أصدر سماحة العلامة المرجع،
السيد محمد حسين فضل الله، بياناً علّق فيه على نتائج الانتخابات التركية
الأخيرة.
وقد جاء فيه:
إنّ ما حدث في تركيا أخيراً، والذي توج بفوز حزب
العدالة والتنمية في الانتخابات التركية، يمثل محطة سياسية ينبغي التوقف
عندها ودراستها من جميع المعنيين وبالأخص منهم الحركات والأحزاب الإسلامية،
إضافة إلى الدوائر الغربية، التي لا تزال تتعامل مع المسلمين ككتلة بشرية
متناقضة في الشكل والمضمون مع الحضارة الغربية، متجاهلين أن هناك بين
العلمانيين من يرى في العلمانية شيئاً مقدسّاً يشبه مقدسات المتدينين
ويتعامل بالطريقة نفسها في رفض انتقادها لأنّه يرى في ذلك تهديماً للنظام،
ولذلك بات الجيش عنده هو الذي يحمي النظام بدلاً من الشعب.
لقد تعاملت دول الاتحاد الأوروبي، وحتى المواقع
الدينية الكاثوليكية مع تركيا، على أساسٍ من العصبية التي ترفض التعاون
الجدي أو أيّ نوعٍ من أنواع الاندماج مع الآخر لا لشيء إلا لكونه يحمل
الهوية الإسلامية في تمرد حتى على المبادئ العلمانية الغربية، وفي استحضار
للتاريخ بطريقة عصبية تذوب فيها عناصر التسامح الديني وعناوين العدالة
والمساواة لمصلحة العناوين الذاتية التي قد تحمل مفردات سياسية أو
اقتصادية، ولكنّها تحمل في طياتها عقدة من الإسلام بالذات، ولذلك بقي
الحديث عن انضمام تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي في نطاق السجال الذي
سيبقى حاضراً في كل الأوقات لأنّ المسألة تتصل بنمط جديد يخشى الأوروبيون،
كما تخشى دوائرهم الدينية، منه بعيداً من كل الحسابات الإنسانية وعن مفردات
الديمقراطية الغربية التي تؤكد أهمية التنوّع الإنساني في إغناء عملية
التطور الحضاري.
إن التجربة التركية الجديدة تطلق أكثر من إشارة
ينبغي التقاطها في الخارج، وخصوصاً في الدوائر الغربية والأوروبية بالذات،
بأن المسلمين ليسوا "بعبعاً" مخيفاً في أفكارهم وتوجهاتهم، وأنه يمكن أن
يدلوا بأصواتهم لأحزاب إسلامية منفتحة لا تبتعد في حركتها السياسية
والثقافية والاجتماعية عن مناخ الحريات الإنسانية المنفتحة على القيم
الإنسانية، كما هو الأمر في الغرب نفسه، ولا تلجأ إلى العنف كوسيلة من
وسائل العمل السياسي... وهو الأمر الذي ينبغي أن تدرسه هذه الدوائر الغربية
بعناية ووعي، ولا سيما منها تلك التي تضع المسلمين جميعاً في خانة واحدة
وتصنفهم كإرهابيين حاليين أو محتملين، مع أننا نشهد أنماطاً من الإرهاب عند
الغربيين أنفسهم لا يُصار إلى تصنيفها دينياً، إضافة إلى إرهاب الدولة الذي
يتجلى في حركة بعض الدول في دعمها للإرهاب الإسرائيلي.
كما أن هذه التجربة تمثّل رسالة للأحزاب والحركات
والجماعات الإسلامية التي لا تؤمن بغير العنف كوسيلة أساسية للوصول إلى
السلطة، والتي ينطلق منظرّوها في تمجيد العنف الدامي والدفاع عنه كأسلوب
وحيد من أساليب التغيير في المشهد السياسي على المستوى العالمي أو حتى على
المستوى الإسلامي... ومفاد هذه الرسالة، بأنّ الشعب يمكن أن يختار الأحزاب
الإسلامية وأن يعطيها أصواته من خلال ثقته بخبرتها وإخلاصها، وأن عنصر
الكفاءة السياسية والاقتصادية يمكن أن يكون دافعاً حاسماً لتحقيق الهدف
السياسي وحتى الثقافي والفكري، وهو ما تجلى في شكل واضح في الانتخابات
التركية الأخيرة.
إنّنا في الوقت الذي نقدّر لحزب العدالة والتنمية
هذا النجاح في إطار تقويمنا للخصوصية التركية، نريد للأحزاب والحركات ذات
التوجه الإسلامي أن تستفيد من هذه التجربة سواء من خلال تحريك العناوين
السياسية والاقتصادية في الخطاب بطريقة واقعية وحيوية، أو من خلال قراءة
الظروف المحلية والخارجية التي تحيط بهذه التجربة الانتخابية أو تلك
التجربة السياسية والتعامل معها بواقعية وبروح علمية موضوعية بعيداً من كل
أساليب التشنج والانفعال وما يفرضه هذا الالتزام من تبعات فكرية وثقافية
وما إلى ذلك.
ونريد للدوائر السياسية الغربية أن تخرج من شرنقة
التصعب، ومن النظرة التاريخية المعقدة إلى مناخات الحوار التي من شأنها أن
ترسي أسساً من التفاهم الحقيقي في العالم الإسلامي بدوله وشعوبه وأحزابه من
خلال قراءة متأنية للمشهد التركي وتداعياته على المستوى الإسلامي وعلى
مستوى المنطقة والعالم.
مكتب سماحة آية الله العظمى
السيد محمد حسين
فضل الله
التاريخ:
15 رجب 1428هـ
الموافق: 30 / 7 /
2007م