جريدة بينّات / ارشيف آخر الكلام

 

 العدد 292 / آخر الكلام

مؤتمر الأديان لحلّ مشكلة "الكيان"!

السيد جعفر فضل الله

وأخيراً تحرّك مؤتمر حوار الأديان في الأمم المتّحدة بانطلاقة عربيّة إسلاميّة تمتلك رمزيّة فائقة في الوجدان الإسلامي العامّ، وقد دُعي إلى المؤتمر رمز العنصريّة والقتل والتدمير والإبادة الجماعيّة والاغتصاب للأرض والمقدّسات الإسلاميّة، وهم قادة كيان العدوّ الصهيونيّ، بحيث ضمّت قاعة هذا المؤتمر الحواري كلاًّ من القاتل والمقتول، والجلاد والضحايا الحاليّين والمستقبليّن،  وعنوان المؤتمر هو حوار الأديان، ومن يُمكنه أن يتهرّب من الحوار بين الأديان؟!

المشكلة أنّ ثمّة خللاً في البنية والذهنيّة والمنطق الذي يحكم العالم اليوم.

أوّلاً: ليست المشكلة التي تعصف بالعالم اليوم هي مشكلة أديان متصارعة، حتّى يُعقد لها مؤتمر يقحم المتصارعين في حوارٍ دينيّ، بل المشكلة هي مشكلة اتّخاذ الدِّين ذريعة لممارسات لا تخضع لأدنى قيمة دينيّة أو أخلاقيّة، ولن يكون هذا المؤتمر سوى جزءٍ من هذا المسار الاستغلالي للدِّين لتغطية أهداف واضحة للحصول على ورقة اعتراف بالكيان الغاصب من قبل العرب والمسلمين وباسم الدِّين أيضاً؛ وعندما ينطلق العالم على أساس دينيّ، فيُمكن أن يكون المؤتمر أساساً للحل؛ وهل يقبل الصهاينة تطبيق الوصاي العشر التي أتت بها الأديان، ولا سيّما التوراة، فيخرجوا من فلسطين كلّها؛ لأنّ من بين التعاليم: لا تسرق، والاغتصاب أعلى مراتبها، وفيها: لا تقتل، ولسنا ندري هل يُمكن عدّ القتلى الذين قتلتهم آلة الإبادة الصهيونية منذ احتلال فلسطين وما قبلها إلى يومنا هذا؟!

ثانياً: لقد أطلق القُرآن الكريم الأساس الإنسانيّ للحوار، وذلك في قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم)؛ فاستثنى الظالمين من الحوار؛ لا لأنّ الإسلام لا يؤمن به، بل لأنّ الظالم لا يحاوِر، ولا يُحاوَر؛ لأنّه يتحرّك من موقع الاستكبار الذي يتنوّع بتنوّع مجالات الاحتكاك بالإنسان، ليكون استكباراً سياسياً وثقافيّاً وعنصريّاً وما إلى ذلك، ممّا يُبعد الذات عن أن تكون في موقع الحوار، ويدخلها في موقع الاستغلال للحوار للوصول إلى أهدافٍ أخرى تؤمّن استمراريّة الحالة الاستكباريّة وحالة الجور والظلم والطغيان. ودعوة الكيان الإسرائيلي الغاصب تندرج في هذا الإطار؛ كيف والظُلم واضحٌ وسافرٌ ومستمرٌّ باستمرار الاحتلال، فضلاً عن ممارساته وارتكباته وفظائعه.

ثالثاً: يبدو أنّ ما أطلقه الرئيس الأمريكي البائد، جورج بوش، حول يهوديّة الكيان الغاصب، قد تحوّل ـ في الدوائر المعنيّة بالقرار الدولي ومساراته ـ إلى خطط عمل تعمل على تكريسه، تمثّل مثل هذه المؤتمرات الحقول العمليّة لتأكيد الهويّة اليهوديّة لكل حركة السياسة الصهيونيّة الإسرائيلية ورموزها، في الوقت الذي لم يُنشئ الكيان سوى مجموعة من الملحدين البعيدين عن الدِّين، فضلاً عن كون إنشائه اصطداماً ببديهيّات الدِّين نفسه، كونه تشريعاً للظُلم والجور والطغيان والقتل والتدمير والتشريد، ومساره سحقاً لأيّ قيمٍ دينية وأخلاقيّة تحكم حركة الإنسان في هذا العالم.. والذي يهوّن الخطب هنا أن اليهوديّة ـ بواقعها الحالي المحرّف ـ قد ذهبت بعيداً في حالة الاستكبار، حتّى جعلت ما عدا اليهود خدّاماً لعنصرهم، وحشراتٍ وأفاعي لا بدّ من تخليص البشريّة منها، وهذا أيضاً مسوّغ آخر لا بدّ أن يدفع لرفض الحوار مع مثل هؤلاء؛ لأنّه ليس من أرضٍ إنسانيّة مشتركة، فكيف يُجعلون طرفاً في حوارٍ إنسانيّ، وليس من قيمٍ دينية مشتركة، فكيف يُجعلون طرفاً في حوارٍ ديني؟!