نسخة للطباعة

أرشيف في دائرة الضوء

القدس الشّريف في وجدان المرجع السيّد فضل الله(رض)

التاريخ: 30 رمضان 1433 هـ  الموافق: 18/08/2012 م

تعيش القدس في وجدان الأمّة قديماً وحديثاً، وتعتبر أمّ القضايا لدى المؤمنين المخلصين الشرفاء، لما تمثّل من رمزية دينية وإنسانية تجمع بين كل الأديان والحضارات، ولطالما تعرّضت وتتعرض للتجاوزات والتعديات من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بغية طمس معالمها، وتغيير هويتها، وقلعها من وجدان الأمة عبر احتلالها المستمر...

ولم تغب قضية اغتصاب فلسطين والقدس عن قلب سماحة المرجع السيد فضل الله(رض) وعقله، فكان في كل المناسبات والمواقف والخطب والندوات وغيرها من المنابر، يتحدث عن أهمية القدس ورمزيتها للعرب والمسلمين والعالم..

ففي إحدى المناسبات، يقول سماحته(رض): القدس رمز يعطي الأرض والمنطقة والسياسة معنى، الأرض حجارة وتراب، مهما ارتبط الإنسان بها، فإنها لا تعدو أن تثير فيه شيئاً من الألفة، ولكنها لا تهزّ أعماقه من الداخل.. لهذا فإن قضية أن تتحرك من أجل تحرير أرض اغتصبت، لا بدّ لك من أن تجعل من الأرض قضية، قضية تتعدى حدودها وحجمها، حتى يستطيع اتساع القضية أن يأتي من بعيد ليحقق لك شيئاً في حركتك من أجل الأرض، فتكون بذلك تأتي إليها من أفق واسع، وإذا جئت إليها كذلك، تكون قد طوّقتها من جميع الجهات، فتصبح الأرض قضية ورسالة...

ويتابع سماحته(رض) حديثه عن القدس الرّمز بقوله: معنى أن تكون القدس الرمز، أن تنطلق من موقع كل الرسالات السماوية، لتجعلها طابع سياستك ووطنيتك وإخلاصك لأرضك، ولتجعل من القدس، لا قصة المحاريب التي يصلّي فيها الناس، ولا قصة الهيكل والقبب والمآذن التي يتطلعون إليها، بل أن تحوّلها إلى إنسان، من خلال أن الإسلام يجعل المسجد في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة المسجد...

ويشير سماحته إلى مسألة مهمة عندما يقول: إننا نطرح القدس على أساس أن تكون الرسالة المنفتحة التي لا تضيق ولا تتعلّب ولا تختنق بهذا اللّغو الطائفيّ الذي يتحدّث فيه أولئك الذين ينتمون إلى رسالات السماء، عندما يختنقون بهذه الرّسالة بعد أن يخنقوها في داخل أنفسهم...

معنى القدس ـ والكلام للسيد(رض) ـ أنك تتحرك في سياستك من موقع إسلامك لله، ومن موقع ما تمثله القدس من معنى رسالي يتحرك في كل رسالات الله، وبذلك يمكن لك أن تتحرك من خلال هذه الرسالة المنفتحة على الحياة كلها والناس كلهم...

ويضيف سماحته(رض): لا بد لنا من أن نعيش القدس كرسالة وقضية، وامتداد سياسي رسالي في حياتنا، ليجعل كل خطواتنا السياسية منطلقةً من خط الإسلام بعيداً عن كلّ لفّ ودوران.. لأن قضية أن تقود الساحة لتغيِّر الساحة، ليس أن تلف وتدور حول الساحة، بل لا بد من أن تواجهها مواجهة حاسمة تربط الساحة بالفكرة، وتوجّه الفكرة لحركة الساحة...

وينبِّه سماحته(رض) إلى أن قضيّة أن ننطلق من موقع الإسلام، ليس هي كما يثيره الطائفيون المتعصبون، بل كما يتحرك به الرساليون، عندما يطرح الإسلام كفكر وشريعة ومنهج للحياة وخط للسير.. عندما يطرح الإسلام ليفكّر فيه الناس ويتحركوا من خلاله...

لهذا كانت القدس، لا الأرض ولا الوطن ولا فلسطين...

ويكمل سماحته: إن يوم القدس ينطلق من واقع سياسي نعيش فيه، وهذا الواقع يتمثل بغياب القضية الفلسطينية عن كلّ وعي الأمّة.. وأتجرّأ وأقول: عن كلّ وعي الأمّة، لأن القضيّة أن مواقعنا السياسية أصبحت عبئاً ثقيلاً نرزخ تحته، أصبحت هماً نريد أن نتخلص منه بالهروب منه تارةً، ومشكلة نريد أن نحلّها لحساب العدوّ تارةً أخرى...

ويدعو سماحته(رض) إلى التوحّد بالقدس: على هذا الأساس، يعمل الكثيرون على أن تُنسى القضيّة وتدخل في الأنفاق الطائفيّة والحزبيّة الممتلئة ظلاماً، حتى تغيب مع الظّلام، ولا تبقى لها أيّة إشراقة في أيّة جهة.. هذا واقع نعيشه، ومن هنا كان لا بدّ لنا من صدمة تصدم واقعنا وطائفيّتنا وأحزابنا وإقليميّتنا.. لتقول لنا: إنّ هناك القدس، فإذا كنتم تفكرون من خلال موسى(ع)، فالقدس قدس موسى(ع)، وإذا كنتم تفكّرون من خلال عيسى(ع)، فالقدس قدس عيسى(ع)، وإذا كنتم تفكّرون من خلال محمد(ص)، فالقدس قدس محمد(ص)..

القدس تريد أن تذكّرنا.. تذكّرنا لنفكر.. تذكّرنا لتنفع الذكرى، تهزّنا، تجعلنا ننطلق لنتوحد بالقدس.. ننطلق هنا وفي كلّ بلد إسلامي لنتظاهر ونهتف وننشئ الندوات، ونطلق الأبحاث في كلّ المجالات.. من أجل أن نشعر بأن هناك شيئاً اسمه القدس.. يوم القدس يجب أن يبقى ليتحرك في حياتنا كلها.. ليكون الانطلاقة التي تشمل السنة كلها...

هذا نذرٌ يسير مما كان يدلي به سماحة الفقيه المرجع السيد فضل الله(رض) حول القدس والقضية الفلسطينية، فقد عاش وجاهد في سبيل قضيّة القدس، وأخلص لها في كلّ كلامه ومواقفه وحياته، من موقع المتبصِّر العارف والواعي لقضايا أمّته الاستراتيجية والمصيرية، وهو المنظِّر والعالِم والمحلِّل الذي يتقن قراءة الأحداث والتّاريخ، والمستشرف الفذّ لآفاق المستقبل انطلاقاً من رحابة النظر والأفق لديه..

لقد رحل السيّد(رض) جسداً، لكنه بقي حياً بروحه التي تحلّق وتتغنّى بها قباب الأقصى ومآذنها مدى الزّمن...

محرّر موقع بيّنات

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: