السيرة النبوية > النـزاع بين الفرس والروم

النـزاع بين الفرس والروم

الأسباب:

ترجع الحروب الطويلة بين دولة الروم البيزنطية والدولة الفارسية الساسانية إلى التنافس التاريخي القديم بينهما، كما أنه يرجع إلى اختلاف أشكال الحكم في كل من الدولتين، والعامل الأقوى يعود إلى المصالح المتحكمة في كل منهما، ومنها السيطرة على منابع دجلة والفرات، إضافة إلى المناطق المحاذية لشبه الجزيرة العربية كالشام والعراق.

كانت بادية الشام وبلاد العراق تقع في مجال التجاذب والصراع القائم بين الدولتين، وذلك لأهميتهما في مشاريع السيطرة على بلاد العرب كلها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وكانت هذه البلاد تدخل في إطار الجماعات العربية التي نزحت من بلاد شبه الجزيرة العربية نتيجة تناقص مواردها الزراعية، هذه القبائل لم تشعر بفارق كبير يحملها على عدم الاستقرار في الأرض الجديدة.

إمارات عربية في خدمة الإمبراطوريات

وصادفت هجرة الغساسنة وتنوخ شمالاً تغييرات سياسية هامة ساعدت على تأسيس هاتين الدولتين في القرون الأولى، ففي القرن الثالث انتقل العرش إلى البيت الساساني، ولم يلبث الأكاسرة الجدد أن عمدوا إلى القيام بنهضة شاملة في النواحي الاقتصادية والثقافية والحربية، وترتّب على تلك النهضة أن تطلع الأكاسرة إلى السيطرة على منطقة العراق والشام، لأنهها كانتا الوسيلة للوصول إلى الموانئ التجارية المطلة على البحر المتوسط، ولن تتم سيطرة لفارس بدون إخضاع هذه المنطقة كلها، غير أن أطماع الفرس اصطدمت في تلك المنطقة بأطماع الإمبراطورية الرومانية، وانتقل الأباطرة منذ سنة 330م إلى القسطنطينية ليكونوا على مقربة من الخطر الفارسي وغيره من الأخطار التي هدّدت الرومان في الشرق، ثم اشتدّ اهتمام الأباطرة على وجه الخصوص بالمنطقة منذ القرن الخامس الميلادي، إذ فقدوا دولتهم وعاصمتهم روما نفسها في أوروبا، ولم يبق لهم إلا دولتهم الشرقية وممتلكاتهم في الشرق، وصار يطلق عليها اسم الدولة البيزنطية أو دولة الروم وعاصمتهم القسطنطينية، واتخذت الحروب بين الفرس والروم من أجل السيطرة على منطقتي الشام والعراق طابع الحروب المتقطعة الطويلة المدى، دون أن تسفر هذه الحروب عن نتيجة حاسمة، فإذا قام الفرس بحملات كبيرة على الشام، لا يلبث الروم أن يخرجوهم منها، وكذلك إذا توغّل الروم في شمال العراق وأرمينية نهض الفرس لردّهم على أعقابهم وهكذا.. وأخيراً رأى كل من الفرس والروم أن هذا النوع من الحروب يتطلب الاستعانة بالقبائل العربية المستقرة في تلك المناطق وإدخالها في حظيرة الولاء للأسرة الساسانية أو الأباطرة الروم.

تقرب الفرس إلى القبائل العربية الضاربة في غربي نهر الفرات، واشتهر في تلك القبائل إذ ذاك قبيلة "تنوخ" التي سبق أن هاجرت من بلاد اليمن بعد انهيار سدّ مأرب، ولم يلبث هؤلاء أن اتخذوا من الحيرة عاصمة لهم، وقد أطلق على تلك الدولة أحياناً اسم "إمارة الحيرة" نسبة إلى العاصمة، أو اسم "إمارة اللخميين" التي كان أمراؤها في خدمة مصالح الفرس.

وقام الروم بسياسة مماثلة نحو القبائل الضاربة في جنوب الشام، وأشهرها قبيلة الغساسنة التي نجح الروم في جعلها حليفاً لهم في القرن الخامس الميلادي، واستفادوا منها في أغراض شبيهة بما نهض به اللخميّون لصالح الفرس، ولذا قام الغساسنة بحماية ممتلكات الروم بالشام من غارات البدو فضلاً عن غارات اللخميين حلفاء الفرس.

زوال دولتي الغساسنة واللخميين:

ولم تلبث إمارتا اللخميين والغساسنة أن انهارتا بسبب سياسة كل منهما القائمة على استعداء الآخر، وبسبب خدمة حرب لا ناقة لهم بها ولا جمل، وأخذ الضعف يدبّ في كيانهما. ثم إن الفرس والروم لم يخلصا كل الإخلاص للعرب، ورأوا فيهم مادة لخدمة أغراضهم فحسب.. وبدأ الفرس يقلبون ظهر المجن لدولة اللخميين عقب وفاة "المنذر الثالث"، وساد البيت الحاكم اللخمي صراع حول العرش انتهى بإقصاء الفرس سلالة اللخميين عن العرش، ونصبوا على الحيرة حاكماً عاماً فارسياً دلالة على زوال تلك الإمارة العربية، وتفرق شمل القبائل العربية على أطراف تلك المنطقة (العراق).

ونظر الروم إلى الغساسنة أيضاً نظرة ريبة على الرغم من المجهودات والخدمات التي قدمها لهم "الحارث الأعرج"، ذلك بأن الغساسنة دانوا بالمذهب "المونوفيزيقي" القائل بأن للمسيح طبيعة واحدة، واختلف هذا المذهب عن مذهب الروم المعروف باسم المذهب "الملكاني" والقائل بأن للمسيح طبيعتين إلهية وبشرية، فاعتبر الروم اختلاف الغساسنة معهم في المذهب سبيلاً لانفصالهم عن حد الأمبراطورية، وبدأ أباطرة الروم بعد وفاة "الحارث الأعرج" يلقون القبض على أفراد الغساسنة، وينفونهم إلى خارج الشام، وبذلك انفرط عقد القبائل العربية في بلاد الشام كما حدث لأقرانهم في العراق، ولم ينقذهم من تلك الفوضى الضاربة سوى ظهور الإسلام وقيام حركة الفتوح الإسلامية.

وجه آخر للصراع

كان الصراع بين اليهود والمسيحية متوقعاً حدوثه في القرن السادس الميلادي نتيجة اختلاط الصراع الديني بالأغراض التجارية، إذ وجد "ذو نؤاس" ـ زعيم حمير ـ أن التجار المسيحيين من الروم وعملائهم الأحباش يسيطرون على تجارة البحر الأحمر، ما جعله يعتبر أنهم مسؤولون عن حالة الفقر التي أصابت بلاد اليمن.

وهكذا بدأ ذو نؤاس بشنِّ غارات على التجار المسيحيين عند مرورهم باليمن ونهبهم، وقد تزامن ذلك مع حملة اضطهاد وتعذيب شنها على رعاياه من المسيحيين، لأنه تشكّك في ميولهم نحو التجار من الروم والأحباش لاشتراكهم معهم في الدين، معتبراً أن المسيحيين من أهل بلاده إنما يشكِّلون رمز التدخل الأجنبي في اليمن ومصدر فقرها وشقائها، واستهل "ذو نؤاس" صراعه الديني مع المسيحيين من رعاياه من أهل نجران بإنذارهم بترك دينهم واعتناق اليهودية، وحين رفضوا الإنذار خدّ لهم أخدود النار، وألقى بهم فيه وقضى عليهم حرقاً سنة 523ق.م.

تدخل الروم لمساعدة المسيحيين:

غير أن أحد المسيحيين أفلت من تلك المذبحة الرهيبة التي أعدها "ذو نؤاس" لإخوانه في الدين، وذهب إلى القسطنطينية يطلب النجدة والمساعدة من إمبراطور الروم، وانتهز "جستنيان" تلك الفرصة، وعمد إلى الاستفادة منها لبسط سلطانه على بلاد اليمن وتدعيم مركز بلاده التجاري في البحر الأحمر، وبعث هذا الإمبراطور إلى "نجاشي الحبشة" باعتباره وكيلاً لدولة الروم في رعاية مصالحها بالبحر الأحمر بصفته راعي المسيحيين القريبين منه بإعداد حملة للانتقام من يهود اليمن، وجهّز النجاشي حملة عبرت البحر الأحمر تحت قيادة "أرياط"، ونزلت بلاد اليمن، واستطاع أحد قادة الأحباش واسمه "أبرهة" أن يخلف "أرياط" في قيادة الحملة وينتصر على اليهود، وفرّ "ذو نؤاس" تاركاً اليمن لسادة الحبشة سنة (525م) وأرسل "نجاشي الحبشة" إلى إمبراطور الروم "جستنيان" يزفُّ له نبأ هذا الفوز، وامتداد نفوذ إمبراطوريته بالتالي إلى بلاد اليمن.

حملة أبرهة على مكة:

وصاحب انهيار دولة حمير تدهور أحوال اليمن الاقتصادية وتصدّع سدّ مأرب مرة أخرى، وعمد أبرهة إلى تحسين أحوال البلاد بترميم السد، ولكن من دون أن يحقق أهدافه، ذلك أن انهيار السدّ كان دلالة على التدهور الاقتصادي الذي أصاب اليمن، ولذا حاول أبرهة إحياء المجد التجاري لبلاد اليمن بتحويل التجارة من الحجاز إليها مرة أخرى، فبنى في عاصمته كنيسة ضخمة أسماها العرب "القليس"، واستهدف أبرهة من بناء الكنيسة تدعيم أركان المسيحية في اليمن وخلق منافس للكعبة في مكة التي صارت في ذلك الوقت مركز الحج والحياة الاقتصادية في بلاد العرب الشمالية، واعتقد أبرهة أنه بذلك يستطيع تحويل الحجاج من مكة إلى صنعاء واسترداد الموارد المالية العظيمة التي صارت تتدفق على خزائن مكة.

ويروى أن اثنين من عرب الحجاز انتهكا حرمة كاتدرائية صنعاء "القليس" بأن "دنّساها" في إحدى الليالي التي أقيم فيها عيد من الأعياد، فغضب أبرهة وقاد حملة تأديبية كبرى وهي حملة أصحاب الفيل، لمعاقبة أهل مكة، غير أن "أبرهة" كان يخفي وراء تلك الحملة أغراضه الحقيقية، وهي بسط سيادة الحبشة، وبالتالي الروم على إقليم الحجاز، باعتباره أهم شريان للتجارة بين الشرق والغرب، غير أن الحملة لم تلقَ نجاحاً بسبب تفشي المرض بين الجنود، وهلاك أكثرهم قبل الوصول إلى مكة، ومن وصل منهم تعاملت معه "طير أبابيل" أدت إلى هلاك معظم جيشه فضلاً عن عدم تقدم الفيل باتجاه الكعبة، ما جعل أبرهة يرتد خائباً إلى اليمن في سنة 571م من دون أن يحقق أهدافه، واشتهر هذا العام باسم "عام الفيل"، والذي صار نقطة تحول في تاريخ بلاد العرب كلها، إذ ارتدّ نفوذ الروم إلى بلاد اليمن، وبقيت بلاد الحجاز أرضاً خالية من أية قوة سياسية كبيرة، وفي هذا العام ولد الرسول(ص)، الذي بعثه الله لإنقاذ الأمة وبناء النواة التي حملت رسالة الإسلام إلى العالم أجمع.

سيطرة الفرس على بلاد اليمن:

وعقب عودة أبرهة إلى بلاد اليمن، بدأ الضعف ينتشر في حكم الأحباش، فانتشرت في بلاد اليمن حركات معادية، هدفها طرد الأحباش منها، وقاد هذه الحركة "سيف بن ذي يزن"، ولجأ هذا إلى ملك الحيرة الذي قدمه إلى "كسرى" الفرس "أنوشروان" في عاصمته المدائن.

ووجدت فارس فرصتها لدخول بلاد اليمن تحت ستار مساعدة هذه الحركة، إذ تطلع الفرس إلى طرد الأحباش، عملاء الروم من بلاد اليمن، والسيطرة على تجارة البحر الأحمر، وبعث كسرى "سيف بن ذي يزن" بحملة عددها ثمانمائة رجل، واستطاعت تلك الحملة بفضل مقاومة أهل اليمن للأحباش استرداد حريتهم سنة 575م، وتردد صدى هذا النصر في سائر أنحاء الجزيرة، غير أن هذا التطور السياسي لم يأت بجديد على بلاد اليمن، إذ تخلصت من حكم الأحباش ونفوذ الروم لتقع تحت براثن الفرس، فأقام الفرس إلى جانب "بن ذي يزن" حاكماً من قبلهم يجمع الجزية، ويرقب أحوال البلاد، وظلّ الفرس يبعثون بحكامهم إلى بلاد اليمن خلفاً عن سلف حتى كان آخرهم "باذان"، الذي بعث إليه الرسول الكريم(ص) بكتاب يدعوه فيه مع كسرى نفسه إلى الإسلام، ولم يقدر هذا العامل تلك الدعوة الذي رفض الاستجابة لمحتوى هذه الرسالة غير عابئ بما يترتب على هذا الرفض من نتائج سلبية عليه، وما ذلك إلا لعدم فهمه وإدراكه لطبيعة الدعوة التي كان قد جاء بها النبي محمد (ص).