نسخة للطباعة

أرشيف مختارات منوعة

خصوصيّة شهر رمضان

التاريخ: 9 رمضان 1433 هـ  الموافق: 28/07/2012 م

الشّيخ حسين المصطفى

لخصوصيّة الزّمان انفتاحٌ حركيٌّ خاصّ في وعي الصّائم ونفسه، ما يضفي جوّاً من التحوّلات النفسيّة والخارجيّة بصورة واضحة وجليّة على الفرد والمجتمع، فكان شهر رمضان زماناً قدسيّاً يحمل من الخصائص المعنويّة ما لا تحتمله عقول البشر.

يقول الإمام زين العابدين(ع): "اللّهمّ وأنت جعلت من صفايا تلك الوظائف، وخصائص تلك الفروض، شهرَ رمضان الّذي اختصصته من سائر الشّهور، وتخيّرته من جميع الأزمنة والدّهور، وآثرته على كلّ أوقات السّنة بما أنزلت فيه من القرآن والنّور، وضاعفت فيه من الإيمان، وفرضت فيه من الصّيام...، ثم آثرتنا به على سائر الأمم، واصطفيتنا بفضله دون أهل الملل، فصمنا بأمرك نهاره، وقمنا بعونك ليله".

وفي شهر رمضان، تتعانق الرّحمات والألطاف الإلهيّة، وتغلّ مردة الشّياطين عن أن يستجاب لها.

يقول الإمام الباقر(ع): "كان رسول اللهص)يقبل بوجهه إلى النّاس، فيقول: يا معشر النّاس، إذا طلع هلال شهر رمضان، غلّت مردة الشياطين، وفتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان، وأبواب الرحمة، وغلّقت أبواب النار، واستجيب الدعاء، وكان لله فيه عند كل فطر عتقاء يعتقهم الله من النار، وينادي مناد كلّ ليلة: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ اللّهمّ أعط كلّ منفق خلفاً، وأعط كلّ ممسك تلفاً، حتى إذا طلع هلال شوال، نُودي المؤمنون أن اغدوا إلى جوائزكم فهو يوم الجائزة". وهو تصديق للحديث القدسيّ: "الصّوم لي وأنا أجزي به".

يقول الشّيخ محمد تقي المجلسي(قده): "وأمّا قوله: "وأنا أجزي به"، بالمعلوم كما هو المشهور، لبيان كثرة الجزاء، لأنّه تعالى إذا أخبر بأنّه يتولّى بنفسه جزاءه، فبالحريّ أن يكون جزاؤه لا يتناهى، وتقديم الضّمير للتّخصيص كما هو الظّاهر، أي أجازيه به ولا أكِلُهُ إلى ملائكتي".

وإذا ما أردنا أن نتلمّس الإخلاص عمليّاً لنفهم قيم الصوم، علينا أن نجيب عن هذا السؤال المهم: كيف يتصوّر الناس الصّوم؟

تتباين آراء الناس بخصوص غرض الصّوم:

هناك مجموعات تقول إنّ الله عزّ وجلّ فرض علينا الصوم لكي نشعر بالفقراء وما يعانونه من جوع وحرمان!! ونسي هؤلاء أنّ العطف على الفقراء والمساكين لا يتولّد من الإحساس بالجوع، بل من الخُلق الكريم.

والدّليل على ذلك: أنّ كثيرين ممن اعتادوا الصّوم، لا يبالون في صومهم بهؤلاء أو أولئك، وإن تصدّقوا عليهم أحياناً أثناء الصّوم، فقلّما يبالون بهم بعد انتهائه. فضلاً عن أنّه لو كان الغرض من الصّوم هو الإحساس بالجوع، لما كان للفقراء أن يصوموا أبداً، لأنّهم يحسّون به في كلّ يوم، فالله سبحانه وتعالى فرض الصّوم على الأغنياء كما فرضه على الفقراء الّذين لا حاجة لهم لأن يشعروا بأنفسهم.

1- وبعض النّاس يقولون إنّنا نصوم حفاظاً على مظاهرنا الدينيّة لدى أصدقائنا الصائمين. ونسي هؤلاء أنّ الصوم لهذا الغرض لا يُعتبر فضلاً في نظر الله، بل هو رياء وتظاهر بغير الحقيقة.

2- ويقول فريق آخر إنّ الله سبحانه وتعالى فرض علينا الصّيام ليغفر لنا ما تقدّم من ذنوبنا، ولكنّ هذا الرّأي غير صحيح، لأنّه لو كان الله سبحانه يغفر ذنوب الإنسان بسبب صيامه أو حسناته، لأصبح الغفران استحقاقاً مفروضاً على الله، وليس رحمةً وتكرّماً منه.

3-  وفريق من النّاس يقول إنّنا ننتهز فرصة الصّيام، فلا نسرق ولا نغشّ ولا نكذب.

ويظنّ أصحاب هذا الرّأي أنّهم بهذا ذوو فضيلة، ونسي هؤلاء أنّ الله سبحانه لا يرضى بالذّنب والشرّ في كلّ شهور السنة، وليس في وقت الصيام فقط.

4- وهناك من يقولون إنّنا نصوم لنقضي على أهوائنا وشهواتنا. وهؤلاء النّاس وإن كانوا أفضل كثيراً ممن جاء ذكرهم سابقاً، إلا أنّهم نسوا أنّ الميل إلى الخطيئة ليس كامناً في الجسد حتّى يتمكن الارتقاء فوق هذا الميل بالصّوم، بل إنّ الميل إلى الخطيئة يقبع داخل النّفس، بدليل أنّ يد السّارق الّذي يصوم كثيراً، لا تختلف في تركيبها الجسماني عن يد الأمين الّذي لا يصوم على الإطلاق. إنّما الفرق بينهما، هو أنّ نفس الثاني أمينة، ومن ثم توحي إليه بمراعاة الأمانة، ونفس الثاني شرّيرة، ومن ثم توحي إليه بالسّرقة. هذا فضلاً عن أنّ كثيراً من الصّائمين، وإن كانوا لا يفعلون في الظاهر الخطايا التي اعتادوا عليها، إلا أنّهم في أثناء صومهم قد يشتهونها ويفكّرون فيها ويتحدّثون عنها.

وبناءً على كلّ هذا، فليس كلّ صوم مقبولاً عند الله، فهناك أصوام باطلة لا تعتبر في الحقيقة أصواماً، وهي مرفوضة تماماً من الله. فكيف يقبل الله عزّ وجلّ صوماً سيهدف الصّائم من ورائه كسب مديح النّاس وإطرائهم؟!

يقول الرّسول(ص): "أفضل الأعمال في هذا الشّهر، الورع عن محارم الله".

ويقول عليّ(ع): "صيام القلب عن الفكر في الآثام، أفضل من صيام البطن عن الطّعام".

وقال(ع): "صوم النّفس عن لذّات الدنيا أنفع الصّيام".

وقال(ع): "صوم النّفس إمساك الحواسّ الخمس عن سائر المآثم، وخلوّ القلب عن جميع أسباب الشّر".

وقال الصّادق(ع): "سمع رسول الله(ص)امرأة تسبّ جاريةً لها وهي صائمة، فدعا رسول الله(ص)بطعام، فقال لها: كلي.

فقالت: إنّي صائمة.

فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إنّ الصّوم ليس من الطّعام والشّراب فقط".

فكيف يقبل الله سبحانه صوماً يكون غرضه التّباهي والافتخار؟ أو كيف يقبل الله صوماً غير مقترن بالتّوبة عن الذّنوب؟!

إنّ الله سبحانه وتعالى يريد القلب النّقيّ أكثر مما يريد المعدة الخاوية والجسد الجائع!! فالإنسان الّذي يصوم فمه عن الطّعام، ولا يصوم قلبه عن الخطايا والشّرور، ولا يصوم لسانه عن الأباطيل... فإنّ صومه باطل. إنّ منع النّفس عن الطّعام، لا بدّ من أن يمتدّ إلى أن يصير منعاً عاماً عن كلّ ما يغضب الله.

إنّ الصّوم هو علاقة عباديّة روحيّة بين الإنسان وربّه، وهذه العبادة يجب أن لا تمارس تحت ضغوط ونظم معيّنة، بل يجب أن تكون بإرادة القلب وشوق الرّوح، فالصّوم عامل مهمّ من عوامل تعميق الشّركة الرّوحيّة مع الله، ففيه يتّجه الإنسان نحو الله، فيقلّل من الرّوابط التي تربطه بالأرض، ويضبط عناصر طبيعته نحو السّماء، فيأخذ نعمة تساعده على التقدّم في الطّريق الروحيّ .

إنّ الصّوم هو فترة حبّ لله سبحانه والتصاق به، وبسبب هذا الحبّ، يرتفع الصّائم عن مستوى الجسد ليسمو بالرّوح، ويرتفع عن الأرضيّات ليرقى إلى السمائيّات.

ومتى كان الصّوم بهذا الشّكل، تصير فيه علاقة الإنسان بخالقه علاقة عميقة وحميمة، إن كان هذا الصّوم مقبولاً عند الله.

ولكي يكون الصّوم مقبولاً لدى الله، على الصّائم ألا يفتخر بصومه، أو يتحدّث للنّاس عنه، بل أن يغسل وجهه، ويمشّط شعره، حتّى لا يظهر للنّاس صائماً، والله الّذي في السّماوات هو الّذي سيكافئه.

والصّوم المقبول عند الله هو الصّوم المقترن بالتّوبة، فالأشرار الذين يكتفون من الصّوم بالامتناع عن الطّعام والشّراب، يخاطبهم الله سبحانه ـ كما جاء على لسان حبيبه (ص) ـ "لو صلّيتم حتّى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتّى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله منكم إلاّ بورع".

أليس الصّوم الّذي تختاره يكون في فَكِّ قيود الشّرّ وحلِّ عقد نير الذلّ والاستعباد وإطلاق سراح المتضايقين وتحطيم كلّ نير؟

ألا يكون في مشاطرة زادك مع الجائع، وإيواء الفقير المتشرّد، وكسوة العريان الّذي تلتقي، وعدم التّغاضي عن قريبك البائس؟

إنّ الله سبحانه يهمّه في الدّرجة الأولى محاربة الفساد، وترسيخ قيم الحبّ والعدل، ومساعدة الفقراء المحتاجين. وما أروع أن يكون الصّوم صوماً للّسان عن التفوّه بالأكاذيب وكلام السّفاهة، وصوماً لليد عن أخذ الرّشوة أو السّرقة من مال وممتلكات الغير، وصوماً للعين عن النّظرات الشرّيرة الشهوانيّة، وصوماً عن الأنانيّة وحبّ الذّات.. هذا الصّوم بما فيه من ضبط وكبح لجماح شهوات الجسد، وبما فيه من توبة قلبيّة حقيقيّة، يكون مقبولاً عند الله.

وكما قال عليّ(ع) ـ مناظراً بين صوم الجسد وصوم النّفس ـ: "صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة واختيار، خوفاً من العقاب، ورغبةً في الثواب والأجر، وصوم النّفس إمساك الحواسّ الخمس عن سائر المآثم، وخلوّ القلب من أسباب الشّرّ".

ويقول حفيده زين العابدين(ع): "وأعنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك".

المصدر: موقع الشّيخ حسين المصطفى

المقالات المنشورة في هذا الباب لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع
أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: