| الوسوسة بين العلم والدين 1/2 |
الشَّيخ حسين الخشن
|
تعتبر الوسوسة واحدة من الأمراض الخطيرة المنتشرة في مختلف الأوساط والشَّرائح الاجتماعيَّة، وهي ليست بالأمر الجديد، بل عرفها الإنسان منذ القدم، إلاّ أنّ تعقيدات الحياة وصعوباتها، زادت وتزيد هذا المرض انتشاراً. ومع أنَّ المترقب والمتوقَّع أن يكون المجتمع الإيماني أقلّ ابتلاء بهذا المرض، لأنّ الإيمان ينبغي أن يكون عامل اطمئنان ومساعداً على الاتزان، فإذا بنا نلاحظ أنّ هذا المجتمع ليس محصناً ضدَّ الوسوسة، بل إنَّه موئل وموطن مثالي لأشكالٍ خاصّةٍ وإضافيّةٍ من الوساوس الَّتي لا توجد في غيره من المجتمعات! |
الوسوسة من الأمراض الخطيرة المنتشرة في مختلف الأوساط الاجتماعيَّة، وهي ليست بالأمر الجديد، لكن تعقيدات الحياة، زادتها انتشاراً |
كيفيَّة التّعاطي مع المشكلة:
والسؤال: كيف نتعاطى مع الوسوسة؟ هل نتعامل معها باعتبارها مشكلة نفسيَّة سيكولوجيَّة، أم باعتبارها مشكلة روحيَّة سببها الشيطان؟ وبالتالي، هل المرجع فيها إلى الأطباء أو إلى علماء الدين؟ أو إلى الاثنين معاً؟ وما هي المساحة الَّتي يُرجع فيها إلى الدّين، وتلك الَّتي يُرجع فيها إلى أهل الاختصاص؟
إنّ تحديد طبيعة المشكلة وهويَّة انتمائها، نفسيَّة كانت أو دينيَّة أو اجتماعيَّة، هو المدخل الطبيعي لعلاجها، ولا شكَّ في أنَّ إحدى مؤشرات التخلّف ـ عند شعب من الشّعوب ـ هي في ضياع الحدود الفاصلة بين التخصّصات المتعدِّدة والمختلفة، ما يخلق حالةً من التخبط والإرباك على هذا الصَّعيد، حيث يرجع في قضايا الدّين إلى غير أهله، ويستفتى من ليس أهلاً للفتيا، ويرجع في قضايا الفلك أو الطِّب أو الإدارة إلى الفقيه أو رجل الدين، وكأنَّه يراد للدّين أن يكون علاجاً سحرياً لكلِّ الأمراض العضويَّة والنفسيَّة والمشاكل الاجتماعيَّة وغيرها، مع أنَّ الكثير منها تنتمي إلى علوم أو تخصّصات أخرى، الأمر الَّذي أدّى مع الوقت إلى نشوء جماعة على هامش الدّين تستغل المشاعر الإنسانيَّة وتعتاش على وجع الناس وآلامهم، في عمليَّة إتجار رخيصة بالدّين وقيمه السّامية.
إنّ هذا لا يعني إطلاقاً أنَّ الدين ليس له دور محوري في حلِّ هذه المشكلات، أو أنها ـ أي المشكلات ـ لا تمتلك بعداً دينياً وشرعياً، إلا أنَّ المفترض منهجياً أن نحدِّد طبيعة المشكلة، وإلى أيِّ علم أو حقل تخصّصي تنتمي، لنعرف إلى أين علينا أن نتَّجه في بادئ الأمر في علاجها، ولا مانع أن نفتش بعد ذلك عمّن يمكن أن يساعد في العلاج أو يسهم فيه.
|
الوسواس القهري في ميزان علم النفس :
ينظر أهل الاختصاص من علماء النَّفس إلى الوسواس القهري باعتباره حالة مرضيَّة، حيث تسيطر على الإنسان موجة من الشّكوك الكثيرة أو الأوهام المتسرعة أو الاعتقادات، ويبدو ـ في نظر هؤلاء ـ أنَّ العقل قد التصق بفكرةٍ معينةٍ أو دافع ما، وأنّه لا يريد أن يترك هذه الفكرة أو هذا الدافع، وقد كان هذا المرض يُصنّف في دائرة الأمراض غير القابلة للعلاج، ما جعل الكثيرين من الناس المصابين به يعيشون في معاناةٍ شديدةٍ أوصلت بعضهم إلى مرحلةٍ متقدّمةٍ من الاكتئاب أو الانتحار.. إلاّ أن العلم الحديث قد خطا خطوات هامة على صعيد معالجة هذا المرض. |
يعتبر علم النفس الوسواس القهري مرضاً متعلّقاً بالمخ، يتطلَّب علاجه تغيرات معيَّنة في السلوك |
ولا يجد علم النَّفس سبباً محدداً لمرض الوسواس القهري، لكنَّه يعتبره مرضاً طبياً مرتبطاً بالمخ، وتشير الأبحاث إلى أنّ هذا المرض يتضمَّن مشكلات في الاتصال بين الجزء الأمامي من المخ (المسؤول عن الاحساس بالخوف والخطر)، والتركيبات الأكثر عمقاً للدماغ (العقد العصبيَّة القاعديَّة الَّتي تتحكَّم في قدرة المرء على البدء والتوقف عن الأفكار).
كما يرى علم النَّفس أنَّ العلاج الناجح لمرض الوسواس القهري كأيِّ مرض متعلّق بالمخ، يتطلَّب تغيرات معيَّنة في السلوك، كأن يقوم الإنسان بفعل الأشياء الَّتي يحبها ويستمتع بها فقط، وخلال فترة معيَّنة سوف يتعوَّد المخ ويدرك اللاشعور لدى الإنسان أنَّ تفريغ الطّاقة في الأشياء الَّتي يحبّها هي أفضل بكثير، وسوف يكون بإمكان الإنسان بسهولة أن يتخلَّص من هذا الوسواس، لأنَّه ببساطة يكون قد خرج من حالة الاكتئاب الَّتي دفعته للبحث عن هذا الوسواس، كما أنَّ هناك أدوية وعقاقير خاصَّة لها فعاليَّة في علاج حالات الوسواس القهري... (نقلاً عن ويكيبيديا الموسوعة الحرة بتصرف). هذه نظرة علم النَّفس إلى الوسواس، فما هو رأي الدين؟
أسبابه في الرؤية الدينيَّة:
بدايةً، لا بدَّ من أن نسجِّل تحفظاً على ما ذكره البعض من أنَّ الوسوسة قد تكون عقوبة بسبب ما صدر عن الشَّخص من مخالفات شرعيَّة، مستدلاً على رؤيته هذه بقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (موقع "ن" الإلكتروني/ مركز الفتوى)، فإنَّ هذا النَّمط من التَّفكير الَّذي يفسر الكوارث الطبيعيَّة والظَّواهر المرضيَّة تفسيراً غيبياً، يتجسَّد في نقمة السَّماء على أهل الأرض، ويغفل دور التَّفسير العلمي للكوارث والظواهر الكونيَّة، هو تفكير يعيق حركة البحث العلمي ويزهّد فيها، ويضعف همة الباحثين عن التطلّع إلى الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة أو تلك، الأمر الذي يُعدُّ أحد أسباب التأخر العلمي في المجتمعات التي تنتشر فيها هذه المعتقدات، على أنَّه لو صرفنا النَّظر عن هذه الملاحظة، فإنَّ ما ذكر لا يصلح تفسيراً عاماً للأمراض والوساوس أو الكوراث. صحيح أنَّ لبعض الذنوب آثاراً دنيوية معجّلة، كما نصَّت على ذلك بعض الأحاديث والأدعية، لكن ليس بالضَّرورة أن يكون العقاب الإلهي لمرتكبي الذَّنب مباشراً وبمنأى عن مبدأ العليَّة والسببيَّة الَّذي قامت عليه السّماوات والأرض.
أجل، إنّ ما نستطيع تأكيده هو أنَّ ما تواجه البشريَّة من مصائب ومعاناة، وما تتعرَّض له الطَّبيعة من كوراث، ليس الإنسان بمعزل عنها، بل هو في كثير من الأحيان مسؤول عن ذلك بسبب ما اقترفته يداه، وما جناه على نفسه وعلى المخلوقات الأخرى، وهذا ما ترمي إليه الآية المذكورة، فهي لا تريد القول: إنّ الله سبحانه عاقب العباد ـ مجازاة لهم ـ بالأمراض والزلزال ونحوها بسبب عصيانهم، وإنما هي بصدد القول: إنَّ ما يواجه الإنسان من ذلك كله، هو في نهاية المطاف من صنعه، ونتيجة طبيعيَّة لظلمه وسوء تصرفه واختياره.
|
منشأ الوسواس:
لكنَّنا ومع تحفّظنا على التَّفسير المتقدّم لمرض الوسوسة، لا يسعنا أن نرفض اعتبار الوسوسة كغيرها من الأمراض ابتلاء إلهياً للعباد، والابتلاء ليس بالضَّرورة أن يفسر باعتباره عقوبة إلهيَّة مباشرة للإنسان، بعيداً عن قانون الأسباب والمسببات، فالله سبحانه وتعالى يبتلي الإنسان ويختبره بكلّ ما يحدث في هذا الكون من كوارث أو يواجه الانسان من مصاعب ومحن، سواء أكانت من صنع الإنسان نفسه، أم كانت جارية وفق قانون السببيَّة، فالابتلاء ليس علَّة في عرض سائر العلل والأسباب، بل هو يأتي في طولها.
ومن هنا، فنحن لا نعتقد أنَّ للوسواس الَّذي يبتلى به المؤمنون أسباباً خاصّة متمايزة عن الأسباب العامّة للوسواس القهري، وإن كان للتّربية الدينيّة الخاطئة دور في تعميق حالات الوسوسة أو إيجاد حالات جديدة منها، كما سنشير لاحقاً. |
للتّربية الدينيّة الخاطئة دور في تعميق حالات الوسوسة أو إيجاد حالات جديدة منها |
أجل، هناك سبب وحيد يذكره الدّين كمنشأ من مناشئ الوساوس في المجالات الدينيَّة، هو الوسوسة الشيطانيَّة، ممّا نصّت عليه العديد من النّصوص القرآنية وغيرها، وهو سبب قد لا يستطيع العلم إثباته بوسائله وأدواته الطبيعيَّة، ولكنَّه أيضاً لا يملك إمكانيَّة نفيه، لأنّ النفي الّذي لا يعضده البرهان ولا ينهض عليه الدّليل هو رجم بالغيب، ونحن آمنا بهذا السّبب من أسباب الوسوسة، لأنَّ الوحي ـ وهو مصدر من مصادر المعرفة باعتقادنا ـ قد أثبته وأكَّده في عشرات الآيات غير القابلة للتأويل، إلا بضرب من التكلف وليِّ عنق النّص.
|