إزاء هذه
المستجدات، اتّخذ الرسول (ص) بعض الإجراءات لتحصين وضع المدينة الداخلي
أثناء الحصار، فأرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مائتي رجل، وزيد بن
حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين،
فإذا أصبحوا أمنوا؟؟ وأرسل أحد المسلمين يستطلع حصون بني قريظة لمراقبة
مواضع الخلل والثغرات فيها.
وأدرك (ص) منذ
البداية صعوبة مواجهة الأحزاب مجتمعة، ولما كان يعلم أن لا رابطة بينهم،
ولا تجمعهم سوى العداوة للنبيّ (ص) والمسلمين، رأى أن يشقّ صفوف جماعة
المشركين للتخفيف من وطأتهم وإحداث الفرقة والخصومة فيما بينهم، فاتصل
بعيينة بن حصن والحارث بن عوف، وعرض عليهما ثلث ثمار المدينة على أن
يرجعا بمن معهما من غطفان ويخذلان بين الأعراب فوافقا، ولكنَّ ذلك لـم
يتحقّق عندما عرض هذا الأمر على الأنصار حيثُ قالوا للرسول (ص): "إن كان
هذا أمراً من السَّماء فامضِ له، وإن كان أمراً لـم تؤمر فيه، ولك فيه
هوى فامضِ لما كان لك فيه هوى، فسمعاً وطاعة، وإن كان إنَّما هو الرأي
فما لهم عندنا إلاَّ السيف، وبذلك رجع عيينة بن حصن ومن معه دون أن يأخذا
شيئاً".
وعلى صعيدٍ آخر، كانت تحدث بعض
المناوشات بين المسلمين والمشركين حول الخندق، تقوى أحياناً وتضعف
أحياناً أخرى، وكان في الخندق ثغرة ضيّقة استطاع عمرو بن عبد ود العامري
وخمسة من فرسان المشركين اجتيازها، وحاول بقية فرسان قريش عبورها، إلاَّ
أنَّ عليّاً وبعض المسلمين رابطوا فيها وصدّوهم عن ذلك.
وأقبل عمرو بن عبد
ود يصول بفرسه ويجول داعياً النّاس إلى المبارزة، ولكنَّ أحداً من
المسلمين لـم يجرؤ على مبارزته إلاَّ عليّاً، حيثُ ترك مكانه وجاء إلى
النبيّ (ص) يطلب منه أن يأذن بلقائه، ولكنَّ الرسول (ص) منعه من ذلك.
وهكذا تكررت نداءات عمرو مراتٍ عدّة، وفي كلِّ مرة لا يخرج إلاَّ عليّ
(ع)، ولما رأى عمرو أنَّ أحداً لا يُجيبه، جعل يتحداهم ويتهمهم في دينهم
ويذكّرهم بالجنّة التي يدّعون، والنبيّ (ص) يصوِّب نظره نحو المسلمين
ويدعوهم إلى مبارزته، فلم يستجب له أحد.
وأخيراً، سمح
الرسول (ص) لعليّ (ع) بمبارزة عمرو ودعا ربّه: "ربّ لا تذرني فرداً وأنت
خير الوارثين" ثُمَّ قال له: "برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه".
وبرز عليّ (ع)
لعمرو بعد أن دعاه إلى ثلاث: وهي الإسلام، أو الرجوع إلى مكة بمن يتبعه
من قريش، والأخيرة الدعوة إلى البراز، فرفض الأولين واستجاب للثالثة،
بحيث تمكّن عليّ (ع) من قتله، وفيها قال رسول اللّه (ص) "لمبارزة عليّ بن
أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة"،
وجاء في حديث آخر: "إنَّ ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين".
وفي خطوة لاحقة،
حاول الرسول (ص) أن يوسع الهوة بين قيادات الأحزاب، ولكنَّ هذه المرة بين
المشركين بزعامة قريش، واليهود من بني قريظة، فطلب من نعيم بن مسعود الذي
أسلم حديثاً أن يكتم إسلامه، وردّه إلى المشركين للإيقاع بينهم، وقال له
إنَّما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنّا إن استطعت، فإنَّ الحرب خدعة، فخرج
نعيم حتّى أتى بني قريظة،كان لهم نديماً في الجاهلية، وعندهم غير متّهم
بالصدق، وقال لهم: بأنَّ قريش وغطفان جاؤوا لحرب محمَّد وأصحابه، وهم إن
أصابتهم مصيبة لحقوا ببلادهم، وخلوا بينهم وبين محمَّد (ص)، أمّا اليهود
فكانت كلّ مقدراتها وأبنائها ونسائها في المدينة، ولا طاقة لهم لقتال
المسلمين في حال تخلّت قريش وحلفاؤها عن قتاله. ولذلك طلب منهم أن يأخذوا
رهناً من أشراف قريش لمناجزة محمَّد (ص)، فاستحسنوا هذا الرأي وأخذوا به.
ثُمَّ خرج إلى
قريش، وهي تكنّ له عظيم مودة، ودخل إليها دخول الناصح الأمين وطلب منها
أن تكتم أمره، قائلاً لهم بأنَّ اليهود أسرّوا إليه أنَّهم ندموا على
الوقوف على مقاتلة المسلمين، وقد أرسلوا إليه، وبأنَّهم سيأخذون من قريش
وغطفان رهائن من رجالاتها لتسليمها للنبيّ (ص)، وحذرهم إذا أقدمت اليهود
على التماس الرهن من الرجال أن لا يدفعوا إليهم رجلاً واحداً.
وبعد أن أنهى مهمته
وزرع بذور الشك بين بني قريظة وقريش، قصد غطفان، وهم أصله وعشيرته، وهو
محل صدق عندهم، وأوصاهم بكتمان أمره، وقال لهم كما قال لقريش وحذرهم مما
حذرها.
أحرز الرسول (ص)
بهذه العملية نجاحاً باهرا،ً وسادت روح الشك في صفوف الأحزاب، ما دفع أبو
سفيان ورؤوس غطفان أن يرسلوا عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان في
سنة خمس إلى بني قريظة، فقالوا لهم: "إنّا لسنا بدار مقام، فقد هلك الخفّ
والحافر، فأعدوا للقتال حتّى نناجز محمَّداً ونفرغ مما بيننا وبينه"،
فردّ عليهم بنو قريظة: "إنَّ اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه
شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لـم يخف عليكم، ولسنا مع
ذلك بالذين نقاتل معكم محمَّداً حتّى تعطونا رهناً من رجالكم، يكونون
بأيدينا ثقة لنا حتّى نناجز محمَّداً، فإنَّنا نخشى ـ إن ضرستكم الحرب
واشتدّ عليكم القتال ـ أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرّجل في
بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه".
وعادت الرسل إلى
قريش وغطفان تخبرهم بما قالت بنو قريظة، ورأوا أنَّ ما قاله نعيم بن
مسعود لحقّ، وأرسلوا إلى بني قريظة: إنّا واللّه لا ندفع إليكم رجلاً
واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، كما أنَّ بني
قريظة من جانبها رأت أنَّ كلام ابن مسعود هو حقّ أيضاً: "إنَّ الذي ذكر
لكم نعيم لحقّ، ما يريد القوم أن يقاتلوا، فإن رأوا الفرصة انتهزوها، وإن
كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم".
لقد تضعضعت جبهة
الأحزاب وسادت بين أطرافها حال من عدم الثقة، ساهم في زعزعتها والوصول
بها إلى هذا الحدّ من الوهن، السياسة الحكيمة التي اتبعها الرسول (ص)، ما
جعل قريش والأحزاب تيأس من إمكانية إلحاق أيّ هزيمة بالمسلمين، بل بات
همّهم الوحيد الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه، وتدخلت العناية الإلهية،
حيثُ "هبت ريحٌ شديدة في ليال شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح
أبنيتهم"، ما أوجد السبب لأبي سفيان لكي يبرر انسحابه من المعركة، لأنَّه
بات عاجزاً عن الصمود في ظلّ هذه الأوضاع المتردية، حيثُ قال: "إنَّكم
واللّه لستم بدار مقام، لقد هلك الخفّ والكراع، وأخلفتنا بنو قريظة
وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقد لقينا من الريح ما ترون، واللّه ما يثبت لنا
بناء ولا تطمئن لنا قدر، فارتحلوا فإنّي مرتحل"، فارتحلوا ورجع كلّ فريق
إلى دياره، وبذلك انفكّ تحالف الأحزاب، وبقي بنو قريظة في المدينة
ينتظرون مصيرهم نتيجة لنقضهم العهد، وقتالهم إلى جانب أعداء المسلمين.