السيرة النبوية > موقعة الأحزاب

موقعة الأحزاب

تحريض يهودي للمشركين

أيقنت القوى المتضررة من الإسلام أنَّها لن تتمكن من إلحاق الهزيمة به إذا واجهته كلّ طائفة منفردة، وكان اليهود وقريش يدركون هذه الحقيقة، حيثُ قضت المصلحة بأن يجمعوا أمرهم على تأليب القبائل ضدّه لتشكيل جيشٍ كثيف لاستئصال المسلمين في موقعة حاسمة.

ولذلك سعت قبيلة بني النضير اليهودية، التي أجليت من المدينة، إلى التحالف مع قريش، فذهب نفرٌ من قادتهم يستنفرونهم لحرب الرسول (ص) ويعرضون عليهم المساعدة في قتال النبيّ (ص)، وكانت قريش قد أخلفت عدّتها مع النبيّ (ص) عاماً، وجاءت هذه الخطوة من قبل اليهود لتعجل بالمواجهة وتشدّ من أزر قريش وتحالفها على ما تبغي، "إنّا سنكون معكم عليه حتّى نستأصله"، ما زاد من إصرار قريش على المواجهة، خاصة بعد أن أكدوا لها أنَّ قتال محمَّد (ص) حقّ واستئصاله أرضى للّه، لأنَّ دين قريش أفضل من دينه وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القرآن.

ولـم يكتفِ اليهود في تحالفهم هذا على قريش، بل وسّعوا دائرته وعقدوا مع أعراب غطفان حلفاً مشابهاً لما تـمّ مع أهل مكة، ودخل في هذا الحلف عددٌ من القبائل الناقمة على الدين الجديد، منها قبائل كنانة وتهامة ...

ونجح اليهود في تأليب الأحزاب المعادية للنبيّ (ص)، وحشدوا لأجل قتال المسلمين واستئصالهم من المدينة نحو عشرة آلاف مقاتل، ولما سمع الرسول (ص) ما عزم عليه المشركون واليهود، جمع المسلمين واستشارهم في وضع خطّة تمنع دخولهم إلى المدينة، وكان كثيراً ما يشاورهم في الحرب ـ كما يقول الواقدي ـ فأشار عليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي بحفر الخندق، فأعجبت هذه الفكرة النبيّ (ص) وأصحابه، فأمر المسلمين بحفر الخندق.

بنو قريظة ينقضون العهد

وصل المشركون بقيادة أبي سفيان بن حرب إلى مقربة من المدينة، ووقفوا عاجزين عن اقتحامـها، وما زاد من حدّة الموقف، أنَّ بني قريظة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبيّ (ص)، حيثُ انطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة يطلبُ منهم أن يناصروه ويؤازروه، ولكنَّهم رفضوا ذلك بداية الأمر، بسبب العقد الذي كان بينهم وبين النبيّ (ص)، والذي ينص "على أن لا يكونوا معـه ولا عليه، ويُقال صالحهم على أن ينصروه ممن دهمه منهم".

ولذلك فإنَّ أيّ نوعٍ من المساعدة والعون للمشركين سوف يعدّ نقضاً للعهد، وبالتالي إعلاناً للحرب، وهذا ما لا طاقة لهم باحتماله، خاصة إذا ما فشل المشركون في تحقيق أهدافهم وتركوهم وشأنهم في المدينة، ولعلّ ما حصل لبني القينقاع وبني النضير لا يزال ماثلاً أمام أعينهم، فرفض زعيمهم كعب بن أسد في بادئ الأمر طلب حيي بن أخطب وأبى أن يستقبله قائلاً له: "إنَّي عاقدت محمَّداً وعاهدته، فلم نرَ منه إلاَّ صدقاً، واللّه ما أخفر لنا ذمة ولا هتك لنا ستراً، ولقد أحسن جوارنا"، ولكنَّه ما لبث أن نقض العهد أمام إلحاحات حيي بن أخطب وإغراءاته، حيثُ صوّر له أنَّ النصر على قاب قوسين أو أدنى.

وعندما ترافقت إلى مسامع النبيّ (ص) أخبار نقض بني قريظة للعهد، أراد أن يتثبت من الأمر خشية أن تكون خديعة من قبل المشركين، فأمر ثلاثة من أصحابه أن يتثبتوا من ذلك وطلب إليهم إذا كان الخبر صحيحاً أن لا يجهروا بالقول صراحة أمام المسلمين، وأن يلحنوا له بكلام يعرفه، وذلك خشية أن يفتّ ذلك في عضد المسلمين، ويُساهم في انهيار معنوياتهم، خاصة بعد أن وصلت إلى أدنى مستوى لها، وإذا كان الخبر كاذباً، أن يظهروا القول ويعلموا الجميع بذلك، ما قد يُساهم في رفع معنويات المسلمين والتخفيف من حدّة الأزمة التي يعيشونها.

المسلمون يخضعون لاختبار قاس

وعندما أتى أصحاب النبيّ (ص) بني قريظة، واستيقنوا الخبر، حاولوا أن يعيدوهم عن ما أقدموا عليه، ولكنَّهم أخفقوا في ذلك، وعادوا إلى النبيّ (ص) وأعلموه بالأمر كما طلب لحناً بالكلام، ولكنَّ الخبر لـم يلبث أن انتشر بين المسلمين، ما زاد من خوفهم وكربهم، وبدأوا يترقبون عاقبة ما هم قادمون عليه.

لقد سميت هذه الغزوة باسم "الخندق" نسبة إلى الخندق الذي حفر أول وقعة الأحزاب، نسبة لمشاركة أحزاب المشركين فيها ضدّ المسلمين، كانت هذه الواقعة من أصعب ما مرّ على المسلمين منذ انطلاقة الإسلام، وقد وصفت أمّ سلمة زوجة الرسول (ص) أهوال تلك الواقعة بقولها: "قد شهدت معه ـ أي النبيّ (ص) ـ مشاهد فيها قتال وخوف، ولـم يكن في ذلك شيء أتعب رسول اللّه (ص)، ولا أخوف عندنا من الخندق"، وأمّا ابن هشام فيقول: "وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتّى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ"، ويقول الواقدي: "ونجم النفاق، وفشل النّاس، وعظم البلاء، واشتدّ الخوف، وخيف على الذراري والنساء".

وتأتي روعة الوصف في ما كان يُعانيه المسلمون في القرآن الكريـم، في قوله تعالـى: {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون باللّه الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} (الأحزاب: 10ـ 11).

أصبح المسلمون بين فكّي كماشة، المشركون بأحزابهم من خارج المدينة، واليهود من داخلها، وقد صاحب ذلك حملة من الترهيب والتشكيك من قبل المنافقين: "يعدنا محمَّد كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن لأياً من أن يذهب إلى حاجته، وما وعدنا اللّه إلاَّ غروراً"، ما زاد من حدّة الشعور بالخوف، وقد عبّر عن هذا الواقع الصعب جابر بن عبد اللّه بقوله: "كان خوفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشدّ من خوفنا من قريش حتّى فرّج اللّه".

خطة نبوية لتفكيك الأحزاب

إزاء هذه المستجدات، اتّخذ الرسول (ص) بعض الإجراءات لتحصين وضع المدينة الداخلي أثناء الحصار، فأرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين، فإذا أصبحوا أمنوا؟؟ وأرسل أحد المسلمين يستطلع حصون بني قريظة لمراقبة مواضع الخلل والثغرات فيها.

وأدرك (ص) منذ البداية صعوبة مواجهة الأحزاب مجتمعة، ولما كان يعلم أن لا رابطة بينهم، ولا تجمعهم سوى العداوة للنبيّ (ص) والمسلمين، رأى أن يشقّ صفوف جماعة المشركين للتخفيف من وطأتهم وإحداث الفرقة والخصومة فيما بينهم، فاتصل بعيينة بن حصن والحارث بن عوف، وعرض عليهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما من غطفان ويخذلان بين الأعراب فوافقا، ولكنَّ ذلك لـم يتحقّق عندما عرض هذا الأمر على الأنصار حيثُ قالوا للرسول (ص): "إن كان هذا أمراً من السَّماء فامضِ له، وإن كان أمراً لـم تؤمر فيه، ولك فيه هوى فامضِ لما كان لك فيه هوى، فسمعاً وطاعة، وإن كان إنَّما هو الرأي فما لهم عندنا إلاَّ السيف، وبذلك رجع عيينة بن حصن ومن معه دون أن يأخذا شيئاً".

وعلى صعيدٍ آخر، كانت تحدث بعض المناوشات بين المسلمين والمشركين حول الخندق، تقوى أحياناً وتضعف أحياناً أخرى، وكان في الخندق ثغرة ضيّقة استطاع عمرو بن عبد ود العامري وخمسة من فرسان المشركين اجتيازها، وحاول بقية فرسان قريش عبورها، إلاَّ أنَّ عليّاً وبعض المسلمين رابطوا فيها وصدّوهم عن ذلك.

وأقبل عمرو بن عبد ود يصول بفرسه ويجول داعياً النّاس إلى المبارزة، ولكنَّ أحداً من المسلمين لـم يجرؤ على مبارزته إلاَّ عليّاً، حيثُ ترك مكانه وجاء إلى النبيّ (ص) يطلب منه أن يأذن بلقائه، ولكنَّ الرسول (ص) منعه من ذلك. وهكذا تكررت نداءات عمرو مراتٍ عدّة، وفي كلِّ مرة لا يخرج إلاَّ عليّ (ع)، ولما رأى عمرو أنَّ أحداً لا يُجيبه، جعل يتحداهم ويتهمهم في دينهم ويذكّرهم بالجنّة التي يدّعون، والنبيّ (ص) يصوِّب نظره نحو المسلمين ويدعوهم إلى مبارزته، فلم يستجب له أحد.

وأخيراً، سمح الرسول (ص) لعليّ (ع) بمبارزة عمرو ودعا ربّه: "ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين" ثُمَّ قال له: "برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه".

وبرز عليّ (ع) لعمرو بعد أن دعاه إلى ثلاث: وهي الإسلام، أو الرجوع إلى مكة بمن يتبعه من قريش، والأخيرة الدعوة إلى البراز، فرفض الأولين واستجاب للثالثة، بحيث تمكّن عليّ (ع) من قتله، وفيها قال رسول اللّه (ص) "لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة"، وجاء في حديث آخر: "إنَّ ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين".

وفي خطوة لاحقة، حاول الرسول (ص) أن يوسع الهوة بين قيادات الأحزاب، ولكنَّ هذه المرة بين المشركين بزعامة قريش، واليهود من بني قريظة، فطلب من نعيم بن مسعود الذي أسلم حديثاً أن يكتم إسلامه، وردّه إلى المشركين للإيقاع بينهم، وقال له إنَّما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنّا إن استطعت، فإنَّ الحرب خدعة، فخرج نعيم حتّى أتى بني قريظة،كان لهم نديماً في الجاهلية، وعندهم غير متّهم بالصدق، وقال لهم: بأنَّ قريش وغطفان جاؤوا لحرب محمَّد وأصحابه، وهم إن أصابتهم مصيبة لحقوا ببلادهم، وخلوا بينهم وبين محمَّد (ص)، أمّا اليهود فكانت كلّ مقدراتها وأبنائها ونسائها في المدينة، ولا طاقة لهم لقتال المسلمين في حال تخلّت قريش وحلفاؤها عن قتاله. ولذلك طلب منهم أن يأخذوا رهناً من أشراف قريش لمناجزة محمَّد (ص)، فاستحسنوا هذا الرأي وأخذوا به.

ثُمَّ خرج إلى قريش، وهي تكنّ له عظيم مودة، ودخل إليها دخول الناصح الأمين وطلب منها أن تكتم أمره، قائلاً لهم بأنَّ اليهود أسرّوا إليه أنَّهم ندموا على الوقوف على مقاتلة المسلمين، وقد أرسلوا إليه، وبأنَّهم سيأخذون من قريش وغطفان رهائن من رجالاتها لتسليمها للنبيّ (ص)، وحذرهم إذا أقدمت اليهود على التماس الرهن من الرجال أن لا يدفعوا إليهم رجلاً واحداً.

وبعد أن أنهى مهمته وزرع بذور الشك بين بني قريظة وقريش، قصد غطفان، وهم أصله وعشيرته، وهو محل صدق عندهم، وأوصاهم بكتمان أمره، وقال لهم كما قال لقريش وحذرهم مما حذرها.

أحرز الرسول (ص) بهذه العملية نجاحاً باهرا،ً وسادت روح الشك في صفوف الأحزاب، ما دفع أبو سفيان ورؤوس غطفان أن يرسلوا عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان في سنة خمس إلى بني قريظة، فقالوا لهم: "إنّا لسنا بدار مقام، فقد هلك الخفّ والحافر، فأعدوا للقتال حتّى نناجز محمَّداً ونفرغ مما بيننا وبينه"، فردّ عليهم بنو قريظة: "إنَّ اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لـم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمَّداً حتّى تعطونا رهناً من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتّى نناجز محمَّداً، فإنَّنا نخشى ـ إن ضرستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال ـ أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرّجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه".

وعادت الرسل إلى قريش وغطفان تخبرهم بما قالت بنو قريظة، ورأوا أنَّ ما قاله نعيم بن مسعود لحقّ، وأرسلوا إلى بني قريظة: إنّا واللّه لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، كما أنَّ بني قريظة من جانبها رأت أنَّ كلام ابن مسعود هو حقّ أيضاً: "إنَّ الذي ذكر لكم نعيم لحقّ، ما يريد القوم أن يقاتلوا، فإن رأوا الفرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم".

لقد تضعضعت جبهة الأحزاب وسادت بين أطرافها حال من عدم الثقة، ساهم في زعزعتها والوصول بها إلى هذا الحدّ من الوهن، السياسة الحكيمة التي اتبعها الرسول (ص)، ما جعل قريش والأحزاب تيأس من إمكانية إلحاق أيّ هزيمة بالمسلمين، بل بات همّهم الوحيد الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه، وتدخلت العناية الإلهية، حيثُ "هبت ريحٌ شديدة في ليال شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم"، ما أوجد السبب لأبي سفيان لكي يبرر انسحابه من المعركة، لأنَّه بات عاجزاً عن الصمود في ظلّ هذه الأوضاع المتردية، حيثُ قال: "إنَّكم واللّه لستم بدار مقام، لقد هلك الخفّ والكراع، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقد لقينا من الريح ما ترون، واللّه ما يثبت لنا بناء ولا تطمئن لنا قدر، فارتحلوا فإنّي مرتحل"، فارتحلوا ورجع كلّ فريق إلى دياره، وبذلك انفكّ تحالف الأحزاب، وبقي بنو قريظة في المدينة ينتظرون مصيرهم نتيجة لنقضهم العهد، وقتالهم إلى جانب أعداء المسلمين.

تحوّل جذريّ في حركة الصراع

انتهت الحرب بهزيمة كبيرة لتحالف الأحزاب وانتصار ساحق للمسلمين، وأدّى إلى انقلاب جذري وتحوّل جوهري وأساسي في حركة الصراع، بدأت معه ملامح مرحلة جديدة بالتشكل أمسك فيها الرسول (ص) بالمعطيات الجديدة، ما أفسح له المجال رسم خطوط السياسة الداخلية والخارجية داخل المدينة وخارجها، وخسرت قريش حضورها الفعال في الحجاز وبعض المناطق، وهذا ما عبّر عنه الرسول (ص) بقوله: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، وكان من الطبيعي أن يقفز الصراع مع اليهود إلى واجهة الأحداث، حيثُ أعطاه (ص) الأولوية، لما كان يشكله اليهود في داخل المدينة وخارجها من خطر على حركة الرسالة ومسيرة الدولة الناشئة.