نسخة للطباعة

أرشيف مختارات منوعة

الإسلاميّون وتوزّع الأدوار

السيِّد جعفر فضل الله

تتميّز الحركة الإسلاميّة، وكذا المثقّف الإسلامي، بحضورٍ قويٍّ للفكر الإٍسلامي النّظري في الخطاب وفي توجيه السّلوك على أرض الواقع؛ وذلك بسبب الزخم التنظيري المبثوث في القرآن الكريم والسنّة الشَّريفة، والَّذي يشكّل أرضيّة لثقافةٍ مشتركةٍ بين القاعدة الشعبيّة وقيادتها؛ نظراً إلى ارتباط القاعدة الوجدانيّ والعقيديّ بالقرآن تحديداً، وبما صحَّ من السنّة.

النقد وتطور المجتمع

ولكنَّ هذا الزخم النظري ليس إلا عبارة عن اجتهادات المجتهدين وفكر المفكّرين، الَّذي يتنوّع بتنوّع مشاربهم وثقافاتهم وما يؤثّر في حركة إنتاج الفكر عموماً، ومن الطَّبيعي إذ ذاك أن تختلف وجهات النظر، وأن يُصبح النقدُ الوسيلة الفُضلى في عمليّة تلاقح الأفكار، بالنّحو الَّذي ينفتح فيه المجال الفكري التنظيري على مصراعيه في إطار الواقع الإسلاميّ، بما يُغني حركة الإنسان نحو الحقيقة، ويسرّع عمليّة التكامل في حركة التطوير للذات وللمجتمع.

ذلك أنّ أيّ مجتمع، أو حالةٍ، أو فردٍ، يتّخذ قراراً بالانغلاق الفكري سيدخل في عمليّة اجترار داخلي للأفكار والمعتقدات، والَّتي تتحوّل عند لحظةٍ ما إلى تضخيم للذات المفكّرة، أو للفكرة المُنتَجة، بشكلٍ لا واعٍ في ظلّ مواجهة متغيّرات الزمن، بهدف المحافظة على ذات الجماعة، وتتباطأ في تلك اللحظة حركة التطوّر، وتقلّ مساحة التفكير ما خلا الفكر التبريري لما هو قائمٌ من الأفكار والسياقات وما إلى ذلك.

نؤسّس هنا للقول إنّ الاختلافات الاجتهاديّة في عالم المثقّفين والحركيّين الإسلاميّين أمرٌ لا مفرَّ منه؛ بل ربّما يصل الاختلاف إلى حدّ التنافر في النظرة إلى الواقع، أو إلى آليّات التعاطي معه ضمن المنظومة الفكريّة، وربّما يرى فريقٌ ضرورة التمسّك بالمبادئ الأوّليّة ولو أدّت إلى الصدام، وقد يرى آخرون بأنّ فقه الحالات الاستثنائيّة، أو الضرورة، هو الذي يجب التمسّك به في اللحظة ذاتها، وما إلى ذلك ممّا يرتبط بالنظرة الاجتهاديّة إلى الحكم الشرعي، أو المفهوم الإسلاميّ، أو يرتبط بتشخيص الموقف الواقعي على ضوء الأحكام والمفاهيم الإسلاميّة، الذي يرتبط بجملة من الوقائع والعوامل المتغيّرة بين مجتمع وآخر، أو بين وقتٍ وآخر، وبين ظرفٍ وآخر.

هذا كلّه يجعلنا أمام عدّة خيارات:

الخيار الأوّل: أن نجعل من الاختلاف في الآراء أساساً للرفض والتعصّب والإلغاء، وبذلك لا نشتّت قوانا فحسب، بل نعكس روحيّة سلبيّة، أنّنا لا نملك الإخلاص للقضايا الكُبرى التي توحّدنا، والعناوين المقدّسة التي تجمعنا، وأنّنا نملك روحاً استعلائيّة على الآخر المختلف معنا، حتّى للَّذين ينتمون إلى المجتمع نفسه، وإلى مجال الانتماء ذاته.

الخيار الثاني: أن نحاول أن نجمّد أيّ حالة تداول للاختلافات فيما بيننا، فنمنع تداول الأفكار والأفكار المضادّة؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى تذكية حالات التوتّر والعصبيّة، بما ينعكس على الجماعة، وخصوصاً عندما تواجه تحدّيات خارجيّة كُبرى على أكثر من صعيد. والمشكلة هنا أنّ السكون الظاهريّ، لا يمنع أيّ فردٍ أو جماعةٍ من أن تقضّ مضجعها الأسئلة الحائرة، التي يُمنع التداول في أجوبتها، بما يؤسّس لبنية ضعيفة غير متماسكة أمام المتغيّرات التي قد تأتي بأسئلة أكثر إلحاحاً، وتفترض صوغ الأجوبة في حالات أكثر هدوءاً، فتضيع بذلك القاعدة كلّها تحت ضغط ضربات الواقع.

أمّا إذا لم نُجب عن الأسئلة والإشكالات، فإنّ هذه الأسئلة تتحوّل إلى فجوات، حتّى إذا تراكمت فوق بعضها البعض، تحوّلت إلى خلل في بناء الإنسان. وهنا نجد أنّ هذه الفجوات تهيّئ الأرضيّة للغلوّ والتسليم بالأفكار التي لا بُرهان عليها ولا دليل، ممّا قد نُدرجه تحت مسمّى الخرافة؛ حيث يكون تضخيم الأفكار من جهة، والتسليم بأفكار جديدة تنسجم مع السطحيّة الفكريّة التي يعانيها من لا يُراكمون المعرفة ويطوّرونها ويقوّون بنية التفكير الذاتي، هو المسار الطبيعي لحركة الفكر الدائمة؛ أو يدفعنا ذلك إلى البحث عن عناوين خارجيّة ـ تحت عنوان العدوّ ـ لتعزيز تماسك المجتمع ذي البنية الضعيفة، في الوقت الذي نعتقد أنّ البنية المتماسكة هي الأكثر قدرة على الاستفادة من العناوين الخارجيّة المُفترضة لتأكيد تماسكها أكثر، في حين تلعب النية الضعيفة دوراً معاكساً.

احتضان الحريَّة الفكريَّة:

هذا كلّه يدفعنا إلى تبنّي خيارٍ ثالث، وهو احتضان الحريّة الفكريّة في إطار الحالة أو الحركة أو المجتمع، للمحافظة على الاستراتيجية الإسلاميّة في هذا المجال.

وما نرمي إليه هنا، هو أنّ كلّ فكرٍ ينشأ في قلب المجال الاجتماعي أو السياسي أو الفكري العام، وفي المجال الديني بطبيعة الحال، قد يمثّل شيئاً ممّا يسدّ الفراغ في مسيرة المجتمع في إنتاج الفكر وتطوير المعارف، حتّى الفكر النقدي الَّذي يواجه الفكر السّائد هو جزءٌ من حركة إجابة عن أسئلة حائرة قد تكون ثارت في ذهن المفكّر، أو في ذهن جماعة، وقد تثور لاحقاً في أذهان آخرين.

كلّ ذلك يفترض أن لا يتقبّل المجتمع اختلاف الآراء والنظرات والأفكار فحسب، وإنّما أن يرعى البنى والأجهزة والأسس الَّتي تكفل حرّية الفكر والنقد، وأن يعتبر أنّ الأفكار المختلفة قد تمثّل كنوزاً وجواهر ثمينة ينبغي أن يحافظ عليها، حتّى إذا لم يكن المجتمع ـ في ظرف إنتاج الأفكار الجديدة ـ قادراً على هضمها ومواجهتها.

هذا هو مسار تطوّر المجتمعات؛ وإنّ أيّ مجتمع لا يُمكن أن يُبنى على كبت الأفكار المختلفة مع الفكر السائد، أو التي تصطدم بالفكرة المشهورة أو المألوفة اجتماعيّاً، ما دامت تفترض أنّها تأخذ بالدليل والبُرهان، بحيث يكون هذا المعيار هو الأساس في قبول الأفكار ورفضها، وقد يكون دليلي على الفكرة قويّاً في نظري ولكنّه ضعيف في نظر آخرين، أو بالعكس؛ ما يفتح الباب أمام الانفتاح الفكري الذي يأخذ بأسباب الحوار أساساً لصراع الأفكار بما يهيّئ الساحة للفكر الأقوى دليلاً وبُرهاناً.

وهنا ينفتح الباب أمام ما نسمّيه ضبط الفكر بالفكر، بمعنى أنّ الفكر لا يُمكن أن ينضبط إلا من خلال قواعد إنتاج الفكر نفسه، فالفكر الأضعف دليلاً سيتلاشى أمام الفكر الأقوى، في الوقت الذي ينبغي أن نشعر ـ كأفراد وكمجتمع ـ أنّنا معنيّون بالفكر الأقوى ثبوتاً وبنية، لا بالفكر الأضعف؛ لأنّ قوّة الفكر عندما تكون ذاتية، فهذا يعني أنّه يمتلك قوّة الحقّ في داخله، أي أنّ دليله قويّ وبُرهانه متين، وبالتالي يكون الفكر الأضعف ـ مقابله ـ هو فكر الباطل، والمؤمن مرتبط بالحقّ لا بالباطل بطبيعة الحال، قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}[يونس: 32].

الاختلاف ومسألة التنظيم

وقد يتساءل الكثيرون هنا: كيف يُمكن أن نفسح في المجال أمام اختلاف الفكر ليأخذ مداه في الساحة؟! والحال أنّ الاختلاف ـ بطبيعته ـ يمثّل حالة تنافر بين الأفراد والجماعات، ما ينعكس على تماسك الجماعة أو المجتمع، فنفترض ـ بالتالي ـ أنّ الخيار الثاني أقلّ الخيارات خطورة، ولا سيّما في الظروف التي تمرّ فيها الأمّة، أو المجتمع، أو الجماعة، من تحدّيات تهدّد وجودها.

وتزداد المسألة إلحاحاً على المستوى النفسي ليرفض الفرد أو الجماعة أو الحركة، احتضان حرّية الفكر في الهواء الطلق، وفي وسائل الإعلام، وفي حركة النشر، عندما يكون في المقابل أطرافٌ تسعى لاستغلال ذلك لإثارة الرأي العامّ ضدّها، في حركة تسجيل النقاط بين الفرق المتنازعة أو المتصارعة أو المختلفة. ولذلك نجد أنّ التعبير الشائع: لا تطلقوا هذا النوع من الأفكار، لا تتحدّثوا بهذه الطريقة، فيستغلّها الآخرون لمصلحة حالة الصراع والنزاع وما إلى ذلك.

ومع أنّ ذلك يعود بنا إلى النقطة التي كنّا في صدد تأكيدها، وهي أنّ الفرد المسلم، والجماعة المُسلمة، همُّها تحرّي الحقّ، من أيّ مصدرٍ كان؛ ولذا ورد عندنا لزوم طلب العلم "ولو في الصين"، و"الحكمة ضالّة المؤمن؛ أنّى وجدها أخذها"، وقول الله ماثلٌ دوماً: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة: من الآية8]، وما إلى ذلك من أدبيّات تُخرج المُسلم من ذاتيّاته إلى فضاء الحقّ والعدل حتّى لو كان ذلك على نفسه أو الوالدين والأقربين.

ومع ذلك نقول: التمييز ضروري بين الخطّ الفكري والخطّ التنظيمي؛ ذلك أنّ الحرّية الفكريّة لا بدّ من أن تنضبط في إطار القيم الكُبرى التي تمثّل أساسيّات الحركة وقواعدها لدى الفرد المسلم والجماعة المسلمة، بحيث يتمّ تحديد الخطوط الحُمر التي يقف عندها أيّ سلوك، سواء في إطلاق المواقف أو في أسلوب التعبير.

ومن خلال ذلك نستطيع أن نطلق المبدأ الذي يعتبر أنّ مجال الحرّية الفكريّة لا ينبغي أن يُحدّ في حركة النظام العامّ؛ لأنّ قيم النظام العامّ ومواجهة الأخطار، إنّما تتحكّم في أسلوب التعبير في الظروف الآنية المحدودة، ولا يُمكن أن تُفضي إلى أن نبرّر لأنفسنا كبت الفكر أن يتحرّك، والعقل أن يُبدع، والنقد أن يأخذ مداه في تحرّي الحقّ في الفكر، والصواب في الموقف، والرشد في الحركة.

ولذلك وجدنا أنّه في غمرة احتدام الأفكار، وتعالي أصوات النقد في قلب المجتمع الإسلامي، وعندما كانت تقف القيادات الواعية أمام الظرف الذي يُمكن أن تُستغلّ فيه اختلافاتهم الفكريّة مع قيادات أخرى، أو حركات أخرى، لصالح ضرب القيادة الإسلاميّة، أو الحركة الإسلاميّة، كانت تلك القيادات تنبري للإعلان عن الموقف الواضح الذي يضع اختلاف الفكر في حساب، والمواقف الاستراتيجية التي تصبّ في ضرورة التعاون وحماية الكيان الإسلامي والحركة الإسلاميّة في خطوطها العامّة في حسابٍ آخر، ما يمنع أيّ حالة استغلال من هنا أو هناك.

تقوية الواقع الإسلامي

وبعبارةٍ أخرى: إنّ حركة الفكر عندما تختلف مع الآخر، إنّما تستهدف تقوية البنية الذاتيّة الداخلية للواقع الإسلامي، وللحركة الإسلاميّة، وللفكر الإسلامي بعامّة، ولا تنطلق من حالة ذاتية ينطلق فيها المفكّر أو الناقد، ليسجّل نقطة لحساب حساسيّاته الضيّقة، أو لمصلحة غير الإسلاميّين الذين يتربّصون بالواقع الإسلاميّ الدوائر؛ وهكذا ينبغي أن يكون...

وعند ذلك نخلص إلى أنّ هناك نوعين من التوجّهات الَّتي ينبغي أن يُعنى بها الإسلاميّون فيما يخصّ الحركتين الفكريّة والتنظيميَّة:

الأوّل: توزّع الأدوار في حركة الفكر، بحيث يتمّ المحافظة على مناخ من حرّية الفكر في إطار الحالة الإسلاميّة، أو في داخل الحركة الإسلاميّة نفسها، من دون أن يعني ذلك انفلات الحريّة من أيّة معايير، بل أن تبقى منضبطة في إطار موازين الحقّ الذي ينشده الإنسان في بناء قناعاته، بحيث نضمن ـ من خلال ذلك ـ استمرار حركة المجتمع في إنتاج الفكر وتقوية البنية الداخليّة الذاتيّة من خلال التبنّي الدائم للفكر الأقوى بُرهاناً ودليلاً، أي الأقوى في البنية الذاتية لا في المقوّيات الخارجيّة على طريقة التسويق الإعلاني والإعلامي. حتّى إنّ لنا أن نطرح هنا فكرة أنّ حماية التنوّع في إطار الحالة الإسلاميّة والحركة الإسلاميّة، يسمح بإيجاد هامش من المرونة والحركة، ومن التخلّص من ضغوط الواقع، مما لا يخفى على حاذقٍ وخبير، أنَّ ذلك يقينا وضع الواقع الإسلاميّ أمام خيارات أحاديّة تواجهها أمام ضغوطات الخارج وتحدّياته.

الثاني: تحديد قواعد الانتظام العام، الذي يُبقي فيه المجتمع عينه على الاستراتيجيات وتوازن الحركة تجاهها، بحيث تكون حركة المسلم في إطار المجتمع تتحرّك وفق الأولويّات التي يفرضها الواقع والظرف الموضوعي، فلا يتحرّك ليفرّط في وحدة الجماعة وتماسكها، في الوقت الذي يُدرك أنّ أهمّ عنصر من عناصر التماسك هو أن تكون بنيتها الداخليّة قويّة، عبر مواكبة الحركة بالفكر القويّ والطرح المتين.

ربّما يكفينا في المقام أن نلتفت إلى الطريقة التي واكب فيها القرآن حركة الرسالة الإسلاميّة؛ فكان يحرّك النقد لكلّ حركة المسلمين، في الوقت الذي لا يسمح بأن يضعف الموقف أمام تحدّيات المُشركين وتربّصهم بالواقع الإسلاميّ شرّاً؛ لأنّ لإدارة الصراع الخارجي أدواته المناسبة، بينما يستهدف الفكر تقوية البنية الداخليّة للمسلمين ليكون صراعُهُم أفعل، ومواجهتهم للتحدّيات أقوى..

المصدر: مجلة الوحدة الإسلامية - العدد 125  ـ (شهر جمادى الثانية ـ رجب 1433 هـ) (أيار ـ مايو 2012 م)

التاريخ: 23 جمادى الثانية 1433 هـ  الموافق: 14/05/2012 م

المقالات المنشورة في هذا الباب لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع
أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: