| المرور: مأساة مستمرة تحصد آلاف الضحايا |
نبــيل سرور*
تتزايد الحوادث المروريَّة الَّتي تشهدها المناطق اللبنانيَّة كافةً سنة بعد سنة، حتى باتت ظاهرة السَّيارات المصطدمة والجرحى والقتلى جراء حوادث السَّير، جزءاً من المشهد اليوميّ على طرقاتنا العامَّة وفي أحيائنا الداخليَّة، وظاهرةً يوميَّةً مألوفة، بحيث لم يعد بالإمكان مواجهة الكمِّ الكبير من الأضرار والإصابات الَّتي تطال السّائقين والمشاة على حدٍّ سواء.
|
ضحايا المأساة:
وما من شكٍّ في خطورة الأثر المعنوي والتَّداعيات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة الَّتي تطال مجتمعنا اللّبناني جراء هذه الحوادث المتزايدة بشكلٍ مخيفٍ على مختلف أراضي الوطن. ومن نافل القول إنَّ حوادث المرور الَّتي تشهدها غالبيَّة قرى لبنان ومدنه على الطّرقات الدوليَّة السَّريعة والداخليَّة، أصبحت أشبه بظاهرةٍ تزداد مساحتها اتساعاً عاماً تلو الآخر، حتَّى إنَّ سماع أخبار هذه الحوادث ومتابعتها على صفحات الجرائد المحليَّة بات أمراً مألوفاً وعادياً، ولا يستدعي الاستغراب أو الدَّهشة، وكأنَّ هناك واقعاً هو أقرب إلى التَّعايش معها، أو ما يشبه الاستسلام من إمكان السّعي من أجل خفض أعداد الضَّحايا. وحين نقول إنَّ هذه الحوادث باتت شبه يوميَّة وتزداد تواتراً، فليس ذلك إلا لأنَّ أرقام بعض المصادر أوضحت أنَّ عدد ضحايا حوادث المرور وصل إلى 700 قتيل سنوياً، إلى جانب آلاف المصابين (حوالى 6,700 مصاب)، والجرحى الَّذين يضطرون إلى التَّعايش مع عاهات وتشوهات (حوالى 4,000 جريح).
وإذا أجرينا عمليَّة حسابيَّة لأعداد الضحايا، فليس من الصَّعب الوصول إلى حقيقةٍ مأساويَّةٍ جوهريَّةٍ تقول إنَّ في كلِّ 12 ساعةً، حالة وفاةٍ ناجمة من حوادث الطّرق، وهذا الرقم يستلزم عدم التَّقليل من مخاطره، لأنَّه يتجاوز معايير الحوادث المروريَّة الدوليَّة، وحتى الأرقام الَّتي تأخذ بها المنظَّمات العالميَّة. |
كلِّ 12 ساعةً، تشهد حالة وفاةٍ ناجمة من حوادث الطّرق، وهذا الرقم يتجاوز بكثير، المعايير الدوليَّة |
| قد يقول البعض إنَّ ازدياد أعداد الضَّحايا وحوادث الطّرق يعود في جوهره وأسبابه إلى غياب الوعي المروريّ من جانب السّائقين من جهة، والاستسهال في منح رخص القيادة من جهةٍ ثانية. هذه الرؤية المبتورة قد تكون صحيحة وتصيب عين الحقيقة في بعض الحالات، لكنَّها أيضاً قد تكون خاطئة في حالات كثيرة، والمقصود من هذا الكلام أنَّ المعلومات الَّتي تنشرها المنابر الإعلاميَّة في متابعاتها الدَّؤوبة لحوادث المرور، تشير في غالبيتها إلى أنَّ غياب سلامة الطّرق وعدم توافر الشّروط الفنيَّة السَّليمة، كانت ولا تزال تشكِّل سبباً أساسياً في ازدياد هذه الحوادث، وعلى وجه التَّحديد على الطّرق الدوليَّة السَّريعة. |
غياب سلامة الطّرق وعدم توافر الشّروط الفنيَّة السَّليمة، سبب أساسي في ازدياد الحوادث |
سلامة الطرق:
ولهذا السَّبب، إذا كانت هناك نيات حسنة من جانب الجهات المعنيَّة، من أجل خفض أعداد هذه الكوارث البشريَّة، فذلك يستوجب أولاً الاعتراف بضرورة إعادة النَّظر في آليات تعبيد الطّرق العامَّة وشروطها، ومعالجة سوء تنفيذها، والسّعي إلى تخليصها من الحفر والمطبّات، مع إعادة دراسة تنفيذ العقد الطرقيَّة والمنعطفات، وخصوصاً على الطّرق الدوليَّة. ولعلَّ الأمر الأهم في هذا السّياق، أنَّه يتعيَّن بذل الجهود من أجل إعداد الخطط والدِّراسات الَّتي من شأنها توسيع مساحات الطرق الدوليَّة والداخليَّة بشكلٍ دائم، ذلك أنَّ هناك هوّةً كبيرةً اليوم ما بين أعداد السيارات الَّتي تدخل في الخدمة سنوياً، ومشاريع الطّرق الَّتي لم تعد تواكب هذه الأعداد ولا تفي بالحاجة، بل إنَّ بعض الطّرق المحدثة منذ عشرات السّنين، لا تزال تواجه رداءةً لجهة غياب الصِّيانة الدوريَّة، وتفتقد إلى الشّاخصات الإرشاديَّة واللَّوحات الطرقيَّة والإشارات الضوئيَّة، وسواها من مستلزمات السَّلامة المروريَّة.
الوعي المروري:
ويبقى الوعي المروري من العناوين الَّتي لا تقل شأناً وأهميَّةً عن سلامة الطّرق، ما يعني أنَّ قيادة أيّ سيارة، تستلزم السعي إلى تأهيل السّائقين تأهيلاً صحيحاً، وعدم منح إجازات القيادة بطرق وأساليب ملتوية قائمة على شراء ذمم البعض. وفي الحقيقة، إنَّ الأرقام المخيفة والمرعبة لأعداد ضحايا حوادث السَّير، باتت مؤرقة وتستدعي ليس فقط اتخاذ إجراءات وتدابير صارمة بحقِّ المخالفين من السّائقين، وإنَّما أيضاً العمل على خلق ثقافةٍ مروريَّةٍ مجتمعةٍ، تشارك في صوغها وزارة الداخليَّة بالتَّعاون والتَّنسيق مع وزارة التربية، بهدف إدخال بعض الحصص الدراسيَّة على المناهج التعلميَّة الَّتي تسبق الدِّراسة الجامعيَّة.
|
كذلك، لا بدَّ من تأكيد الدَّور الَّذي يجب أن تلعبه المؤسَّسة الوطنيَّة للضَّمان الإلزامي، وجمعيَّة شركات الضَّمان في لبنان (ACAL)، بالتَّعاون مع وزارة الاقتصاد والتّجارة اللبنانيَّة، في صياغة قرارات وأطر قانونيَّة وتشريعيَّة منظِّمة للقطاع التّأميني في لبنان، وتنظيم حملات إعلاميَّة وإعلانيَّة هادفة، للتَّنبيه من مخاطر عدم إجراء التأمين الإلزامي، وضرورة التقيّد بهذا الواجب حفاظاً على السَّلامة المروريَّة وسلامة المواطن الشّخصيَّة قبل كلِّ شيء.
مشكلة حوادث المرور ونتائجها الكارثيَّة، باتت أشبه بكرة الثّلج المتدحرجة الَّتي تكبر وتكبر، ولذلك، لا بدَّ من وقفها باتخاذ إجراءات وقائيّة، تحفظ أرواح شبابنا وأجيالنا وسلامتهم في مختلف مناطق الوطن العزيز، وإذا لم يأخذ كلُّ معنيٍّ بهذا الأمر دوره المطلوب في هذا المجال، وتحديداً المواطن والدَّولة والهيئات الضّامنة، فلنتوقَّع المزيد من مآسي الحوادث اليوميَّة، ما قد يخلق معاناةً إنسانيَّةً إضافيَّةً تزاد إلى سلسلة المعاناة الَّتي تضرب أوصال الوطن منذ سنوات طويلة. |
مشكلة حوادث المرور باتت أشبه بكرة الثّلج المتدحرجة الَّتي لا بدَّ من وقفها باتخاذ إجراءات وقائيّة، حفظاً لأرواح شبابنا وأجيالنا |
* رئيس مصلحة شؤون هيئات الضَّمان في وزارة الاقتصاد في لبنان، ومفوض الحكومة في المؤسَّسة الوطنيَّة للضَّمان الإلزامي.
|