نسخة للطباعة

أرشيف مختارات منوعة

موقف السيِّد فضل الله من الصَّحوة الإسلاميَّة
وأهميَّة تطوير الخطاب الديني المعاصر

التاريخ: 24 رجب 1433 هـ  الموافق: 14/06/2012 م

نبيل علي صالح*

يرى العلامة المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله(ره)، أنَّ الحديث عن الصَّحوة الإسلاميَّة لا يزال يأخذ مجاله الكبير في حركة الفكر المعاصر على مستوى النظريَّة والتَّطبيق، من خلال التّساؤلات الكثيرة حول القضايا العامَّة الَّتي أثارتها هذه الصَّحوة في عالم الإنسان، من حيث العناوين الَّتي طرحتها في السّاحة، والمشاكل الّتي أثارتها، أو التَّحدّيات الَّتي واجهتها، أو النتائج الَّتي وصلت إليها...

تأصيل المفاهيم المنفتحة:

ويعدّ السيّد فضل الله أحد أهمّ رموز الفكر الإسلامي وعناوينه، ومن روّاد مسيرة تلك الصّحوة الإسلاميّة، من حيث كونه منظِّراً ومرجعاً للكثير من نخبها وحركاتها، وهو لا يزال يطرح الكثير من الأسئلة حول أفكارها وخطاباتها ومعتقداتها وسلوكيّاتها؛ ومن أبرزها، أسئلته حول مدى استطاعة هذه الصَّحوة أن تنقل الإنسان إلى عالم جديد تختلف معطياته الفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة عن المرحلة الّتي سبقتها، بحيث تُبلور له قضاياه في مسألة الحريَّة والعدالة، وتمنحه الأصالة في حركته نحو التّوازن في حركة وجوده.. وحول تمكّن الصَّحوة من إثارة مسألة الظّلم المنتشر في الأرض، لتتحدَّث عن كيفيَّة مواجهته، وتحريك قضيَّة العبوديَّة لتثير الفكر عن نوعيَّة السَّيطرة عليها، وعن مسألة الجهل وطبيعة حلّها، وموضوع التخلّف لتبحث عن إمكانات الخروج منه.. وهل كانت في مستوى التحدّيات الّتي يفرضها الفكر الآخر أو الواقع المضادّ؟ وهل وصلت إلى بعض النتائج الحاسمة في حركة الأهداف؟ وهل استطاعت أن تكون البديل من كل الواقع المسيطر على العالم؟

وفي إجابةٍ سريعةٍ عن تلك "الأسئلة ـ الإشكاليَّة"، يعتقد السيّد أنَّ الأولويَّة الكبرى أمام النخب والحركات الإسلاميَّة الصّاعدة، والَّتي عرفت باسم "الصحوة الدينية" في خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لا تزال متمحورةً حول أهميَّة تأصيل المفاهيم الإسلاميَّة في المسألة الثقافيَّة الَّتي تنفتح على المفردات السياسيَّة والحركيَّة الروحيَّة والعلميَّة والاقتصاديَّة وما إلى ذلك، لأنَّ المشكلة الَّتي تعانيها الصَّحوة الإسلاميَّة، هي أنّها لم تستطع أن تقدِّم صورةً مترابطةً متّصلة الخطوط للمشروع الإسلاميّ الواحد...

ويتحدَّث السيّد بسلبيَّة عن بعض الأفكار والطروحات والدراسات الإسلاميَّة الَّتي تحاول تناول هذا المفهوم الإسلاميّ أو ذاك بصورة تجزيئيَّة منفصلة وبعيدة عن روحيَّة التكامل، كأن يعالج مفكر إسلامي مثلاً قضيَّة اقتصاديَّة أو سياسيَّة، ليؤصّل مذهباً اقتصادياً أو مذهباً سياسياً في الإسلام، بحيث نجد أنفسنا أخيراً أمام عناوين عريضة من دون تكامل، وبصورة لا تزال غير مكتملة، إما لأنّ المفكرين الإسلاميين لا يقفون عند قاعدة واحدة في الاجتهادات الفكريَّة، أو لأنّ كل فريق يأخذ الجانب الَّذي يعالجه منفصلاً عن الجانب الآخر...

ولذلك، يعتقد السيِّد أنَّ هناك شعارات كبيرة لدى كلّ الحركات الإسلاميَّة، ولكنَّنا عندما نواجه المضمون الَّذي يختزنه الداعية الإسلامي كفرد في القاعدة أو كقياديّ في القمَّة، نجده مشوّشاً غير واضح، ولا تزال الخطوط عنده غير مترابطة...

إنّ مشكلة الصَّحوة الإسلاميَّة، أنها لم تستطع أن تقدّم صورة مترابطة متّصلة الخطوط للمشروع الإسلاميّ الواحد

أولويَّة الوحدة الإسلاميَّة:

من هنا، تكمن الضَّرورة والحاجة الماسّة إلى تقديم صورة نوعيَّة متكاملة عن المفاهيم والرّؤى الإسلاميَّة العقلانيَّة الأصيلة الَّتي يمكن أن تقدّم إلى العالم كنموذج حضاريّ إسلاميّ متكامل ومنفتح، ليس فقط في الخطوط الفرعيَّة الجزئيَّة جداً، لأنّه لا يمكن تقديمها بهذا الشَّكل التّفصيليّ، ولكن في الخطوط التفصيليَّة في مفاصل القضايا الّتي يعاني منها العالم، كقضايا الحريَّة، وقضايا العدالة الاجتماعيَّة والمسألة الاقتصاديَّة، وهو ما يحتاج في بلورته إلى كثير من الوضوح في ذهن الحاملين للإسلام...

ويتحدَّث السيّد فضل الله عن الأولويَّة الثانية الَّتي ينبغي أن ينطلق فيها الإسلاميّون الحركيّون على المستوى العمليّ، وهي قضيَّة الوحدة الإسلاميَّة، مشيراً إلى أنّه لا يقصد بها أن نوحّد المذاهب والمناهج والأساليب، فربّما يمضي وقت طويل أكثر من الوقت الَّذي مضى في تاريخ المسلمين بدون أن نحصل على نتيجة، وإنما يقصد وحدة القضايا المشتركة بين الإسلاميّين الحركيّين على مستوى القوى الخارجيّة الّتي تمثّل قوّة التحدّي بالنّسبة إلى المسلمين، وأيضاً القضايا الإسلاميَّة التي تمثّل السّاحة الّتي يتحرك فيها المسلمون.

إنَّ التعدديَّة الكثيرة في السّاحة الإسلاميَّة، ربّما تحوّل كلّ حركة إسلاميّة إلى حركة إسلاميَّة طائفيّة أو مذهبيّة، ما يجعلنا نعيش في الدوّامة نفسها الّتي استطاع الاستعمار العالميّ أن يستهلك فيها قوّة المسلمين، من خلال نزاعات مذهبيَّة على مستوى علم الكلام، أو الصّراعات التكفيريّة الّتي يكفّر فيها المسلمون بعضهم بعضاً...

ولا يُخفي السيّد فضل الله خشيته من أن تلتفّ الحالة المذهبيّة الموجودة في العالم الإسلاميّ على الحالة الحركيّة، مُلاحظاً وجود أكثر من نموذج في هذا الاتجاه، ولولا ضغط الأنظمة على الحركات الإسلاميَّة، بحيث أصبحت كلّ حركة إسلاميَّة بحاجة إلى الحركات الإسلاميَّة الأخرى، حتى الَّتي تختلف عنها مذهبياً، لرأينا أنَّ هناك مشاكل مذهبيّة فيما بينهما، لا حدّ لها ولا حصر، تماماً كما هي بين الدّول الإسلاميّة وبين الطّوائف.. ولكنَّنا لاحظنا في السَّنوات الماضية وجود حالة تعاون وتنسيق وتكامل عالي المستوى بين بعض تلك الحركات على اختلاف مذاهبها الإسلاميَّة، بحيث إنّها انطلقت موحّدةً في المواقف العمليَّة، وخصوصاً على مستوى القضيَّة الفلسطينيَّة...

الاندفاع وغياب التخطيط:

ويرصد العلامة المرجع السيّد فضل الله وجود مشكلة أخرى لدى دعاة حركة الصَّحوة الإسلاميَّة، وهي ثوريّتهم المندفعة، بحيث استطاع الآخرون أن يسجّلوا على تلك الحركات والنّخب الكثير من نقاط الضّعف في المضمون الفكريّ الَّذي لم ينطلق من فكرٍ إسلاميّ موحّد أو من مستوى فكريّ معقول، وذلك في غياب تخطيط ثوريّ لوحدة الطّروحات الفكريّة، أو للمحافظة على النوعيَّة الجيّدة للمتحدّثين باسمها، ما جعل الصّورة تهتزّ في أفكار الّذين اجتذبتهم الثّورة بمواقفها، ولكنَّها حيّرتهم بفكرها، فلا يدرون من أين ينطلقون في قاعدته؛ من الغيب أو من الحسّ، أو منهما معاً، وكيف تتمّ عمليَّة التّوزيع، وما هي القاعدة الَّتي يكون الآخر فيها استثناءً... إلى غير ذلك من علامات الاستفهام الّتي تبعث الحيرة في العقل.

وكان العنف مشكلةً للنّاس الَّذين يحبّون ملامح الصَّحوة الإسلاميَّة في وجهها الثّوري، فهم لا يرفضونه كمبدأ من حيث حاجة الحياة إليه في مواقع التحدّي الّتي تتكلّم بلغة العنف، والَّتي تضيع أمامها لغة الرّفق، فلا مجال إلا للعنف الّذي يشكّل الصَّدمة القويّة الّتي تضعف الموقف المضادّ أو تهزمه، أو من حيث حاجة الحركة الإسلاميّة إليه في بعض مواقف القوّة الّتي توحي للنّاس بأنَّ عليهم أن لا ينسحقوا أمام تهاويل القوّة لدى الآخرين، لأنَّ الإسلام يملك المستوى الكبير من القوّة في مواجهتها، حتّى لا يبتعدوا عن مواقف الإسلام في عمليّة الاختيار من خلال اقتناعهم بقوّة الآخرين... إنهم لا يرفضون العنف الّذي تختزنه الحياة في حركة العواصف، وهيجان الأمواج، وطغيان الماء، وزلزال الأرض في حاجة الكون إلى ذلك، ولكنّهم يرفضونه كقاعدةٍ شاملةٍ في جميع المواقع ومع كلّ النّاس، لأنّ هناك موقعاً قد يثبّته الرّفق ولا يستطيع العنف أن يثبّته، كما أنّ هناك فريقاً من النّاس لا تنفتح قلوبهم إلا للكلمة الهادئة العاقلة، أو للفكرة الموضوعيّة المتّزنة في ما يأخذون به من هدوء الجوّ وموضوعيّة الفكرة...

ويضيفون إلى ذلك، أنّ الإسلام اعتبر الرّفق أساساً للأسلوب وللحركة، إلا إذا اضطرّ الإنسان إلى العنف، وهذا ما جاء به الحديث النّبويّ المأثور: "إنّ الرّفق ما وُضع على شيء إلا زانه، وما رُفع عن شيء إلا شانه"، و"إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق، وإنّه يعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف"، ويؤكّدون أنَّ الثوريّة لا تعني القسوة في الكلمة والعنف في الأسلوب، بل تقتضي توفير العناصر الضروريّة التي تساهم في تغيير الفكرة والموقف، بالأسلوب الحكيم الّذي يدرس كلّ الشّروط الموضوعيّة في الحياة والإنسان، ما يحقّق النّتيجة الحاسمة في ذلك كلّه.

الثورية لا تعني القسوة في الكلمة والعنف في الأسلوب، بل توفير العناصر التي تساهم في تغيير الفكرة بالأسلوب الحكيم

مرض التعصّب الأعمى:

وإذ يحاول سماحة السيّد(ره) دائماً الإشارة إلى السلبيّات والأمراض التي تعاني منها حركات الصّحوة ونخبها، محاولاً تقديم علاجات فكريَّة ومفاهيميَّة عمليَّة لها، لا ينسى التّركيز والتّصويب مجدّداً على أهمّ تلك الأمراض في معظم خطبه ومحاضراته وكتبه الكثيرة، وهو سيطرة مرض التعصّب الأعمى على الكثير من النّخب والتيّارات الإسلاميّة، وادّعاؤها القبض على ناصية الحقّ المقدّس دون غيرها...

ويطرح سماحته هذا المرض المقيم في داخلنا من منظور شرقيّ عام، مُظهراً أنَّ مشكلتنا في هذا الشّرق، وفي العالم العربيّ تحديداً، أنّنا نُتقن خطاب الأزمة والتعصّب، ولا نُتقن خطاب الوعي والعقلانيّة المنفتحة في كلّ ما نفكّر فيه، وأنّنا نحدّق بأنفسنا قبل التّحديق بالآخر، وأنّنا نحاول من خلال هذا الخطاب الدّينيّ أو الثّقافيّ أو السياسيّ أو الاجتماعيّ، الاستماع إلى صداه في داخلنا لا في الآخر، وبهذا كففنا عن أن يفهمنا الآخر لأنّنا لسنا معنيّين به...

إنَّنا في عالمنا العربيّ نعيش تنوّع الفكر الدّيني والعلمانيّ والقوميّ، وكما أنَّ هناك تمذهباً يصل إلى حدِّ العصبيَّة في الدّين، ففي العلمانيَّة تمذهبٌ قد يصل إلى حدّ العصبيَّة في الانتماء، لأنَّ قضيَّة العصبيَّة في هذا الشّرق ليست قضيَّة خصوصيَّة الدّين في إنتاج العصبيَّة في الإنسان، وإنما هي قضيَّة الإنسان الّذي يعيش الانفعال والغرائزيَّة، ويتحرَّك من خلال كثير من مفردات التخلّف، وهو ما يُنتج العصبيّة والحقد...

من هنا تنطلق العصبيّة ـ كما يحدّدها السيّد فضل الله ـ من حالة الضّعف الثّقافي الدّينيّ والسياسيّ والعلمانيّ العربيّ والإسلاميّ، لأنّ من يملك زمام الفكر الّذي يؤمن به، لا يخاف من أن يعطي الحريّة للآخر... فالّذين يصادرون الحريّة هم الخائفون من أن تُصادِر الحريّة تخلّفهم وضعفهم وتردّدهم...

ولا يغفل السيّد ـ في هذا المجال ـ عن أهميّة الدّور الّذي يلعبه الاستكبار العالميّ من خلال فرض نفسه علينا، حيث رتّب لنا عصور التخلّف والتّراجع ـ وساهم الكثيرون معه في ذلك ـ وأراد لهذا التخلّف أن يعيش بطريقةٍ مدنيّةٍ لا تحمل أيّ عمق للمدنيّة، ولكن فيها صباغها، وقد بذر فينا فتنة ليؤكّد العصبيّة العشائريّة والدّينيّة والمذهبيّة والحزبيّة، وبدأنا نندفع إلى داخل ذواتنا ليعيش كلّ منّا عصبيَّة الذّات...

مشكلتنا أننا نُتقن خطاب التعصب، لا خطاب الوعي والعقلانية، وأننا نحدّق بأنفسنا قبل التحديق بالآخر

أهميّة الخطاب الموضوعيّ:

فالمشكلة إذاً ـ كما يعيها سماحته ـ هي مشكلة التّخاطب والحوار، حيث إنّه عندما نواجه التحدّيات الحاليّة المثارة في العالم، أو تلك الّتي يمكن أن تحدث في المستقبل، والّتي تحاول إلغاء هويّتنا باسم العولمة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات، وتصادر كلّ مفاصل حياتنا بمختلف الوسائل الّتي تريد جعلنا هامشاً سياسيّاً من هوامش سياستها، وهامشاً اقتصاديّاً على هامش اقتصادها، وكذلك هامشاً أمنيّاً من هوامش أمنها، فلا بدّ لنا من التّفكير: كيف نخاطِب العالم؟ وقبل ذلك، كيف نخاطب بعضنا بعضاً؟

وبما أنّنا نفتقد ـ كعرب ومسلمين ـ إلى أسلوب التّخاطب الموضوعيّ، فقد تحرّكت ـ كما يقول سماحة السيّد ـ كلّ العصبيات الذاتيَّة (الدينيّة وغير الدينيّة)، لتَفْتِنَنا مذهبياً وسياسياً وحزبياً وطائفياً وعلمانياً، فنتمزّق ونتناحر ونتنابذ...

إنَّ الخطاب الإسلاميّ وخطاب مجمل التيّارات المعاصرة الأخرى، هو الخطاب الّذي يجب أن نوسِّع آفاقه ليشمل خطاب الإنسان للإنسان، فإسلامك هو عيشٌ للإنسانيّة فيه، لأنَّ هذه الإنسانيَّة هي صورة داخلنا، وصورة عقلنا المفكّر، وقلبنا النّابض في الذات، وطاقتنا المتفجِّرة في الواقع...

إنّ المشكلة الآن هي في إدخال كلّ هذا الكمّ المتراكم من الانفعالات والغرائز في فكرنا وعملنا، والابتعاد عن إعطاء العقل والفكر أيّ دور في تنظيم الخلاف وضبط الانفعال والغريزة، لأنّ الفكر هو الّذي يُعقلِن الغريزة من دون أن يخضع لها، فإذا كان الخطاب ليكون الاثنان واحداً، وإذا كانت التعددية في ما هو الجسم الواحد المتعدّد والفكر الموحّد والعاطفة والطاقة الموحدة، فلماذا لا نتخاطب حتّى نكتشف الموضوعيّة في عناصر الفكرة لنفهمها وندرسها.. لأنّ قضيّة الحوار ليست لتسجيل النّقاط، وإنما هي طريقة البحث عن الحقيقة والوصول إليها...

*كاتب سوري

المقالات المنشورة في هذا الباب لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع
أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: