|
السيرة
النبوية
>
موقعة بدر: الأجواء والتداعيات
موقعة بدر: الأجواء والتداعيات
تمثل موقعة بدر المواجهة الأولى بين المسلمين
والمشركين، ولذلك فهي غنية بدلالاتها وتداعياتها على صورة الواقع العالمي
آنذاك، كونها فتحت كوة لا يستهان بها في جدار الوثنية، تمهيداً للقضاء
عليها وإزالتها من كل شبه الجزيرة العربية، ناهيك عمّا أفرزته مع الأحداث
المتتالية من واقع على صعيد الدول والإمبراطوريات المحيطة بها، وما تلا
ذلك من امتداد المساحة وتوسع دائرة الدولة الإسلامية في العالم آنذاك، مع
ما تحمله الرسالة الإسلامية من قيم وسلوكيات تتمايز فيه عمّا سبقها.
لذلك، كان لا بد من الإطلالة على رؤية سماحة العلامة السيد محمد حسين فضل
الله على هذه الموقعة، ومن منظور قرآني.
كانت معركة بدر أول معركة بين المسلمين والمشركين، بعد
أن عانى المسلمون، وفي مقدمتهم رسول الله(ص)، كل أنواع الاضطهاد والتعذيب
والتشريد، ما اضطرهم إلى أن يهاجروا من مكة إلى المدينة، وكانت هذه
المعركة هي المعركة التي انتصر فيها المسلمون على الرغم من قلة عددهم
وعدتهم، وانهزم فيها المشركون على الرغم من كثرة عدوهم وعدّتهم.
وأفاض الله على المسلمين في هذه المعركة الكثير من
النصر، بالرعب الذي ألقاه في قلوب المشركين، وبالغيب الذي فتح فيه على
المسلمين الجو الملائكي الذي أرسله الله ليعيش في أجواء المعركة.
وقد تحدث الله عن هذه الواقعة في القرآن الكريم في أكثر
من آية، وذكر نقاط الضعف التي كان يعيشها بعض المسلمين، كما يعيشها
الكثير من المسلمين على مدى التاريخ في ساحات الصراع، وقد أراد الله أن
يبين لنا أن الضعف الذي يعيشه بعض الناس في ساحة التحدي ليس غريباً، ولكن
على الأمة أن تحوّل نقاط ضعفها إلى نقاط قوة في اتجاه المواجهة.
إظهار قوة المسلمين
حصلت واقعة بدر، بعد أن تعرض المسلمون لقافلة تجارية
لقريش كانت تمرّ بالقرب من المدينة في الطريق بين الشام ومكة، وذلك
لتأكيد أن الإسلام بدأ في موقع القوة، وأنه أصبح يسيطر على الطريق
الاستراتيجي الذي تتحرك فيه تجارة قريش، ولذلك لا بد لها من أن تحسب
حسابه.
وقد استطاعت القافلة أن تفر إلى طريق آخر، وعندما سمع
المشركون بذلك، استعدوا للهجوم على المسلمين قاصدين المدينة، حتى وصل بهم
الأمر إلى بدر، واستنهض رسول الله(ص) المسلمين للخروج إلى قتال قريش،
وكانت لقريش رهبة في نفوس المسلمين، ولذلك تقاعس البعض منهم وتحمس آخرون،
وكان من عادة رسول الله(ص) أن يستشير أصحابه في كل حرب يخوضها، وعندما
استشارهم، ضعف البعض عندما قالوا: "يا رسول الله، إن هذه قريش ما ذلّت
منذ عزّت"، وكأن هذا البعض يقول إنه ليس لدينا القدرة على مواجهة قريش،
ولكن بعض أصحابه من الأنصار قالوا له: "يا رسول الله، لا نقول لك كما قال
قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت
وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والذي بعثك بالحقّ، لو سرت بنا إلى برك
الغماد لسرنا معك". وانطلق رسول الله(ص) في جماعة قليلة من أصحابه، وفي
عدة قليلة لا تذكر، سواء في الرواحل التي يركبونها، أو في السلاح الذي
يحملونه، ولكن الله نصرهم.
أجواء المسلمين في بدر
ولعل أصدق صورة تصوّر معركة بدر، هي الصورة القرآنية
التي نتلو عليكم بعض آياتها، لنتعرف طبيعة الجو الذي كان يعيشه المسلمون
في تلك المعركة: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} بالحق الذي أراد الله له
أن يقوى، وأن يتحدى، وأن يواجه، وأن يعيش ساحة الصراع، {وإن فريقاً من
المؤمنين لكارهون} (الأنفال:5)، كارهون لخروجك ولخروجهم معك، لما يعيشونه
في هذه القضية من نقاط ضعف، خوفاً من قريش التي كانت تمثل القوة الكبيرة
في المجتمع العربي آنذاك، باعتبارها القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى،
إضافة إلى ما تمتلكه من قوة روحية، باعتبار أنها تشرف على الكعبة وما إلى
ذلك.
{يجادلونك في الحق بعد ما تبيّن} يدخلون معك في جدال أن
تخرج أو لا تخرج، أن يخرجوا معك أو لا يخرجوا، {كأنهم يساقون إلى الموت
وهم ينظرون} (الأنفال:6)، فقد كانوا يعيشون حالة نفسية يتمثلون فيها
موقفهم هذا وأنت تدعوهم للخروج معك لكي يقاتلوا المشركين، حالهم كحال من
يُساق إلى خشبة الإعدام وهو ينظر إلى الخشبة التي سيصلب عليها، أو كمن
يساق إلى الموت وهو ينظر إليه يتمثل أمامه.
{وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم} كان يقول
لهم إما الحرب مع قريش، وإما الغنيمة، أي القافلة التي تتضمن كل أموال
قريش، {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي أنّكم تودّون أن تحصلوا
على الغنيمة بدون الحرب {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته}، وفي ذلك
افتراق بينكم وبين القضية الرسالية؛ إنكم تفكرون في أنفسكم ومطامعكم
وسلامتكم، في حين أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يحق الحق بكلماته ويقطع
دابر الكافرين، لأن الله يريد للمسلمين أن يكونوا هم القوة البديلة عن
قوة المشركين، لأن الناس يتخلصون من حالة الوهن والضعف، فيندفعون إلى
الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجاً، {ويقطع دابر الكافرين}
(الأنفال:7)، حتى يكون الحق هو القاعدة التي ترتكز عليها حياة الناس،
{ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} (الأنفال:8)، الذين واجهوا
الحياة بالجريمة العسكرية للشرك، وبالجريمة العملية باضطهاد الرسالات
والرسل والسير في الخطّ المنحرف.
{إذ تستغيثون ربكم} أي عندما واجهتم أعداءكم، لجأتم إلى
الله، وطلبتم منه القوة بأن يفرج عنكم هذه الشدة الكبيرة {فاستجاب لكم
أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} (الأنفال:9)، أرسل لكم ألفاً من
الملائكة يعيشون معكم جو المعركة {وما جعله الله إلا بشرى} لا يقاتلون
معكم كما تقاتلون، بل أرسلهم ليكونوا بشرى حتى تستقر نفوسكم، ويرفع من
مستوى معنوياتكم، {ولتطمئن به قلوبكم} ليحصل الاستقرار النفسي.
الله يؤيِّد المسلمين بنصره
{وما النصر إلا من عند الله} لأن الله هو الذي يهيىء
أسبابه بالطرق العادية أو بالطرق الغيبية {إن الله عزيز حكيم}
(الأنفال:10) يهيىء لهم الأمور التي تجعلهم يرتاحون فيها {إذ يغشاكم
النعاس أمنةً منه} وهو ما يخفف من تأثير القلق في نفوسهم، فيحصلون على
الأمن النفسي من خلال النوم، {وينـزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به}
لكي يغتسل به الذين كانوا قد أجنبوا نتيجة النوم، كما تقول السيرة،
{ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبِّت الأقدام* إذ يوحي ربك
إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} أي ثبتوا قلوبهم ومواقفهم
ومواقعهم {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} جعل المشركين يعيشون الرعب
من المسلمين على الرغم من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد قريش.
{فاضربوا فوق الأعناق} وهذا خطاب للمؤمنين، أي اقطعوا
أعناقهم {واضربوا منهم كل بنان} (الأنفال:11-12)، اقطعوا أيديهم، {ذلك
بأنهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب*
ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} (الأنفال:13-14) إضافة إلى عذاب
الدنيا.
وفي السّورة ذاتها يقول تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا
وهم بالعدوة القصوى} أنتم في المكان القريب وهم في المكان البعيد {والركب
أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد}، ولكن الله سبحانه وتعالى
رتب القضية بشكل متوازن، أخذ فيه كل واحد منكم موقعه بما يخدم المعركة.
{ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً* ليهلك من هلك عن
بينة ويحيى من حيّى عن بينة وإن الله لسميع عليم} (الأنفال:42)، لأن الله
يريد أن يلقي الحجة على الناس، حتى ينطلق الهالك بعد إقامة الحجة عليه،
وينطلق الفائز من خلال انفتاحه على الحجة.
{إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً
لفشلتم} كأن الله جعل المسلمين يرون المشركين قليلي العدد حتى ينـزع
الخوف منهم {ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلّم إنه عليم بذات الصدور*
وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقلّلكم في أعينهم}، أي يريك
الله إياهم ويريهم إياكم جماعة قليلة، حتى يندفعوا إليكم لتتمكنوا من
مواجهتهم {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وإلى الله ترجع الأمور}
(الأنفال:43)، ثم يقول: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا
واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} (الأنفال:45). وهذا هو الدرس الذي لا
بد للمجاهدين من أن يأخذوا به، وهو أن يتقوا الله ويثقوا بأنفسهم، وأن
يثقوا في مواقع التحدي وفي مواقع الصراع بأن الله سبحانه وتعالى ينصر
عباده {لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} (آل عمران:123)، {وكم من فئة
قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} (البقرة:249).
وهذا هو الذي لاحظناه وشاهدناه في تاريخ بدر، وفي
انتصار المؤمنين المجاهدين في لبنان، الذين هم قلة في العدد والعدة، على
اليهود المحتلين الظالمين وهم كثرة في العدد والعدة، واستطعنا أن نصنع في
هذا البلد بدراً جديدة.
هذا هو درس بدر، وهو أن على الإنسان المسلم أن يثق
بالله، وأن يثق بقوة الإيمان والإسلام، وأن يتحرك في خط إقامة الحق
وإزهاق الباطل، من دون النظر إلى المكاسب الشخصية الذاتية. ولقد لاحظنا
أن المسلمين استطاعوا أن ينزلوا بالمشركين هزيمة كبيرة، بحيث رجع
المشركون مهزومين أذلاء خاضعين، لأنهم فقدوا كل مواقع القوة عندهم. هذا
درس بدر للحاضر والمستقبل، ونحن نواجه أكثر من قوة للشرك وللاستكبار،
{ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} (الحج:40). |