نسخة للطباعة

أرشيف في دائرة الضوء

نظرة إسلاميّة أصيلة حول الولاية التّكوينيّة

التاريخ: 29 شعبان 1433 هـ  الموافق: 19/07/2012 م

عندما يتّخذ العالم من قراءة النّصّ القرآنيّ قاعدةً لاستنطاق المفاهيم الإسلاميّة وتبيان حدودها وآفاقها ومعانيها، وما تمثّل في المنظومة المعرفيّة الإسلاميّة عامّة، فإنّ ذلك يعطي زخماً وغنىً غير محدود لهذه المفاهيم، على مستوى تناولها وإعطائها حقّها المطلوب، ورعايتها على مستوى التّفصيل واستخلاص المعنى، لوضعها في سياقها المعرفيّ والقيميّ المرتجى...

وليس المطلوب فقط قراءة النّصّ القرآني، بل الأهمّ قبلها، توفّر عناصر شخصيّة أصيلة وواعية للمفسِّر والعالم الّذي يتناول النّصوص لقراءتها، فبقدر ما يكون مؤهّلاً على المستوى الشخصيّ والعلميّ، ويمتلك الرّؤية الواضحة والمسؤولة والهادفة، يكون إنتاجه مميّزاً، ولا سيّما فيما يتعلّق بالمعاني والأفكار الجديدة الّتي تتماشى مع العقل والتطوّر، ولا يكون ذلك إلا بتوسعة مداركه، وفتح آفاقه على معرفة الذّات والوجود...

لقد كان مبحث "الولاية التكوينيّة" المثل الصّادق والواضح لنضج القراءة القرآنيّة لسماحة المرجع الإسلامي الرّاحل، السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، فاعتماده على النصّ القرآنيّ كحاكم أصيل وأوّليّ على المفاهيم والمعاني الإسلاميّة، كـ"الولاية التكوينيّة"، على حساسية هذا المبحث، ينمّ عن نضجٍ معرفيّ بأهميّة هذا المنهج، واعتقاده أنّ القراءة القرآنيّة الصّحيحة لاستنطاق المفاهيم ووضعها في إطارها الصّحيح، هي في تحريك هذه المفاهيم وتفعيلها في الواقع، لا أن تبقى في إطار التّنظير في بطون الكتب...

ويرى بعض العلماء أنَّ الله تعالى جعل لأنبيائه ورسله ولايةً تكوينيّةً، يتصرّفون من خلالها، فيغيِّرون الأشياء وينقلونها من حال إلى حال بإذن الله، بما أعطاهم من السّلطة على الكون في حركة التّكوين، كما أعطاهم السّلطة الشّرعيّة في إدارة شؤون النّاس وحكمهم، وبثّ قوانين الشّريعة بينهم وهدايتهم إلى دينه، حتّى إنّ البعض يرى أنّ الله فوّض إلى الأنبياء والأئمّة(ع) أمر التصرّف في الكون في حركته الخفيّة والظّاهرة، بحيث إنّهم يملكون القدرة على تغيير ما يريدونه في الكون وفي الإنسان، من خلال القدرة الّتي مكّنهم الله منها وأعطاهم إيّاها...

وبما أنّ هذه النّظريّة ـ الولاية التّكوينيّة ـ ظلّت بين مؤيّدٍ لها ومعارض، فقد أكّد سماحة المرجع السيّد فضل الله(رض) نقطةً هامّة، وهي أنّ الولاية التّكوينيّة ليست من المعتقدات الأساسيّة، فلا يضرّ عدم الاعتقاد بها في إسلام الشّخص وصحّة معتقده، ولم يدّع أحد من العلماء، ومنهم القائلون بها، أنّها من أصول المذهب أو ضروريّاته...

فقد أصرّ الشّيخ "محمد جواد مغنية" في كتابه (فلسفات إسلاميّة) على عدم كونها من ضرورات المذهب، وأنّه لا دليل عليها، فكلّ شيء ممكن بإذن الله، ولكنّ العبرة بالوقوع لا بالإمكان، وبالإثبات لا بالثّبوت، فوجوب الإيمان بولاية التّكوين ليس من ضرورات الدّين ولا المذهب، بحسب العلاّمة الشيخ مغنيّة(قده)...

ولا ضرورة لإعطاء هذه الولاية إلا بالمقدار الّذي تحتاجه الرّسالة في أحلك الظّروف والتحدّيات؛ فلماذا يجعل الله تعالى لهم هذه الولاية؟ هل هناك مهمّة تتوقّف على ذلك، أم هي قضيّة تشريف إلهيّ لهم، حيث يمنحهم هذا الموقع الكبير الّذي لا يملكه أحد في الوجود غيرهم؟

فالفكرة الأساسيّة، أنّ الله تعالى يمنح الأنبياء الفرصة الّتي يواجهون فيها تحدّيات الكفر بالمعجزات عند الحاجة إليها..

إنّ الولاية تمثّل، في رأي سماحة المرجع السيّد فضل الله(رض)، الإشراف والرّعاية والاحتواء في كلّ ما يحتاجه الإنسان من شؤون القوّة والحركة والحياة، ما يفرض القدرة الّتي تتحرّك في أكثر من اتجاه، وتلتقي بأكثر من مجال، وتواجه كلّ المواقف بما يناسبها أمام كلّ التحدّيات المباشرة وغير المباشرة. وهكذا، تتمثّل الولاية من الله واقعاً حيّاً يعيشه الإنسان كهاجس في الشّعور الداخليّ، وكطاعةٍ في ممارسته لحركة الإيمان، وهو يواجه الكون كلّه بالطّاعة للأمر الإلهيّ بالتّسليم لله، وذلك هو مظهر العبوديّة الحقّة، فيبتعد عن الشّرك الّذي يرهق حسّ الصّفاء الرّوحيّ للوحدانيّة في الفكر والشّعور...

فقيمة "الولاية" في خطّ الرّسالة والإمامة، تكمن في ملاحقتها للإنسان في مفاهيمه وحركيّته، لتمنحه الوضوح في الخطّ، والسّداد في الرّأي، والسّلامة في الحياة، والاستقامة في الطّريق، والرّعاية في الحركة السّائرة إلى الله تعالى. ولذلك، فإنّ الارتباط بها يحمي الإنسان من الانحراف، ويقوده إلى الصّراط السّويّ...

وليس الحديث عن "مبحث الولاية" بتفاصيله المتشعّبة مهمّاً بقدر ما تكمن أهميّته في تمثّله على مستوى الواقع اليوم، وفي المرحلة الّتي تتحرّك فيها حياة النّاس، كي لا تبقى المسائل تتردَّد على الألسنة، وتُذكَر في الكتب والمؤلّفات، دون تبيان أثرها الفعليّ في حياة النّاس، عندها يفقد أيّ مبحث حيويّته وقيمته المعرفيّة والإنسانيّة...

فالولاية ـ بحسب تصوّر سماحة المرجع السيّد فضل الله(رض) ـ تتمثّل في الالتزام بالإسلام كلّه عقيدةً وشريعةً ومنهجاً، في حركتنا في الحياة، وذلك باعتباره رسالتنا الّتي نحملها إلى العالم لنعمّق الالتزام الإنساني به، فدور الأنبياء والأئمّة(ع)، هو أن يربطوا النّاس برسالة الله، لا أن يربطوهم بأشخاصهم في عمليّة استغراق في الذّات بعيداً عن أصالة الإسلام في الوعي، فقيمة الرّسول(ص) والأئمّة(ع)، أنّهم أولياء الله تعالى، حتّى لا ننسى الله عندما نذكرهم، ولا ننسى الإسلام عندما نلتفت إلى خطّهم، فليس هناك خطّ للولاية خارج عن نطاق الإسلام في قيمه الفكريّة والرّوحيّة والأخلاقيّة...

كما يسلّط سماحته(رض) الضّوء على نقطة حيويّة، وهي دراسة التّراث الإسلاميّ الفكريّ الّذي تركه أهل البيت(ع)، وتوثيقه وتنقيته من كلّ الشّوائب العالقة به، لننفتح على أصالة التّراث، ونقدّمه بالشّكل الموضوعيّ والصّحيح، بعيداً عن روح الغلوّ والتطرّف...

ويخلص سماحته(رض) إلى القول بأنّ الإرادة التكوينيّة كناية توحي بأنّ الأشياء حاضرة للوجود أمامه، خاضعة لإرادته بلسان استعدادها، كما لو كانت موجودات عاقلة حيّة تتلقّى الأمر بالكلمة، فتستجيب بالممارسة، وما خضوعها لإرادته إلا دعوة للتأمّل في حقيقة الذّات الإلهيّة المبدعة...

وأخيراً، وليس آخراً، تقول "ريتا فرج" في مقالٍ لها في جريدة الحياة اللّندنيّة، بتاريخ 20/8/2011، حول دراسة سماحته(رض)، تحت عنوان (نظرة إسلاميّة حول الولاية التكوينيّة)، إنّ هذه الدّراسة تكتسب أهميّتها من عدّة مؤشّرات:

ـ أنسنة الأنبياء والأئمّة، أي عدم إعطائهم مواصفات خارقة تتخطّى قدرتهم الإنسانيّة.

ـ مقارعة كلّ الأساطير الّتي أسقطها المتخيّل الشّعبيّ على الرّسل في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

ـ التّأكيد أنّ هدف الأنبياء هو تبليغ الدّعوة، وأنّهم ليسوا مفوّضين تدبير شؤون الكون.

محمد فضل الله

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: