|
منذ ذلك الوقت،
بدأت قطاعات واسعة من الشباب المثقف الواعي، تطلب من سماحته
الإفتاء في أمور التكاليف الشرعية، لأنهم يرونه أهلاً للتقليد
كما هو أهلٌ للقيادة، إلا أن سماحته كان يأبى أن يتصدى لهذا
الموقع، احتراماً لمراجع التقليد من الصنف الأول،
كالسيد الخوئي(قده)
، والإمام الخميني(قده)،
والسيد الكلبيكاني(قده). إلا أن سماحته، لم يكن ومنذ مجيئه
من النجف الأشرف، وبالرغم من كل انشغالاته الجهادية والفكرية،
لم يكن ليترك التدريس ومواصلة الأبحاث في المجالات الشرعية
والفقهية والقرآنية على تنوعها، بل كان يعتبر أن من أولى مهمّات
عالم الدين هي بقاؤه منتجاً في دائرة عمله العلمي، كي يستطيع
أن يطوِّر معارفه، وبالتالي المعارف الإسلامية في دائرة أبحاثه
الفقهيّة وغيرها، وكان سماحته ـ كما كان في النجف ـ لا يترك
فرصة للمذاكرة العلمية مع الفقهاء والمجتهدين الذين كان يلتقيهم
في سفراته إلى إيران، أو الذين يأتون إلى لبنان أو سوريا وحتى
عبر الهاتف، وكان يشجّع طلاّب العلم بالمذاكرة العلمية الدائمة
فيغريهم بمناقشته.
بعد رحيل الصف
الأول من مراجع التقليد في العالم، لم يعد لسماحته ما يتذرّع
به أمام أجيال الإسلام والحركة الإسلامية في العالم، من عدم
التصدي للمرجعية، خاصة بعد أن ألحّت عليه القطاعات الإسلامية
الواسعة في لبنان ودول الخليج وبلاد الانتشار الإسلامي بضرورة
إظهار رسالته العملية، لأنهم يريدون الاقتداء بفتاويه في قضايا
الفقه والشرع، كما في قضايا الفكر والسياسة والاجتماع، فكان
أن أخرج آراءه الفقهية بشكل أوّلي عبر كتابات جمعت فتاواه
بشكل عام أطلق عليه اسم "المسائل الفقهية" في جزءين، ثمّ علّق
على كتاب "الفتاوى الواضحة" للشهيد السيد محمد
باقر الصدر على أثر رغبة من بعض المؤمنين، وأخيراً أصدر كتابه
الكامل المتكامل "فقه الشريعة" في ثلاثة أجزاء، والذي ضم آراءه
الفقهية الكاملة، ليسترشد بها مقلِّدوه في مختلف دول العالم.
وكما بات معلوماً،
فإن تصدي سماحة السيد للمرجعية، كان تحت ضغط حاجة الساحة الإسلامية
إلى ذلك ـ والتي يعتبرها سماحته تكليفاً وليست تشريفاً ـ وهذا
ـ ربما ـ ما لم يعجب قطاعات أخرى من الإسلاميين الذين أسرّوا
في دوائرهم للمقربين عدم أهلية السيد ولياقته للمرجعية، وتلاقى
عند هذه النقطة جماعة من الإسلاميين المسيَّسين وأخرى من التقليديين
المتزمّتين..
إلا أن حجة هؤلاء
الضعيفة في إنكار المرجعية لسماحته، جعلتهم يسلكون مسالك أخرى
غير مستقيمة للتعبير عن انزعاجهم من مرجعيّة سماحته، معتمدين
أساليب أقلّ ما يقال فيها إنها تلوي عنق الحقائق، وتستخدم
كل الإمكانات في سبيل تلك الغاية.
المهم أن هذه
الحملة على سماحة السيد من حيث أرادت أم لم ترِد، أسهمت في
شكلٍ كبير في تفشي المرض العضال في الساحة الإسلامية، ألا
وهو الانقسام وسوء الظن والتجرؤ على العلماء بالتشهير والإهانة،
وأقلّ ما يقال في هذا المقام، أنه وللمرة الأولى في تاريخ
التشيع، يصبح علم العلماء موضوعـاً للمهاترات والسباب والشتائم
يتناوب عليه العامة والخاصة على حدٍ سواء..
لقد أضرّت هذه
الحملة الساحة الإسلامية برمّتها، وشكّلت غطاءً واسعاً لتفشّي
ثقافة الجهل والخرافة والتخلّف بين قطاعات الشباب الناشىء،
وأصبح الإسلام يقاس بمدى ملاءمته لآراءٍ غاية في التعصب والغلوّ
والشخصانية، بدل أن يكون الأشخاص والأفكار والإنجازات كلها
في سبيل الله وفي خدمة خطه.. ولعل العديد من الشباب الذين
نشأوا على فكر السيد الاستراتيجي المتنور، أخذوا يترحّمون
على الانطلاقة الأولى التي كان فيها الشباب المسلم كالجسد
الواحد يشد بعضه بعضاً، ويتداعى إلى السهر والحمى عند اشتكاء
أيّ عضو من أعضائه من سوءٍ ألمّ به.
سماحة السيد
الذي أخذ على عاتقه أن يتجاوز الإساءات الشخصية، استمرّ في
الدفاع عن الإسلام والمسلمين، موجّهاً النصح إلى جميع المسلمين
أننا في نظر الأعداء حزمة واحدة، وأن العدو لا يريد إلا رأس
الإسلام وإنجازاته.
ورغم أن السيد
قد أسهم بشكل فعّال في رسم الاستراتيجيات السياسية للحركة
الإسلامية العالمية، والتي كانت تُنشر في مقالات دوريّة في
مجلّة "المنطلق"، وجمعت فيما بعد ضمن كتاب "الحركة الإسلامية:
هموم وقضايا"، إلا أنه لم يؤسس حزباً سياسياً أو تنظيمياً
حركياً، بل اعتمد أسلوب العمل الفكري الإسلامي العام الذي
لا تحدّه جغرافيا أو أطر زمنية محددة، في الوقت الذي دعم الحركات
الإسلامية من خلال أبوّته الفكرية وتجربته العميقة، ومن خلال
إيمانه بتوزّع الأدوار والتكامل في الحركة، كما اهتمّ بالعمل
الاجتماعي التربوي الذي كانت تفرضه الحاجة آنذاك، فأسّس الحوزات
العلمية في لبنان والشام وغيرهما، وجمعية المبرات الخيرية،
التي تُعدّ من المؤسسات الرائدة في العمل التعليمي والتربوي،
ليس في لبنان فحسب، وإنما في العالم العربي والإسلامي برمّته،
وأيضاً قام سماحته بدعم كلِّ الحركات والأحزاب والتيارات الإسلامية
الحركية المجاهدة، وشكّل غطاءً ودعماً لها في ساحات جهادها،
وحمل معها وعنها ضريبة الجهاد والتضحية. ولعله حتى الآن هو
في نظر العالم أجمع مرشد الحركة الإسلامية الثورية في العالم،
رغم محاولات أجهزة الاستكبار العالمي وسمه بصفات إرشادية تحدد
دعمه لتيار معين أو حزب محدد. ولعلّ من أكثر ثمار أفكاره السياسية
الجهادية كانت المقاومة الإسلامية في لبنان.
ورغم أن سماحة
السيد ابن أكبر حوزة علمية شيعية في العالم، وهي النجف الأشرف،
إلاّ أنه لم يكتف ببحر العلوم التي تقدمها الحوزة لطلابها،
بل انطلق إلى توسيع دائرة معارفه ووعيه، بهدف الإحاطة بكل
العلوم والمعارف التي انتشرت في عصره؛ لأنه آمن منذ البداية
أن ميدان عالم الدين هي الدنيا كلها، وأن المعنيين بالدعوة
إلى هذا الدين هم الناس كلهم، على اختلاف أجناسهم وقومياتهم
وخلفياتهم الفكرية والثقافية، لذلك سعى سماحته إلى الاطّلاع
على معظم نتاج الفكر العالمي والثقافة الإنسانية السائدة بمختلف
تلوّناتها الفكرية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية..
فحملُ دعوةٍ إسلامية إلى العالم أجمع، يتطلّب حداً أعلى من
المعرفة بهذا العالم؛ بأفكاره وقوانينه، باهتماماته وتطلعاته،
بآلامه وأحزانه، بأفراحه وأتراحه، وهذا ما شكّل لفكر سماحة
السيد وحركته فضاءً كبيراً وواسعاً، وحضوراً جعله مستعداً
لمواجهة أي طارئ دون أن يترك للمفاجآت طريقاً إليه.. ولذلك
تنوّعت كتابات سماحة السيد، وتناولت قضايا حيوية وحيّة جنباً
إلى جنب مع قضايا نظرية ومعرفية كبرى، إضافة إلى قضايا علمية
هامة، مواكباً كل جديد في عالم النظريات الفكرية والاجتماعية
والسياسية.
ولعلَّ ما يؤكد
ذلك هو مناقشة سماحة السيد لمعظم الأفكار التي سادت في السابق
وفي الراهن، وإبداؤه آراءً متنورة وواضحة في شأنها، منطلقةً
من عمق الأصالة الإسلامية على المستويين الفكري والفقهي، فضلاً
عن مناقشته عدداً كبيراً من نتاجات المفكرين الإسلاميين في
مجال العلوم الدينية والاعتقادية، وكتابه "من وحي القرآن"
يشهد جملةً كبيرةً من المناقشات العلمية الدقيقة لأساتذة وعلماء
كبار في مجال التفسير القرآني والبحوث الكلامية والفقهية الدقيقة.
طرح سماحته جملة
أفكار بكر خلقت جدلاً واسعاً في الساحة الإسلامية الثقافية،
فمقالاته في مجلة «الحكمة» و«المنطلق» وغيرهما من المجلات
الفكرية التي تناولت موضوعات لها علاقة بالبرلمانية والديمقراطية
والمشاركة السياسية، وغيرها الكثير الكثير من إشكالات الفكر
والسياسة الحداثوية، تشهد له على استشرافه المأزق الذي يمكن
أن يواجه الحركة الإسلامية العالمية، خاصة بعد أن أصبح لها
دولة في إيران، وبات عليها أن تقدم نموذجاً متقدِّماً يتجاوز
التقاليد السياسية الاستبدادية السائدة، وينأى بالتجربة الإسلامية
عن الوقوع في خانة الأنظمة التي تجهد الحركة الإسلامية في
مقارعتها ومعاداتها.
وبحسِّ القائد
الإسلامي العالمي الوحدوي، أطلق سماحته شعار الوحدة الإسلامية،
لأنه كان يرى بوضوح أن الإرث التاريخي للعداء بين أنصار المذاهب
الإسلامية وتياراتها المتنوعة، قد يتحوّل إلى معوّق حقيقي
أمام تحقيق أهدافها، إضافةً إلى أنه قد يشكِّل النافذة التي
يهبُّ منها رياح الاستكبار لتجذير الفرقة فيما بينها، والحؤول
سياسياً وفكرياً دون وحدتها بعد أن حال جغرافياً وقومياً دون
اتحادها. وقد طرح الوحدة الإسلامية من موقع الالتزام بتعاليم
أهل البيت(ع) الذين أسّسوا للوحدة منذ رائدها الإمام عليّ
(ع)، ودعا إلى الحوار العقلاني الموضوعي في القضايا المختلفة
على قاعدة الكتاب والسنّة، مشدّداً في الوقت نفسه على نبذ
الخلافات وتجميد المنازعات أمام قوى الاستكبار العالمي التي
تريد رأس الإسلام غير مفرّقة بين سنّة وشيعة. ولعل استشهاد
العلماء والمفكرين والمثقفين من مختلف التيارات والمذاهب الإسلامية
بأقوال سماحته، لهو أفضل دليل على التوجه الوحدوي لسماحته،
حتى قيل فيه إنه عالم دين وحدوي من الطراز الرفيع.. وصاحب
المصداقية العالمية في هذا الشأن.
وفي مجال الانفتاح
على العالم، بادر إلى طرح مقولة الحوار الإنساني _ الإنساني،
لإظهار الوجه الحضاري للإسلام، ولاستدراج الغرب بمقولاته الفكرية
والفلسفية بدل أسلحته التدميرية وترسانته النووية. ولعل الاستجابة
التي لاقتها دعوة سماحته هذه من عدد كبير من علماء الدين المسيحيين
والغربيين عموماً، جعلت اسم سماحته من الأسماء الإسلامية الكبرى
التي يحترم فكرها وآراؤها لمصداقيتها، ولمضمونها الديني الإنساني
الذي يحترم الإنسان بمعزل عن لونه وقوميته وانتمائه الحضاري.
وبالتساوق والتوازن
مع دعواته إلى الحوار الإنساني الإنساني، لم يغفل سماحته عن
مخططات الاستكبار السياسية والاقتصادية لوضع اليد على أنظمة
الحكم في المناطق الإسلامية، وعن نيّاته مصادرة ثرواته البشرية
الفذّة والطبيعية الغنية... فالمراقب لخطب سماحة السيد وكتاباته،
يلحظ الالتفات الدائم إلى مثل هذه الأهداف، وإلى فضحه الدائم
لمخططات الاستكبار، مقرونةً بالشواهد والأدلّة التي لا تقبل
الجدل، ولعل ما تشهده الساحة العربية والإسلامية والعالمية
عموماً من هجمة استكبارية تهدف إلى السيطرة على المنطقة، يؤكد
ما ذهب إليه سماحته في الماضي البعيد والمتوسط والقريب وصولاً
إلى الراهن الساطع.
ومع ذلك، لم يداهن
سماحة السيد الحركات الإسلامية التي تستخدم الطرق غير المنطقية
وغير الإنسانية في تحقيق أهدافها. من هنا نجده قد أنصف بعض
الحركات الإسلامية بالقول إنها إسلامية في عقائدها إلا أنها
غير حكيمة في وسائلها وطرق عملها. وليس أدلّ على هذه المواقف
المبدئية من استنكاره تفجير مبنيي مركز التجارة العالمي على
رؤوس المدنيين في
11
أيلول، والذي اعتبره عملاً لا يقره عقل ولا دين ولا منطق،
وبأنه عملٌ أعطى المستكبر الأمريكي والبريطاني حجة قوية لتبرير
هجومه الهمجي على العالم الإسلامي لتحقيق ما خطط له ضد هذا
العالم قبل حدوث التفجيرات بعقود من السنين..
لكن سماحة السيد
وقف بكل قوة في وجه مقولات الاستكبار وخططه، ودعا إلى تأسيس
مراكز أبحاث علمية عالمية دولية محايدة، تضع حدوداً للمصطلحات
والتعاريف، من أمثال الإرهاب، ومحور الشر والخير، وغير ذلك
من المقولات التي أعاد سماحته تحديد معانيها وحدود دلالاتها
بما يفوّت على المستكبر استخدام قاموسه المعادي تحت هذه العناوين
وفي ظلِّ هذه الشعارات.
والمستهجن، أنه
في زحمة مواجهة السيد لمخططات الاستكبار وانشغاله في فضح مزاعمها
ومبرراتها، فتحت عليه نار التشكيك من الجبهة الخلفية التي
تسلّحت بعدد كبير من مقولات التخلّف والعصبية والصنمية، فكانت
عوناً _ عن قصد أو غير قصد _ للمستكبر على سماحة السيد والتيار
الفكري الذي حاول إنعاشه في مواجهة الاستكبار. ولعل أبشع التبريرات
التي قدِّمت لتبرير هذه الحملة، هو أن معركة الإسلام هي مع
الداخل وليست مع كفر الخارج، وهذا ما جعل سماحته يعيد الأمور
إلى نصابها عن طريق رد حملة التخلف والعصبية على أعقابها،
بعد معاناة كبرى مع أركانها ورموزها. ومع ذلك، فقد تركت هذه
الحملة آثاراً من الوهن على الوسط الإسلامي الداخلي تضرَّرت
منه كل الأطراف على تنوّعاتها.
ورغم كلِّ المعوّقات
التي اعترضت نشاط سماحة السيد من تيّار التخلّف، فقد أصرّ
سماحته على أن يزرع في وجدان الحركة الإسلامية عناصر القوة
التي تظهرهم عصبة واحدة عصيةً على الانقسام والتشظي، وتحمَّل
ضريبة ذلك لكثرة ما لاقى من تفسيرات غير منصفة لمقولاته وآرائه
من بعض أوساط الساحة الإسلامية نفسها.
وقد جسّد سماحته
قوة إرادة العالم المتحدّية، من خلال جملة مواقف قويّة، حتى
قال بعضهم إن سماحة السيد أشبه بصخرة تتكسر عليها الأمواج
الهوجاء وتعود هادئة ساكنة تنحدر عنه كالسيل البارد.. وهذه
الشخصية المتحدية قامت باجتياز العديد من الابتلاءات الصعبة
في شتى ساحات العمل وميادينه، ولم تقتصر فقط على الابتلاءات
الأمنية الكثيرة، إنما تجاوزتها إلى التحديات الثقافية والجهادية
والسياسية، حتى وصفه أحد مؤلفي الكتب، بأنه نموذج حيّ لمن
يتحدّى الممنوع.
|