أرشيف المقابلات

في مقابلة أجرتها معه صحيفة "الوفاق" الإيرانيّة:
السيّد فضل الله: تحرير فلسطين واجب.. وعلى الشّعوب أن تعي خطر الفتنة

التاريخ: 26 رمضان 1433 هـ  الموافق: 14/08/2012 م

أجرت صحيفة الوفاق الإيرانيّة مقابلةً مع سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، تمحورت عناوينها حول أهميّة انتصار المقاومة الإسلاميّة في لبنان في العام 2006، وتأثير الثورات وحركة الصحوة الإسلاميّة في القضيّة الفلسطينيّة، كما تطرّقت إلى أهميّة إقامة يوم القدس العالميّ، ودعوة الشّعوب العربيّة والإسلاميّة إلى وعي مخاطر الفتنة...

وهذا نصّ المقابلة:

انتصار المقاومة إنجاز تاريخيّ

س: كيف تقيّمون أهميّة انتصار المقاومة الإسلاميّة في لبنان العام 2006، ومن ثم انتصار المقاومة في فلسطين خلال حرب غزّة، وتأثير هذه الانتصارات في المقاومة، وكذلك في مستقبل الكيان الصّهيوني؟

ج: إننا نرى في انتصار المقاومة الإسلاميّة في لبنان والمقاومة في فلسطين، نقاطاً مضيئة في تاريخ الصّراع العربي الإسرائيلي، وعلامات فارقة في هذا المسار الطويل، وإذا كان بالإمكان الحديث عن انتصارات مميّزة في الصّراع التاريخيّ مع الصّهاينة، فإنّنا نعتبر ما قامت به المقاومة، من كسر لإرادة العدوّ، وقهر لجنوده، وتحطيم لأسطورته، هو من أهمّ الإنجازات الّتي تحقّقت بفضل المقاومة...

وما فعلته المقاومة في لبنان، قامت به بشكل وبآخر المقاومة الفلسطينيّة في غزّة، بحيث أثبتت بما لا يقبل الشك، أنّ مقاومة هذا العدوّ والانتصار عليه أمر يمكن تحقيقه، وبصورة ناصعة، إذا ما توفّرت الإرادة والاستعداد للمواجهة، والتّصميم على النّصر، وكلّ ذلك يستلزم، بالطّبع، الإيمان بالقضيّة الّتي من أجلها تخوض المقاومة حروبها الدّفاعيّة.

وهذه القضيّة في مسألة المقاومة، تتجاوز حدود القناعات العاديّة المتّصلة بتحرير الأرض فحسب، إلى الاعتقاد بضرورة كسر المشروع الصّهيونيّ برمّته في المنطقة، الّذي جاء من ضمن مشروع استعماريّ استكباريّ أراد أن يزرع في خاصرة الأمّة غدّة سرطانيّة تعيق تطوّرها ونماءها، أو عودتها إلى مكانتها كأمّة يُحسب لها حساب بين أمم العالم.

ونحن نعتقد أنّه للمرّة الأولى، تعترف إسرائيل من خلال لجنة "فينوغراد" وغيرها، بأنّها هُزمت أمام قوّة عربيّة ـ إسلاميّة، وللمرّة الأولى، تشعر بالعجز وبعدم القدرة على استكمال معركة بدأتها، وفي يقينها أنّها ستنهيها خلال أيّام، فإذا بها تتجاوز الشّهر ونيّفاً.

باختصار، إنّها المرّة الأولى ربما الّتي تشعر فيها إسرائيل بالخطر على مصيرها، وهذا يعني بالمنظور السياسي والعسكري والاستراتيجي، أنّه يمكن هزيمتها في أكثر من معركة، وهذا ما يجعلها تفكّر جدياً في أنها أمام خطر وجوديّ قد يطيح بها إذا ما توافرت الإرادات الصّادقة والتّصميم الجازم من العرب والمسلمين.. ولعلّ هذا من أهمّ ما ترتّب على انتصار المقاومة في العام 2006 من نتائج نوعيّة.

الثّورات والقضيّة الفلسطينيّة

س: نشهد هذه الأيّام ثورات وحركة صحوة إسلاميّة أطاحت بطغاة كانت لديهم علاقة مع الكيان الصّهيوني،كيف سيكون تأثير هذه الثّورات في القضيّة الفلسطينيّة؟

ج: لا شكّ في أنّ الثّورات العربيّة الّتي هي مزيج من صحوات إسلاميّة وصحوات شعبيّة، أحدثت تغييراً هائلاً في بنية النّظام العربي؛ هذا النّظام الذي كان يتعامل مع القضية الفلسطينية على قاعدتين؛ الأولى تتمثّل بعجز دول المواجهة عن خوض حرب كبرى ضدّ الكيان الصهيوني، والثّانية، تواطؤ قادة دول أخرى مع هذا الكيان، وهذا ما جعل الإرباك والارتياب سيّد الموقف، وحوّل المسألة من مسألة صراع عربيّ ـ صهيوني، إلى مسألة أكثر تعقيداً، دخلت فيها الدّول التي أقامت علاقات مع الكيان الصّهيونيّ، طرفاً مزعجاً في الصّراع، بل إنّها باتت تسعى إلى عرقلة العمل الممانع والمقاومة بكلّ السبل والإمكانات المتاحة، وأهمّها الاستخباراتيّة والإعلاميّة...

بعد نجاح الثورات العربية، يبدو الأمل معقوداً على القيادات الجديدة التي ستتناغم مع شعوبها في مسألة العداء للصهاينة، وستستجيب لتطلعاتهم بعزل هذا الكيان الغريب في المنطقة العربية والإسلامية، على أمل أن يأتي اليوم الذي تتّحد فيه هذه الدول في مواجهة العدو، تمهيداً لإنهاء هذا الكيان الغاصب، وعودة أهل فلسطين إلى أرضهم وديارهم، واستعادة حقوقهم الطبيعية البديهية في العيش بعزة وكرامة على أرض الآباء والأجداد.

يوم القدس

س: قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، دعا الإمام الخميني الراحل في نداء إلى مسلمي العالم، إلى إقامة يوم القدس العالمي في آخر جمعة من شهر رمضان. في رأيكم، ما هي أهمية إقامة مثل هذا الاحتفال السنوي الكبير وتأثيره في القضية الفلسطينية؟ وكيف تقيّمون تأثير الإمام الخميني الراحل وثورته الإسلامية ودورهما في إحياء القضية الأولى في العالم الاسلامي؟

ج: ليس سراً القول إن الإمام الخميني كان داعماً مبدئياً صلباً للقضية الفلسطينية قبل نجاح الثورة الإسلامية في إيران كما بعدها، وكان سماحته من المراجع القلائل الذين أفتوا بصرف الحقوق الشرعية لدعم المقاومة الفلسطينية، قبل أن تصبح القضية الفلسطينية أولى أولويات الجمهورية الإيرانية الإسلامية إبان الثورة وبعد نجاحها.

وإذا ما عدنا إلى تاريخ انتصار الثورة، نتذكر كيف طرد الإمام الخميني سفير الكيان الصهيوني من طهران، وقدّم سفارة إسرائيل هدية للشعب الفلسطيني، وكيف استقبل الإمام الخميني زعيم الثورة الفلسطينية آنذاك، ياسر عرفات، استقبال الأبطال، وكان الترحيب به على مختلف المواقع والمستويات الرسمية والشعبية في إيران الثورة.

وقد أراد الإمام أن يكرّس هذا الدعم والتأييد للثورة الفلسطينية وقضية فلسطين العادلة بأكثر من الدعم المادي، بل أراد لها يوماً يستمر باستمرار النضال والصراع مع الصهاينة، ولا يزول بزوال الأشخاص أو القيادات، لأنه سيتحول إلى مناسبة رمزية لقضية مركزية مقدسة، تتوارث الاحتفاء بها والتذاكر حول مضمون مناسبتها الأجيال، وتبقى بالتالي القضية الفلسطينية حية في قلوب الشعوب وعقولهم مهما طال الاحتلال.

إن الاحتفال السنوي بهذه المناسبة، يجسد الوفاء لهذه القضية، ويبقيها حيّة مشعة في آفاق تطلعات الأمة، وصولاً إلى تحرير هذه البقعة المقدسة، أو وضع الصهاينة في قلق وتوتر دائم، لأن هذا اليوم باستمراريته، يبقي الذكرى حية في وجدان الأمة، عبر إحيائها سنوياً، في الوقت الذي تجهد مع غيرها من دول الاستكبار لاقتلاع هذه الذكرى والقضية برمّتها من وعي الجماهير العربية والإسلامية، في حاضرها ومستقبلها.

ونذكّر بأن الجهاد من أجل تحرير فلسطين هو واجب جهادي وعبادي في آن، وهنا أهمية ربط يوم الجمعة بشهر رمضان، لإعطاء المناسبة بعدها العبادي إلى جانب بعدها الجهادي...

احتمالات عدوان جديد!

س: نظراً إلى هزائم إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، هل يجرؤ هذا الكيان على شن حرب جديدة؟

ج: ليس هناك من مؤشرات تدل على أن العدو سيستسهل خوض حروب جديدة وعدوان جديد اتجاه لبنان وشعبه وأرضه، لأن هزيمته في الـ2006م، جعلته يقف أمام حقائق ما كان يتصور أنه سيواجهها يوماً، إذ إن كل حروبه مع العرب كانت أشبه بنزهات، كما يصرح قادته، وكما ارتكز في وعي جمهور الصهاينة، إلا أن عدوان تموز 2006 وصمود المقاومة، وتكبيد جيشه الخسائر الكبرى، وإحداث صدمة نفسية عند الجمهور الصهيوني، لا يقلّ أهمية عن صدمته وهزيمته العسكرية بجيشه، وهذا ما يجعله حذراً جداً في التفكير في شنّ عدوان جديد على لبنان أو على غزة.

لكن نحن أمام عدو غادر وشرس لا يؤمن جانبه، فكما أنه خائف من خوض مثل هذا العدوان من جديد، فإنه يتحين الفرص لخوض مثل هذه الحرب.. لذلك، لا يجب أن نطمئن إلى عدو قام أصلاً على الغصب والقتل والاحتلال، بل لا بد من أن نكرّس في وعيه عن المقاومة، ما يردعه عن التفكير في أي مغامرة جديدة، بل ما يجعله يفكر في أن مصيره قد يكون من الآن فصاعداً على المحك، لأن الشعوب التي أرادت الحياة، غيّرت الأنظمة، وهي في طريقها إلى تغيير المنطقة، وإزالة ما يعيق تقدمها وازدهارها ونماءها واستعادة قوتها من جديد بإذن الله تعالى...

الوعي لمخاطر الفتنة

س: هل لديكم كلمة أخيرة؟

ج: أحبّ أن أتوجّه إلى شعوبنا العربيّة والإسلاميّة بالقول، إنّه برغم كلّ الانتصارات الّتي حقّقناها على العدوّ الصّهيونيّ، وبرغم أنّنا أفشلنا حتّى اليوم مشاريع الاستكبار العالميّ في المنطقة، وخصوصاً مشروع أمريكا في شرق أوسط جديد، إلا أنّنا ما زلنا أمام مخاطر كبرى قد تودي بكلّ الإنجازات الّتي تحقّقت حتى الآن.

إنّ أهمّ المخاطر التي تواجهنا اليوم، هي الفتنة التي يعمل على إشغال المسلمين بها ليل نهار، ويسعى المغرضون والمتربّصون بالأمّة شرّاً، إلى إدخال الشعوب والدول في أتونها، وتسخّر لهذا الهدف كل الإمكانات المادية وغير المادية، بغية الوصول إلى تمزيق العالم الإسلاميّ من جديد.

إنّنا نناشد شعوبنا ودولنا الإسلاميّة، بأن تعي هذا الخطر الكبير؛ خطر الفتنة المذهبيّة، لأنّه سيطيح بإمكاناتنا كافّة، وسيكرّس وجود إسرائيل في المنطقة على حساب شعوبنا ودولنا وأجيالنا، وسوف نتحوّل نحن، أبناء الأمّة الإسلاميّة الكبرى، إلى شراذم وشيع تتقاذفنا الأحقاد ومؤامرات الأعداء...

أقول: الوعي الوعي الوعي، والوحدة الوحدة الوحدة، لأنّ الفتنة تأكل الإنجازات كما تأكل النّار الحطب...

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: