة والتحرّر.
انخرط في صفوف حزب الشعب الجزائري وكان عمره 26 عاماً، هذا الحزب الّذي واجه الاحتلال الفرنسيّ مطالباً بالاستقلال وجلاء الاستعمار، بعدها، وبأقلّ من عشرين سنة، أضحى أوّل رئيس للدولة الجزائريّة الوليدة. كان مشهوداً له بشخصيّته القويّة على مستوى الإقناع والتّواصل والجدل الفكريّ، وهو الّذي تولّى مواقع قياديّة في التدريب والتأهيل السياسيّ في حركة التحرير الجزائريّة...
اعتُقِل بن بلّه سنة 1950، وحُكم عليه بالسّجن 7 سنوات، إلا أنّه تمكّن من الفرار سنة 1952، والتحق برفيق دربه، حسين آيت أحمد، في القاهرة، حيث عمل جاهداً لجعل مصر الخلفيّة البارزة للثّورة الجزائريّة، وكانت له صلة وثيقة بالرّئيس جمال عبد الناصر حينها...
بعد عودته إلى الجزائر، انتُخب رئيساً للجمهوريّة في 15 أيلول 1963م، وبدأت مرحلة الصّراعات بين قيادات الثّورة وقتها، فقام "هواري بومدين" بانقلابٍ عسكريّ عليه سنة 1965م، فأُودع بن بلّه السّجن إلى حين وفاة الرئيس "بومدين" سنة 1979م ...
ورغم أنّه بقي في السّلطة ثلاث سنوات، فقد بنى وأسَّس لتجربةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ باهرة، منحت الجزائر دفعاً قويّاً، لتكون من أبرز دول منظمة عدم الانحياز، وعلى المستوى الاقتصاديّ، قام بتوزيع الأراضي الزّراعيّة على الفلاحين الفقراء، وحوّل المصانع إلى تعاونيّات يديرها العامل ذاتياً...
وبالرّغم من المصالحة بينه وبين الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة، الّذي كان أبرز أقطاب الانقلاب الّذي أطاح به عام 1965، إلا أنّه رفض تولّي أيّ منصبٍ رسميّ في الجزائر، واكتفى لغاية رحيله برئاسة "لجنة الحكماء" التّابعة لمنظمة الوحدة الأفريقيّة الّتي تُعنى بفضّ النزاعات السياسيّة في القارّة السمراء...
ولقد كانت هناك علاقة مميَّزة بين الرّئيس الرّاحل بن بلّه وسماحة المرجع السيّد فضل الله(رض) إلى حدّ التعاطف والمودّة المتبادلة، ففي معرض ردّه على سؤال لمجلّة الشّراع بتاريخ: 18-3-1985م، عن كون الرّئيس الرّاحل "بن بلّه" أوّل المتّصلين بسماحته للتّهنئة بالسّلامة بعد متفجّرة "بئر العبد"، وعن طبيعة العلاقة بينهما، أجاب سماحته(رض) بأنّ هناك نوعاً من أنواع التّعاطف الفكريّ والرّوحيّ، من خلال ما نلاحظه من إصرارٍ على الطّرح الإسلاميّ المنفتح المتحرّك في فكره، ومن خلال مواقفه من كلّ قضايا الحريّة في العالم...
وفي زيارته لسماحة السيّد(رض) بتاريخ: 22-7-1997، حيث عرض معه أوضاع الجزائر وواقع الحركات الإسلاميّة في العالم العربي والإسلامي، قال الرّئيس الجزائريّ الراحل: "أتيت لزيارة رجل يعتبر إمامنا كلّنا، وهو الّذي يجسّد الطهارة والعلم والمعرفة للمسلمين، ومواقفه غنيّة ولا مجال لذكرها، وهو موقع رائع وطيّب وطاهر، وقد جئت أتزوّد من إمامته وعلمه أكثر حتّى نستمرّ في عملنا، وكان لقاء محبّة وحوار في مختلف شؤون العالم العربيّ والإسلاميّ، إضافةً إلى الوضع الجزائريّ، وقد تعلّمنا من سماحته الكثير في هذه الزّيارة...".
فقد كانت الجزائر حاضرةً دوماً في وجدان سماحته(رض)، معوّلاً على دورها وموقعها التحرّريّ والنّضاليّ والفكريّ المساند لقضايا الأمة العربية والإسلامية، وكان ولا يزال سماحته(رض) حاضراً في وجدان الأحرار في الجزائر والوطن العربي والإسلامي ...
محمد السيد
|