|
السيرة
النبوية
>
السيرة النبوية
في حركة القرآن والواقع المعاصر
السيرة النبوية
في حركة القرآن والواقع المعاصر
الرسالة في قلبه وعقله:
هو رسالته، لا شيء فيه إلاَّ الرسالة التي اختصرها
في عقله، في قلبه، وفي كلّ سيرته، فكان إنسان الرسالة الذي تجسّدت فيه من
حيث امتدادها في عمق الحياة وكلّ معاني الإنسانية، فحلقت في الآفاق في
حركة تطورية ولكن في رحاب اللّه والدعوة إليه، وعليه يصبح مرفوضا القول
بأنَّ التطور يبعد الإنسان عن اللّه، ذلك انطلاقاً من أنَّ الإنسان يكتشف
كلّ يوم من خلال حركة العلم التطورية سراً جديداً من عظمة اللّه في خلقه،
وهذه الحركية تحتوي الإنسان في كلّ آلامه وفي كلّ أحلامه فإذا ما أطلق
عقله وحرّك قلبه وطاقاته في سبيل خدمة الإنسانية، كان أقرب إلى اللّه
أكثر.
هو رسالته، وهو الذي اختصر الزمن، ونفذ إلى داخله،
فكانت هذه القرون الخمسة عشر كلّها معاً صنع دعوته وحركته، وهذا ما جعل
كلّ الفئات ـ سواء تلك التي كانت تؤيده أو تعارضه، آمنت به أم لـم تؤمن ـ
تعيش آفاقه وتدخل ساحة الصراع من خلال سعة هذه الآفاق. ويبقى صاحب الدعوة
في ضمير كلّ الذين يحرّكون الصراع في الساحة، ليفكر به هذا سلباً وقد
يتطور إلى إيجاب، ويفكر ذلك إيجاباً ينفتح على إيجابية أكثر. وبعبارة
أخرى، لقد اختصر اسمه كلّ هذا الماضي الذي نحن نتاجه، وكذلك انطلق أيضاً
من أجل أن يصنع حاضراً يطل على المستقبل، لأنَّ اسمه ليس من الأسماء التي
يمكن أن تغيب ويطويها الزمن وتصبح تاريخاً في حركة الماضي. ذلك لأنَّ
اسمه الحقيقة، والحقيقة كما تعرفون ليس لها ماضٍ وحاضر ومستقبل، لأنَّها
الحياة، والحياة تحتضن كلّ مفاصل الزمن. ولهذا فنحن لن نتحدّث عنه
تاريخاً، وإن كان تاريخه يصنع لنا الكثير من مناهج الفكر، ومن خطوط
السير، ومن حركة التحدي في ساحات الصراع. لقد علّمنا اللّه سبحانه وتعالى
أنَّ التاريخ ليس قصةً نلهو بها، وشيئاً نستغرق في أحداثه، ولكنَّ
التاريخ عبرة ودرس {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} (يوسف:111).
التاريخ ملك صانعيه:
ولذلك فإنَّه مهما بلغت مواقع العظمة لدى صانعي
التاريخ، يبقى التاريخ ملك الذي صنعوه، سلباً أو إيجاباً، لذلك كلّ ما
حصل قبلنا هو تاريخ أجدادنا، لأنَّهم هم الذين صنعوه، أمّا نحن فلا بُدَّ
من أن نبدأ بصناعة التاريخ، أن نلوّن الزمن بلون فكرنا، وأن نحرّك أحداثه
بكلّ تطلعاتنا وخططنا، وأن نندفع إليه في خطّ السلب تارة والإيجاب أخرى،
ليكون التاريخ الذي يمثّل مرحلتنا في الزمن هو تاريخنا، لا أن نعيش على
هامش الزمن، فمن أراد أن يعيش في صلب التاريخ لا بُدَّ أن يصنع فكره
شيئاً للفكر، وأن تصنع حركته شيئاً للحياة، وأن تتفجر طاقاته لتصنع أكثر
من ينبوع يتدفق فيعطي الحياة الخصب العقلي والرخاء الإنساني {تلك أمّة قد
خلت لها ما كسبت} وكسبها تاريخها {ولكم ما كسبتم} في ما تصنعونه من تاريخ
{ولا تسألون عمّا كانوا يعملون} لأنَّه عملهم لا عملكم.
ولذلك لا معنى لأن نتحرّك لنزهو بتاريخنا، قد تزهو
بآبائك وأجدادك، ولكنَّهم ليسوا أنت، أنت نتاجهم المادي وقد تكون نتاجهم
المعنوي من خلال ما أعطوك من فكر.
وعلى ضوء ما تقدّم، يجب أن نتناول سيرة النبيّ(ص) من
خلال حركة الواقع المعاصر، لأنَّنا نريده أن يزورنا، أن يقودنا، أن يحرّك
أفكارنا، أن يفجر طاقتنا من أجل أن نصنع منها شيئاً يغني الحياة ويغني
الإنسان، ولهذا ليست قضيتنا أن نفكّر ونستغرق في قريش أو في رموزها، أو
أن نستغرق في بني قريظة وبني النضير، وفي خيبر والأحزاب {تلك أمّة قد خلت
لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون} (البقرة:134).
إنَّ قريش موجودة في أكثر من موقع في ساحة التحدي
للإسلام وللتوحيد وللحقّ وللعدل في الواقع. ذلك لأنَّ قريشاً ليست عائلة
في الزمن، بل إنَّها تمثّل نموذجاً من نماذج النّاس الذين يصنعون التخلّف
ويؤكدونه، ويمنعون كلّ حركة فكر باتجاه التقدّم، حتى أنَّهم يمنعون
الإنسان من أن يحرّك تقاليد الآباء والأجداد. منطق قريش هو منطق كلّ
جماعة في الواقع، تقول الآية: {بل قالوا إنّا وجدنا آباءنا على أمّة
وإنّا على آثارهم مهتدون} (الزخرف:22). منطق قريش هو منطق كلّ جماعة لا
تحاول أن تأخذ من فكر الآخرين بل تحافظ على فكرها كما لو كان فكرها
مقدّساً. وقد حدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن ردّ الرسول عليه وآله الصلاة
والسلام فيما جاء في كتاب اللّه: {قال أولو جئتكم بأهدى ممّا وجدتـم عليه
آباءكم قالوا إنّا بما أرسلتم به كافرون} (الزخرف:24).
قريش كانت ترجم الجديد حتى لو كان الجديد رسالة
اللّه، وترفض أن تسمع، بل إنها حرّضت على سامعيه في حركة منها لتمنع
النّاس من أن يفكروا أو يناقشوا ويحاوروا، كي لا يقتنعوا، لأنَّهم لا
يريدون أن يقتنعوا بغير ما ألفوه من قناعات، لأنَّ بعض النّاس يعيش في
الغربة إذا ابتعد عمّا يقتنع، على طريقة المتنبي:
خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع
القلب باكياً
من الذي يخلص للشيب عندما يكون الشباب بديلاً له.
ولكنَّ الألفة قد تجعلك تعيش لتحبّ الهرم والشباب بين يديك، كذلك هو حال
الذين ينطلقون ليحبّوا التخلّف وإشراق الفكر أمامهم.
إذا أردنا أن ندخل إلى الواقع، ولا نغيب في الماضي
ونستغرق في خصوصياته، علينا أن نتمثّل كلّ القضايا والمفردات التي أثيرت
في التاريخ كنماذج، انطلاقاً من كوننا نعيش قضايا حيّة يجب التفاعل معها
وإيجاد الحلول للمشاكل المتفاقمة التي تضغط على حريتنا وحياتنا وأفكارنا
وحركتنا في السياسة والاقتصاد، وبتعبير آخر، نحن نعيش في صلب قضايا
الصراع، بكلّ ما تعني هذه الكلمة من معنى. من هنا علينا أن نهتدي إلى
السبيل الذي يجعلنا نقف على بيّنة من أمرنا مع هذا الفريق أو ذاك،
لنستغرق في المفردات الفكرية، ونحن قادرون على النفاذ إلى عمق هذه
المفردات، ولعلّنا نكتشف جديداً لـم يكتشفه الآخرون، وكم ترك الأول
للآخر، أليست هذه هي سنّة الحياة؟!
نريد أن نعيش السيرة في حركة الواقع المعاصر، ونطرح
القضايا التي يعيشها الإنسان المعاصر، سواء كان الإنسان الذي يلتزم
بالإسلام، وهو مسؤوليتنا، أو الإنسان الذي لا يلتزم به، ولكنَّه يطلّ على
الإسلام من خلال حركته في الواقع، أو من خلال كونه أحد الأطراف المتصارعة
وما إلى ذلك.
في هذا المجال، يجدر بنا أن نتساءل ما هي القضايا
التي طرحتها السيرة ولا يزال الإنسان يواجهها ويطرحها؟!
الفكر وحرية الإنسان:
أولاً: حرية الفكر: وهي أن تتوفر مساحة من الحرية
الفكرية لكي ينطلق الإنسان في إنتاج فكره، بعيداً عن الممارسات القمعية
.. يناقش، ويفكر، ويحاور ويحاكم فكره، لا أن نرجمه بالحجارة، لأنَّ
الحجارة قد تكسر الرؤوس، وقد كسرت بالفعل رؤوس كثير من المفكرين في
التاريخ، ولكنَّها لـم تستطع أن تمنع فكرهم من الانطلاق ليفرض نفسه حتى
على الذين رجموا المفكر بالحجارة.
لذلك ما هو منطق السيرة، ولا سيما السيرة التي نقف
مع أوثق مصدر وأصدق مصدر لها وهو القرآن. إذا أردتـم أن تقرأوا سيرة
النبيّ (ص) بصفائها ونقائها، وكما وصفها اللّه، فما عليكم إلاَّ أن
تقرأوا القرآن قبل أن تقرأوا سيرة ابن هشام، أو سيرة ابن إسحاق، لأنَّ
القرآن هو الصورة الأصلية المضيئة لمعناها، باعتبار أنَّ الرسول (ص) كان
قرآناً متحرّكاً، وهذا المعنى أثارته بعض زوجاته عندما سئلت عن أخلاقه
فقالت: »كان خلقه القرآن«. بناءً على هذا المعطى، كيف نقرأ القرآن؟ فهل
أعطى الحرية للفكر عندما أطلق الرسول (ص) الدعوة؟! {وقل الحقّ من ربّكم}
قل لكلّ النّاس هذا هو الحقّ من ربّكم، اسمعوه واعقلوه جيّداً وفكروا به
{فمن شاء فليؤمن} فالإيمان خيار الإنسان إذا قاد نفسه في الطريق الخطأ.
هناك خطأ وصواب، ولكن يبقى الخطأ خيار المخطئ، والصواب خيار المصيب، لكن
ليتحمّل الكافر مسؤولية كفره، وليتحمّل المؤمن مسؤولية إيمانه {لا إكراه
في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ} (البقرة:256)، الدين لا يمكن أن تكره
أحداً عليه، لأنَّ الدين فكرٌ وعقلٌ، وأنت لا يمكن أن تكره إنساناً على
التفكير بطريقتك إلاَّ إذا أقنعته، كما لا يمكن أن تكره إنساناً على
الالتزام بنهجك إلاَّ إذا أقنعته بسلامة النهج. {لا إكراه في الدين}
لأنَّ الإكراه إنَّما يكون على شيء لا يملك الوضوح، ولكنَّ الدين كما
طرحه اللّه وفيما قدّم اللّه من براهين وحجج وأدلة، واضح وضوح الشمس.
إذاً أنت لست بحاجة إلى أن تكره أحداً على الالتزام بالدين {قد تبيّن
الرشد من الغي} بوضوح الرؤيا {أفأنت تكره النّاس حتى يكونوا مؤمنين}
(يونس:99). ليس دورك كداعية وكرسول أن تكره الناس {فذكّر إنَّما أنت مذكر
* لست عليهم بمصيطر} (الغاشية:21ـ22).
وعندما تقترب المسألة من مسؤولياتك كحاكم، فأساليب
حركة الحاكم في فرض النظام تختلف عن أساليب حركة الداعية لانفتاح النّاس
على الدعوة، لأنَّ هناك فرقٌ بين أسلوب الدعوة وأسلوب الحكم. ومن الملاحظ
أنَّ القرآن الكريم حدّثنا عن كلّ ما قاله الكافرون في تصورهم للّه، وفي
تصورهم للرسول فأخرجوه عن صفاته البشرية، واتهموه بأنَّه كاذب، ساحر،
كاهن، شاعر، مجنون، أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً
{ولقد نعلم أنَّهم يقولون إنَّما يعلّمه بشرٌ لسان الذي يلحدون إليه
أعجمي وهذا لسان عربي مبين} (النحل:103).
نقل لنا القرآن الصورة كما كانت عليه، وهذا سرّ قوّة
الإسلام وسرّ قوّة رسول اللّه (ص) في دعوته، فلم يخش من أن تخلّد اتهامات
شخصية كما يخشى الكثيرون منّا ممّن يملك موقعاً، أن يتحدّث النّاس بما
يتهم به، فضلاً عن أن يكتبوا ما يمكن أن يخلّد في الاتهامات التي تُصاغ
له، إنَّ الإسلام يعرف أنَّ المستقبل سوف يكون أوعى من الحاضر الذي عاش
فيه، فإذا كان النّاس هناك يصرخون عندما يصرخ أبو جهل من دون أن يفكروا،
أو كانوا يهتفون بما يهتف به هذا أو ذاك من خلال حقد أو عداوة، فإنَّ
الكثيرين في المقابل يفكرون ويتعقلون عندما يصرخ الصارخون ويهتف
الهاتفون.
ولذلك فإنَّه لا يخاف من يملك عمق الحقّ في رمز
الحقّ وفي خطّه أن تخلّد كلّ السلبيات التي تنسب إليه، لأنَّ الفكر
الواعي سوف يحوّلها إلى إيجابيات. أيّة حرية أعظم من هذه الحرية التي
يخلّد اللّه لنا فيها الاتهامات التي كانت توجه للقرآن وللرسول (ص).
حرية فكر مسؤولة:
وفي المحصلة، يريد اللّه للأجيال، من خلال ما يفكرون
به عندما يرون هذه الصفات تتهاوى أمامهم، أن يؤمنوا من خلال عقل يحاكم
الاتهامات بالفكر وليس بالوجدان كما كان يحصل من قبل.
في الأسلوب القرآني حرية فكر، فاللّه يريدنا أن نفكر
بكلّ حرية، ولكن أن لا تكون الحرية حركة في الفوضى، ومنطلقة من عقدة، بل
أن تكون حرية منطلقة من مسؤوليتنا عن أنفسنا وعن الفكر الآخر، لذلك لا
بُدَّ لمن يملك حرية الفكر أن يحافظ على هذه الحرية، وأن ينطلق حواراته
من مواقع الفكر لا من مواقع الغوغاء، إنَّ ما نستوحيه من القرآن، ومن بعض
كلمات تلميذ القرآن الكريم الإمام جعفر الصادق (ع)، أنَّ الشك ليس كفراً،
إذا شككت وبقي شكك يلاحق الحقيقة في حركة الفكر فلست بكافر. وقد ورد في
بعض الرِّوايات أنَّ شخصاً جاء الإمام الصادق (ع) قال له: »رجل شكّ في
اللّه؟ قال: كافر، قال شكّ في رسول اللّه؟ قال: كافر، ثمَّ قال: وقد سكت
الرّجل، إنَّما يكفر إذا جحد، وقال لو أنَّ النّاس إذا جهلوا وقفوا ولـم
يجحدوا لـم يكفروا«.
ممّا تقدّم، يتبيّن أنَّ الشكّ في الإسلام هو بداية
رحلة الإنسان نحو الحقيقة. وهكذا نجد أسلوب الحوار عند رسول اللّه (ص) في
القرآن هو نفسه للآخر كما لو كان شاكّاً. وهل يمكن أن تتصوروا رسول اللّه
شاكّاً في دينه وهو على الهدى قد جاء بالصدق وصدق به، لكن ماذا علّمه
اللّه أن يقول في الحوار؟!
{قل من يرزقكم من السَّماوات والأرض قل اللّه وإنّا
أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سبأ:24). {إنّا أو إيّاكم}؟ هذه
لغة شك ولكنَّه شك حواري وليس شكّاً عقلياً وفكرياً يريد أن يجتذب الآخر
ليتقمّص شكّه ويصل إلى مرحلة الشكّ التي يبحث فيها عن الحقيقة مقابل شك
يبحث عن الحقيقة وعندها ينطلق إلى الحقيقة.
إذاً حرية الفكر في الإسلام حرية مسؤولة، يعبّر فيها
الفكر عمّا عنده في مواقع العلم لا في مواقع الجهل أو الغوغاء أو الفوضى.
ولذلك فإنَّه يحمي هذه الحرية، فعندما يأتي إنسان ليعرض فكره، فإنَّ
الإسلام يحتضنه ويجلس معه من خلال علمائه ومفكريه حتى يقيموا الحجة عليه
أو يعذروه، ولن يعذر، لأنَّ الإسلام يملك الحجة التي تفتح عقل الإنسان
على الحقّ. وعلى ضوء هذا، علينا أن لا نحرّك كلمات الكفر والزندقة
والهرطقة والارتداد لمجرّد فكر يبدو لنا أنَّ صاحبه انحرف عن الخطّ،
فلعلّه اجتهد في ما يمكن الاجتهاد فيه، أو غفل عن الاجتهاد فاجتهد في ما
لا يمكن الاجتهاد فيه غفلةً، وفي هذا المجال، يجب علينا أن نعطيه العذر
حتى نسمعه، ونفسح له بالمجال حتى يدافع عن نفسه، وبعد ذلك يمكن أن نحكم
عليه بالارتداد أو بغير ذلك.
وبعبارة أخرى، الأسلوب الموضوعي في مواجهة فكر الآخر
هو الذي يمكن أن يجذب إلينا الآخر، ومهمتنا كدعاة إلى اللّه أن نجتذب
الآخر.
فإذا أردت أن تكون حراً مستقلاً، يجب أن تكون إرادتك
حرة، أن يكون قرارك حراً، أن تكون إنسانيتك حرة، لا يستعبدك أحد ولا
يقهرك من موقع ما يملك من قوّة.
ولذلك علينا إذا أردنا أن ننطلق اتجاه الحرية، أن
نجعل كلمة التوحيد هي القاعدة التي ننطلق فيها.. (لا إله إلاَّ اللّه)
أنت عبد للّه وحده، وحر أمام النّاس كلّهم، وأمام الكون كلّه، ليس لأحد
أن يضغط على حريتك لمجرّد أنَّه يملك سلطة أو سلاحاً أقوى أو مالاً أكثر،
اللّهم إلاَّ في دائرة النظام الطبيعي الذي يعيش فيه النّاس من أجل أن
يأمنوا على حياتهم.
لذلك الإسلام يقول لك أنَّك حر، حيث (لا إله إلاَّ
اللّه) {إنَّ الذين تدعون من دون اللّه عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا
لكم إن كنتم صادقين} (الأعراف:194). وقد عبّر الإسلام بشكل أوضح بأنَّه
لا سيطرة لإنسان من موقع إنسانيته على إنسان آخر مهما بلغت درجة الغنى في
الإنسانية عنده {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللّه فإن تولَّوا
فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون} (آل عمران:64).
لن يكون الإنسان ربّاً للإنسان، سواء أكان ربّاً
صغيراً أو متوسطاً أو كبيراً أو ما إلى ذلك. لذلك أنت حر، وهذا ما أشار
إليه الإمام عليّ (ع) بقوله: »لا تكن عبد غيرك وقد خلقك اللّه حراً«،
حريتك هي جزء من وجودك، وعندما يدخل شيء في سر وجودك وفي عمقه، فليس من
حقّك أن تمنحه لأيّ إنسان آخر، لذلك أنت لست مسلماً ـ كما هو الإسلام في
حرية إنسانه وفي عنفوانه ـ إذا استعبدت نفسك أو فكرك أو قرارك لغيرك،
ربَّما تقتنع بفكر الآخر، أو تنسجم مع قراراته، فيبقى القرار قرارك وإن
كان منطلقاً من قناعاتك بقراره، ثمَّ غداً يوم القيامة يوم تأتي كلّ نفس
تجادل عن نفسها سيسألك اللّه عن قرارك، كيف فكرت، وعلامَ اعتمدت في
تأييدك أو خذلانك؟! {واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو
جازٍ عن والده شيئاً} (لقمان:33)، أنت وحدك المسؤول {وكلّهم آتيه يوم
القيامة فرداً} (مريم:95).
إنَّ حريتنا هي سرّ وجودنا، وبما أنَّ اللّه خلق لنا
عقلاً حراً وإرادة حرة، وخلق لنا جسداً يمكن له أن يمارس حركته بحرية،
فسيسأل اللّه غداً كيف مارست حريتك؟ كيف حرّكتها؟ كيف أنتجتها في كلّ
مجال؟ حريتك في نطاق فرديتك وفي نطاق حياتك الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية وغير ذلك.
حوار الأديان:
من القضايا التي يطرحها الإنسان المعاصر مسألة
الحوار بين الديانات، هل أنَّ اختلافنا في الدين ـ مسلمين ونصارى ويهود ـ
يفرض علينا أن لا يكلّم بعضنا بعضاً، وأن لا يحاور بعضنا بعضاً، وأن لا
نعيش مع بعضنا البعض؟ أم أنَّ الإسلام يفتح عقل الإنسان على الحوار مع
الآخرين، ويفتح حياته على التعايش معهم؟! لنقرأ ماذا قال اللّه لرسوله،
فاللّه عندما يقول لرسوله (قل) فإنَّه لا بُدَّ للرسول من أن يتحرّك في
هذا القول في كلّ الواقع، في التعايش، في الجدال، {ولا تجادلوا أهل
الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن إلاَّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي
أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}
(العنكبوت:46). هذا الخطاب يرسي قواعد التعايش {نؤمن بما أنزل إلينا
وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد} ونلاحظ الاستثناء {إلاَّ الذين ظلموا
منهم} جادل اليهود بالتي هي أحسن من مواقع يهوديتهم، لتتحدّث عمّا هو
الفرق بين اليهودية والإسلام، ولكن عندما يتحوّل اليهود إلى ظالمين
يحتلون فلسطين وما حولها، ويعيثون في الأرض فساداً، ويقهرون البلاد
والعباد، عند ذلك لن تكون المسألة مسألة جدال، إنَّما تكون مسألة ظلم لا
بُدَّ أن يحارب بكلّ ما توفر من وسائل وإمكانيات، لأنَّ القضية في هذا
المجال هي قضية ظالـم ومظلوم، واللّه يرفض الظلم من أيّ مصدر أتى، حتى
أنَّه لا يجوز لمسلم أن يظلم نصرانياً أو يهودياً في حقّه.
وقد جاء في كتاب الكافي في بعض الرِّوايات عن أئمة
أهل البيت (ع) أنَّ اللّه أوحى إلى نبيّ في مملكة جبّار من الجبّارين:
»أن آت هذا الجبّار، وقل له إنّي إنَّما استعملتك لتكف عنّي أصوات
المظلومين، فإنّي لن أدَعَ ظلامتهم ولو كانوا كفّاراً«.
الظلم لا دين له، هو قضية الإنسان كلّه، والعدل لا
دين له، هو قضية الإنسان كلّه، وإن كان العدل هو أساس الدين كما جاء في
القرآن الكريم، فإنَّ الرسالات كلّها تنطلق من حركة عدل {لقد أرسلنا
رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط}
(الحديد:25). فقيام النّاس بالقسط هو سر حركة الأنبياء، وهو سر إنزال
الكتب، لذلك يقول القرآن لنا: {وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125)،
لأنَّ الجدال بالتي هي أحسن هو أسلوب الدعوة في الإسلام: {ادع إلى سبيل
ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل:125).
هذه هي القاعدة الأساس لحركة الحوار الإسلامي ـ
المسيحي، والإسلامي ـ اليهودي، ويمكن أن يمتد إلى الحوار الإسلامي ـ
الإلحادي وإلى الحوار الإسلامي ـ البوذي، لأنَّ الجدال بالتي هي أحسن هو
الأسلوب الذي يتعمده الإسلام مع كلّ النّاس الذين يريد أن يدعوهم إلى
الهدى، أمّا مسألة التعايش {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم ألاّ نعبد إلاَّ اللّه ولا نشرك به شيئاً}. تعالوا لنقف على الأرض
المشتركة، على أرض التوحيد التي نؤمن بها وإيّاكم وإن اختلفنا في تفاصيله
{ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللّه} (آل عمران:64). فكما أنَّ
وحدة اللّه هي القاسم المشترك بين الأديان، كذلك هي وحدة الإنسانية، حيث
لا يعلو معها إنسان على إنسان {إنَّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم}
(الحجرات:13). لذلك، الإسلام هو دين الحوار ودين التعايش مع الآخرين، حتى
أنَّ اللّه أرادنا أن نمارس العدل مع النّاس الذين لا يحاربوننا {لا
ينهاكم اللّه عن الذين لـم يقاتلوكم في الدين ولـم يخرجوكم من دياركم أن
تبّروهم وتقسطوا إليهم إنَّ اللّه يحبّ المقسطين} (الممتحنة:8).
فاللّه يقول عندما يكون الآخر مسالماً تجاهك عليك أن
تعدل معه، أن تبره وأن تحسن إليه. الإسلام هو دين التعايش، وهذا ما دلّت
عليه معاملة المسلمين لليهود والنصارى الذين عاشوا طيلة هذه القرون في
البلدان الإسلامية، لـم يتعرضوا فيها للقهر والطرد من ديارهم، بل عاشوا،
لا سيما اليهود، في حالة احترام ورعاية مع المسلمين أكثر ممّا عاشوا مع
النصارى في أوروبا وغيرها من المناطق، ومع ذلك سرهم أنَّهم ينقضون عهد
اللّه من بعد ميثاقه وهكذا فعلوها.
تحاور العالـم في كلّ شيء:
على ضوء هذا، فإنَّنا ننطلق مع هدي القرآن لنحاور
كلّ العالـم، في كلّ شيء، ما عدا الظالمين، وهذا بالطبع يخرج إسرائيل من
دائرة الحوار في هذا الموضوع. فمهما كان، فإن اللّه سبحانه وتعالى قد
حاور إبليس بكلّ موضوعية، مع قدرته سبحانه وتعالى على قمعه، وهو الذي
يقول للشيء كن فيكون، ولذلك فإنَّ النّاس مهما كانوا شريرين فلن يكونوا
أكثر شراً من إبليس. وعلى ضوء هذا، ومن خلال هدى القرآن، نحاور كمسلمين
العالـم، نحاورهم في العقيدة والشريعة، وفي السياسة والاقتصاد، وفي كلّ
أوضاع الإنسان من عادات وتقاليد.
وبعبارة أخرى، نحن لا نتعقّد من الحوار من أيّ شيء،
لأنَّ اللّه في القرآن علّمنا أن نحاور حتى في وجوده، وفي توحيده، حيث
يمثّل وجوده وتوحيده حقيقة الحقائق، هو الحقيقة بكلّ ذاته، ولكنَّ اللّه
أراد لنا أن نحاورهم لنزيل هذا الغطاء من عيونهم العقلية، لننقلهم من عمى
العقل إلى بصر العقل. لهذا أن تحاور الآخر في ما تعتبره حقيقة، ليس معناه
أن تتنازل عن قناعتك بالحقيقة، ولكنَّ السبيل إلى أن تصل معه إلى الحقيقة
هو أن تعطيه المجال لكي يطرح فكره حتى لو كان فكره خطأ، لتستطيع من خلال
ذلك أن تنبهه إلى مواقع الخطأ.
العنف قضية الساعة:
من القضايا المعاصرة التي يطرحها الواقع قضية العنف،
حيث يتحدّث العالـم كلّه في مؤتمراته الدولية والإقليمية عن العنف،
محاولاً أن يعطي العنف صفة الإرهاب، حتى في المجالات التي تعنف فيها
الشعوب من أجل أن تنقذ نفسها وثرواتها من سيطرة المستكبرين. ولذا يوسم
بالإرهاب والتخلّف كلّ من تختلف سياسته عن سياسة الاستكبار العالمي، الذي
يحاول أن يسرق ثروات الأمّة ويصادر قراراتها، لكي لا تتحرر الأمّة من
هيمنته السياسية والاقتصادية والأمنية وما إلى ذلك.
هل الإسلام دين عنف؟
من هنا ينطلق السؤال: هل الإسلام دين العنف؟ لقد
أدمن المستشرقون على اتهام الإسلام بالعنف، لأنَّ الإسلام دين جهاد،
والجهاد بنظرهم ما هو إلاَّ حركة عنف تقمع الشعوب لتدخلها في الإسلام أو
من أجل السيطرة عليهم، وهذا محض افتراء، لأنَّنا عندما نقرأ آيات الجهاد
في القرآن، فإنَّنا لا نجد فيها جاهدوا لتقمعوا، جاهدوا لتقهروا، جاهدوا
لتسقطوا إنسانية الإنسان، بل {وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم}
(البقرة:190) {وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرّجال
والنّساء والولدان الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالـم
أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} (النساء:75).
ولذلك أين يكون العنف إذا تخفف الإنسان من كلّ
أساليب الضغط على حريته من خلال سماعه لكلمة الحقّ، وجعل كلّ كيانه للّه،
في أن يقاتل من يريد أن يقاتله ويمارس الضغوطات عليه، يقاتل الذي يقهر
المستضعفين، لأنَّ من مسؤولياته حمايتهم من المستكبرين. ولكن هناك أموراً
يمكن أن يعالجها الإنسان بالحكمة والرفق، وهذا ما نقرأه من خلال السيرة
في القرآن وكتب السيرة، حيث جاء في بعض كتبها »أنَّ رسول اللّه (ص) كان
جالساً ذات يوم وإلى جانبه زوجته أم المؤمنين عائشة ومرّ يهودي وقال له:
السام عليك، كأنَّه يريد أن يوحي إلى النبيّ أنَّه يسلّم عليه وأنَّه
ابتلع السلام بطريقة خاصة ليقول النبيّ له وعليك السلام، فيذهب ويسخر من
النبيّ بأنَّه لـم يلتفت إلى ما يتكلّم به النّاس الآخرون، فأجابه النبيّ
(ص) (وعليك). هنا ثارت عائشة وبدأت تسبّ هذا اليهودي لأنَّه يدعو على
النبيّ بالموت من خلال قوله: (السام عليك)، فأشار النبيّ (ص) إليها وقال:
يا عائشة، إنَّ الفحش لو كان ممثلاً لكان مثال السوء، إنَّ الرفق ما وضع
على شيء إلاَّ زانه وما رفع عن شيء إلاَّ شانه، وإنَّ اللّه رفيق يحبّ
الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف«.
وهذا يعني أنَّ الإنسان إذا تعرّض لمشكلة وكانت
الحلول المطروحة لمعالجتها إمّا بالرفق أو العنف، فلو حلّها بالرفق فإنَّ
اللّه يعطيه من الثواب أكثر ممّا يعطيه من الثواب لو حلّها بالعنف. هل
هذا دين عنف؟!
ونرجع إلى القرآن لنقرأ سيرته {ولا تستوي الحسنة ولا
السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنَّه وليٌ حميم}
(فصلت:34).
بين أسلوب اللين وأسلوب العنف:
حاول أن تتخذ الحسنة فهي أسلوب لين، وابتعد عن
السيئة فهي أسلوب عنف، ولا يتساوى الأمران، بل ادفع بالتي هي أحسن
بالطريقة الأحسن، بالأسلوب الحسن، لتحوّل من خلال ذلك أعداءك إلى أصدقاء،
فالمنهج الإسلامي في التعاطي يدعو لأن يكون المسلمون أصدقاء للعالـم، بأن
يحوّلوا أعداءهم إلى أصدقاء بدل أن يحوّلوا الأصدقاء إلى أعداء، كما نفعل
نحن اليوم، وفي هذا الإطار قال عليّ (ع): »أعجز النّاس من عجز اكتساب
الإخوان وأعجز منه من ضيّع من ظفر به«.
وعلى ضوء ما تقدّم، يثبت بالبرهان بأنَّ المسلمين
ليسوا إرهابيين، بل يحبّون السلام، ويحسنون إلى من سالمهم، فاللّه يقول:
{لا ينهاكم اللّه عن الذين لـم يقاتلوكم في الدين ولـم يخرجوكم من دياركم
أن تبروهم} (الممتحنة:8).
وهذا يعني أنَّ الإسلام يدعونا إلى أن نقدّم الخير
والإحسان، وأن نعدل مع الآخرين، وذلك بأن لا نظلم أحداً في العالـم حتى
لو كنّا نختلف معه في الرأي أو في أيّ موقع من المواقع. وبتعبير آخر،
فإنَّ تجارب المسلمين السابقة واللاحقة تدل على أنَّنا لسنا إرهابيين،
ولذلك أنكرنا كلّ عمليات الخطف التي استهدفت الأبرياء أو السفن أو
الطائرات، وقلنا إنَّ هذا الأمر لا وجود له في إسلامنا، وهو غريب عن
عاداتنا وتقاليدنا، إنَّما الغرب هو الذي درج على القيام بمثل هذه
الأعمال الإرهابية، نحن تعلّمنا القيام بمثل هذه الأعمال من الجيش
الفرنسي الذي قام بخطف المهدي بن بركة الزعيم المغربي المعارض. نقول إنَّ
فرنسا سابقاً هي غير ما عليه الآن، ولكن نتدرج بالسؤال: من أقدم على خطف
طائرة أحمد بن بلّا؟ إذاً الإرهاب صفته غربية وليست شرقية، فهل الألوية
الحمراء والإيرلنديون الذين ما زالوا يباشرون حتى الآن ما يسمى إرهاباً
في بريطانيا وما أشبه ذلك من العصابات الموجودة في أمريكا وفي أوروبا
التي تمارس القتل والخطف من أجل الحصول على المال، يعودون إلى أصول
شرقية؟! بالنسبة لواقعنا الإسلامي، فقد بدأت هذه الأعمال تمارس بعد أن
استعمرت بلادنا، وقد قلت لأحد سفراء فرنسا، وفرنسا كانت تمثّل بالنسبة
للبنانيين الأم الحنون: لقد تعلّم اللبنانيون الخطف من أمّهم الحنون في
ممارسة أسلوب الخطف حتى باتوا يخطفون بعضهم البعض قبل أن يقوموا بخطف
الأوروبيين والأمريكيين وغيرهم.
ومن الجدير ذكره في هذا المجال، أنَّنا نرفض الإرهاب
جملة وتفصيلاً، لأنَّنا من أكثر الناس معاناة له، وخاصة من الإرهاب
الصهيوني في فلسطين الذي اقتلع شعباً من جذوره ليطرده من بلاده نهائياً
ويأتي بدلاً منه بشعب آخر، وفوق ذلك، فإنَّ الإرهاب يملك غطاءً دولياً
واسعاً في أكثر من موقع، حتى من قبل الذين يتحدّثون عن حقوق الإنسان
ويرجمون الكثير من المواقع التي تختلف عن سياستهم ويتهمونها بأنَّها ضدّ
حقوق الإنسان.
نقولها بالفم الملآن بأنَّنا لسنا إرهابيين ولا نحبّ
العنف، ولكن لا يمكن أن نقدّم ضمّة ورد لمن يطلق علينا صاروخاً {فمن
اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} (البقرة:194).
هذا هو العدل، نحن لا نؤمن بالعنف إلاَّ إذا كان
حركة من أجل قمع عنف آخر، أو من أجل الوقاية من عنف آخر. كما أنَّنا نرفض
ممارسة العنف عندما نملك حريتنا ونملك ثرواتنا ونملك استقلالنا.
وبعبارة أخرى، الإسلام هو دين رفق وليس دين عنف
ولكنْ هناك عنف مبرّر وهو ما كان وسيلة للرد على الآخر، وهذا العنف موجود
في كل واقع حضاري وإلاَّ ما معنى وجود كلّ وزارات الدفاع والحرب في
العالـم؟ لماذا يحارب النّاس في كلّ العالـم؟ إنَّهم يحاربون للدفاع عن
أنفسهم وعن أمنهم واقتصادهم وعن سياستهم وعن قراراتهم. نحن لا نفعل أكثر
من ذلك، عندما ينطلق الاستكبار العالمي ليتحدّث عن المقاومة بأنَّها حركة
إرهاب، وكذلك يتحدّث عن سوريا بأنَّها دولة داعمة للإرهاب، باعتبار
أنَّها تدعم المقاومة في لبنان وفي فلسطين، ويتحدّث عن كلّ دولة تدعم
حركة الشعوب لنيل حريتها بأنها دولة داعمة للإرهاب، ولكنَّه لا يتحدّث
بأنَّ الاحتلال الإسرائيلي وقتله للآمنين هو حركة إرهاب، وهي التي افتعلت
كلّ المجازر ومارست كلّ صنوف الإرهاب، فمن الذي نسف فندق الملك داود في
أيام الانتداب؟ ومن الذي قام بكلّ المجازر من دير ياسين إلى مجزرة قانا؟
والمهزلة في ذلك أنَّ الاستكبار العالمي يدافع عنها بكلّ ما أوتي من
قوّة، ويدّعي بأنَّ ما تقوم به يصبّ في الدفاع عن نفسها، سواء كان في
لبنان أو في الضفة الغربية وغزة وحتى في قصفها للمفاعل النووي العراقي.
وفوق ذلك، فهم يفتحون كلّ القاموس السياسي ليختاروا
منه الكلمات التي يرجموننا بها من أجل أن يشوهوا صورتنا في هذا العالـم.
علينا إذاً أن نعمل من موقع أصالتنا وإيماننا بحريتنا، ومن أجل الحفاظ
على كرامتنا وعزتنا، أن نؤكّد منطقنا ونحافظ على قاموسنا، حدّثنا اللّه
عن الشيطان والذي يمكن أن يكون من شياطين الجنّ والإنس، لنستخدم كلمة
الشيطان، وحدّثنا اللّه عن المستكبرين والمستضعفين لنستخدم هذه الكلمة.
هذه كلماتنا انطلقت من عمق أصالتنا وديننا وقرآننا وتاريخنا، ولذلك فإنَّ
كلّ كلمة من هذه الكلمات محمَّلة بكلّ هذه المسيرة التي عاشتها هذه
الكلمة حتى اختزنت كلّ إيحاءاتها وكلّ ما فيها من انفتاح، لذلك لا تخافوا
من كلماتهم واتهاماتهم، لا تستغرقوا في خططهم. القصة كلّ القصة أن نفكر،
أن نخطط، أن نعرف من نحن، وماذا نريد قبل أن نفكر بما يريد الآخرون؟!
مشكلتنا في هذا الشرق أنَّنا مشدودون إلى الآخرين،
ماذا تريد أمريكا؟ وماذا تريد اليابان والصين؟ ولا نفكر بماذا نريد،
لأنَّنا عندما نفكر ندرك ونعي ما يريده الآخرون، فإمّا أن نتوافق معهم أو
نرفض ما يريدونه، ولأنَّه لا نستطيع أن نكون أمّة تملك سرّ الحضارة وقوّة
الموقع والموقف إلاَّ إذا عشنا وآمنّا بكلّ ما نملك من هذه الأصالة
وانفتحنا على اللّه من موقع أن نستمد منه القوّة: {الذين قال لهم النّاس
إنَّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا اللّه
ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل لـم يمسسهم سوءٌ
واتبعوا رضوان اللّه واللّه ذو فضل عظيم }
(آل عمران:173ـ174).
أخيراً نبقى مع الشعار المبدأ والقصة، حيث ينطلق
التفسير لحركة المجتمع في الواقع {إنَّما ذلكم الشيطان يخِّوف أولياءه}
ذلك لأنَّ سياسة التخويف هي سياسة شيطانية يخاف منها أولياء الشيطان {فلا
تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران:175) لأنَّه عندما نخاف اللّه
وحده، ونواجه خلق اللّه من موقع ما أعطانا اللّه من قدرة، سنحقق النصر،
ونتكامل مع سيرة الرسول (ص)، كما جاء في قوله تعالى: {إذ أخرجه الذين
كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنَّ اللّه
معنا فأنزل اللّه سكينته عليه وأيّده بجنود لـم تروها وجعل كلمة الذين
كفروا السفلى وكلمة اللّه هي العليا واللّه عزيز حكيم} (التوبة:40).
ذلك هو معنى السيرة النبوية في حركة الواقع المعاصر، فهل نعود من
جديد ليقودنا رسول اللّه (ص) في صراعنا مع الكفر كلّه والاستكبار كلّه،
لا يزال الطريق مفتوحاً {إنَّ الذين قالوا ربّنا اللّه ثمَّ استقاموا
تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم
توعدون} (فصلت:30). |