|
السيرة
النبوية
> الجدال
بين أهل الكتاب والمسلمين
الجدال بين أهل الكتاب والمسلمين
الإسلام يجادل اليهود والنصارى:
يحدِّد القرآن الخطّ المستقيم الذي أراد اللّه للحياة
أن تسير وفقه في العقيدة والعمل، ويشجب الخطوط المتعرِّجة المنحرفة التي
يسير عليها الناس في الواقع، فقد واجه هؤلاء الذين ينغلقون على أنفسهم
ليجعلوا من الدين انتماءً فئويّاً لا ينفتح إلاَّ على جماعةٍ معيّنةٍ
وأفق ضيّق، فكانوا يقولون للنّاس إنَّ طريق الهدى لا يتّسع لغير اليهود،
في ما يقوله اليهود، أو لا يتسع لغير النصارى في ما يقوله النصارى، وكان
الجواب أنَّ طريق الحقّ أوسع من ذلك؛ فإذا كان اليهود والنصارى يؤمنون
بإبراهيم وملّته، فإنَّ ملّة إبراهيم هي الملّة التي تلتقي عليها كلّ
الخطوط، باعتبارها تمثّل خطّ التوحيد الخالص الذي يستوعب كلّ الرسالات
ويحتضن كلّ الأنبياء، فلا يضيق عن أحد، ولا ينغلق على فئةٍ، فهو الدِّين
الحقّ الذي يهتدي به المؤمنون، أمّا الذين يعرضون عنه، فهم الذين لا
يريدون للحياة أن تهدأ وتطمئن وتسير في الطريق المستقيم، بل يثيرون فيها
الشقاق والخصام الذي لا ينتهي إلى أية نتيجة مما يحاولونه من الأهداف
الشريرة، مهما عملوا ومهما امتدوا في أساليبهم، لأنَّ اللّه سيتكفَّل بهم
في الدنيا والآخرة، فقد وعد نبيّه بأنه سيكفيه عدوانهم وشرّهم، وهو
السميع لكلّ ما يفيضون فيه من قول وما يثيرونه من مشاكل، وهو العليم
بسرّهم وعلانيتهم.
وبالعودة إلى شخصية إبراهيم؛ فاليهود يعتبرون ـ أو هكذا
يوحي أسلوبهم العملي ـ بأنَّ إبراهيم كان يهودياً، والنصارى يعتبرون ـ أو
هكذا يوحي أسلوبهم العملي ـ أنَّ إبراهيم كان نصرانياً... ويحسم القرآن
الموقف بإثارة التساؤل في معرض الإنكار، فينفذ إلى مواجهة معلوماتهم عن
إبراهيم ليتساءل في صيغة إنكار: هل أنتم أعلم أم اللّه؟!... ومن البديهي
أنهم لا يستطيعون إلاَّ الإقرار بأنَّ اللّه أعلم من خلال إيمانهم الذي
يزعمون... وفي هذا الجوّ، يتحرّك الموقف من حركة الرسالة في الحوار،
ليوحي بأنَّ اللّه قد عرّفنا، بما لا يقترب منه الشك، أنَّ إبراهيم لم
يكن يهودياً ولا نصرانياً، بل كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين.
ولذلك يعتبر القرآن القياس في صحة سلوكهم هو انسجامهم مع ملّة إبراهيم،
باعتبار أنَّ رسالة موسى وعيسى كانت سائرةً في هذا الاتجاه، فإذا كان
هناك انحراف عنها، فمعنى ذلك أنهم يسيرون على غير هدى هاتين الرسالتين.
وهذا ما دلَّ عليه القرآن دلالة واضحة، ورسم خطوطه في
مشهد تصويري رائع، في ما تحدثت عنه الآيات 135 ـ 141 من سورة البقرة،
والتي يركز في بعض منها على اعتبار الإسلام الصفة التي لا تعادلها صفةٌ،
والميزة التي لا تقاربها ميزة في ما تشتمل عليه من المعاني الكبيرة التي
ترفع مستوى الإنسان في الدنيا والآخرة، لأنها تمثّل خطّ العبادة للّه
سبحانه في أصدق معانيها وأوضح خطوطها في استقامةٍ وإيمان، ثُمَّ يواجههم
بالحقيقة التي أرادوا أن يتهرّبوا منها، وهي أنَّ اللّه لا يكون لجماعةٍ
دون جماعةٍ، ولا لشعبٍ دون شعب، بل الخلق كلّهم متساوون أمامه في
عبوديتهم له وربوبيته لهم، فلا معنى لمحاجّتهم في اللّه على أساس ما
يزعمونه من العلاقة الخاصة التي تربطهم به وتشدّهم إليه في ما يعبّرون
عنه بأنهم «شعب اللّه المختار»، وفي ما يتخيلونه من أنَّ الطريق إليه لا
بُدَّ من أن تمر بهم، فهو {رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}...
وفي هذا الاتّجاه، تتحرّك الحقيقة الثانية من خلال
الحقيقة الأولى؛ وهي أنَّ الأعمال تشكل القاعدة التي ترتكز عليها العلاقة
القوية بين العبد وربّه، ليواجه فيها الإنسان مسؤوليته أمام اللّه من
خلالها من دون أن يتحمّل أحدٌ مسؤولية أحدٍ في عمله، فلكلٍّ عملُه،
ولكلٍّ مسؤوليته في هذا الاتجاه، {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ
أَعْمَالُكُمْ} ثُمَّ يحدّد الموقف الحقّ الذي يلتزم به المسلمون كطابعٍ
بارز للشخصية التي تتميّز بالإخلاص للّه في النية والعمل.
ولذلك نجد أن القرآن يواجه اليهود بالحقيقة الصارخة،
وهي أنهم يعرفون ذلك تمام المعرفة، ولكنَّهم يكتمون هذه المعرفة ويمتنعون
عن أداء الشهادة، وهذا يعتبر من أشدّ أنواع الظلم، لأنه تمرُّدٌ على
اللّه، وظلمٌ للحقيقة واعتداءٌ على النّاس وعلى الحياة. ثُمَّ يختم الآية
بما يشبه التهديد، فإنَّ اللّه ليس بغافل عمّا يعملون، فهو الرقيب عليهم
في الدنيا والحاكم عليهم في يوم القيامة..
كما نلاحظ أنه لم يغفل الحديث عمّا سيؤول إليه مصير
المسلمين، ملفتاً إلى الفكرة الأساسية التي يتحرّك في نطاقها التاريخ في
حياة النّاس، فإنَّ التاريخ لا يحمّل الفئات اللاحقة مسؤولية الفئات التي
عاشت فيه، كما أنَّ الفئات السابقة لا تتحمّل وزر الفئات اللاحقة، لأنَّ
المسؤولية لا تتحرّك إلاَّ في المجال الذي يتحرّك فيه العمل وتنطلق معه
الحياة... أمَّا التاريخ، فهو كتاب الحياة الذي يحمل الدروس والعبر من
جيل لآخر، لتعيش الأجيال الفكرة الحقّة من خلال تجاربها وتجارب الآخرين
في السير الواعي لحركة الحضارات...
المسلمون وتحدّياتهم لليهود والنصارى:
ولا يتوقف القرآن عند الجدال لأهل الكتاب وبالخصوص
لليهود، بل ينـتقل إلى التحدي والمواجهة بعدما تبين له عقم الجدال معهم،
ولذلك أراد أن يختط للمسلمين طريقة ومنهجاً يتربى عليه المسلمون في
المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه في المدينة، على مواجهة التحدّيات الآتية
من الآخرين حول بعض التشريعات الإسلامية الصادرة من رسول اللّه أو بعض
الأوضاع العامّة التي كانت تواجه المسلمين آنذاك، وتثير بعض التساؤل
والحيرة واللغط، ما قد يؤثّر على تماسك الجماعة المسلمة ويفسح في المجال
لمزيد من الارتباك والاهتزاز.
وقد تبرز أهمية هذا الاتجاه في الملاحظة التالية، وهي
أنَّ التحدّيات الكافرة قد تحدث في المراحل التي يعيش فيها المسلمون
البساطة في الوعي والثقافة، والسذاجة الروحية والفكرية في مواجهة المشاكل
المستجدّة، ولا سيما إذا كانت نظرتهم إلى تلك الفئات المتحدّية، نظرة
تتّسم بالاحترام الداخلي لمعلوماتهم العامّة، من خلال الاعتقاد بأنهم
يملكون المعرفة الشاملة بالكتاب المتضمن لأحكام اللّه وآياته، باعتبارهم
أهل الكتاب، فقد يترك ذلك تأثيراً كبيراً على نظرتهم إلى القضايا المثارة
أو المشاكل المطروحة، عندما يواجهون ذلك كلّه من خلال العجز الفكري عن
المناقشة والتحليل.
وقد تصدت الآيات 142 ـ 151 الواردة في سورة البقرة
لقضية شغلت المجتمع الإسلامي والمجتمع الكافر المضادّ، وشكلت صدمةً
للجميع، وذلك أنَّ المسلمين كانوا يتجهون في عباداتهم منذ بداية الدعوة،
إلى بيت المقدس الذي يتجه إليه اليهود والنصارى من أهل الكتاب، فجاء
التشريع الجديد لينسخ ذلك ويحوّل القبلة إلى الكعبة، فأدّى ذلك إلى إثارة
أهل الكتاب، لأنهم كانوا يجدون في صلاة المسلمين إلى بيت المقدس نوعاً من
أنواع التبعية العملية لهم، وسبيلاً من سُبل إضلال البسطاء من المسلمين
بالإيحاء إليهم بأنَّ ذلك يدل على أنَّ الحقّ معهم، كما أنهم اعتبروه
خسارةً لأحد مواقعهم العملية التي تؤكد أصالتهم ومواقعهم المتقدّمة من
الكتاب والنبوّات.
أمّا المسلمون، فقد عاشوا صدمة ذاتية، لاشتمال ذلك على
أسلوب جديد غير مألوف لديهم في التعامل مع التشريع الذي ساروا عليه مدّة
طويلة، بإلزامهم بالوقوف منه موقف الرفض العملي الذي يستبدل موقفاً
بموقف، فيعتبر السير على التشريع ـ على أساس ذلك ـ انحرافاً عن الخطّ
الصحيح، مما لم يكن لهم سابق معرفةٍ به، ولم يكونوا في إعداد نفسي له، بل
جاء مفاجأةً كبيرةً لهم، وصدمةً نفسية إيحائيةً من خلال أساليب اليهود
الذين حاولوا أن يثيروا أمامهم المشكلة الفكرية في النسخ، وذلك من خلال
طرحها وفق الصيغة التالية: إذا كان حكم اللّه هو التوجه إلى بيت المقدس،
فمعنى ذلك أنَّه الحقّ وأنّ غيره هو الباطل، فكيف يتغيّر حكم اللّه إلى
شيء آخر لتنقلب النظرة إليه في النظرة إلى الحقّ والباطل في القضية
نفسها، وكيف يمكن أن ينسب ذلك إلى اللّه الحكيم في كلّ ما يفعله من أفعال
وما يشرِّعه من أحكام ما دامت المصلحة لازمة للأشياء، وما دام الحكم
تابعاً للمصلحة التي تمليه؟! ولم يكن لدى المسلمين من المعرفة بأسس
التشريع وطبيعة مساره ما يمكِّنهم من الدخول في جدل أو مناقشة حول ذلك مع
هؤلاء.. وهكذا عاش المسلمون جواً من الريب والحيرة، وبدأوا يواجهون حالةً
متوترة من الضوضاء والقيل والقال، بالمستوى الذي تحوّل الموقف فيه إلى
عُقدة كبيرة تهدّد المسيرة الإسلامية في ذلك المجتمع.
وكان القرآن بالمرصاد لذلك؛ فقد خاض المعركة بكلّ
الأساليب الضرورية التي يحتاجها الموقف، سواء في ذلك الأساليب الفكرية
التي تواجه طبيعة التشريع، أو الأساليب العاطفية التي تخاطب مشاعر
المسلمين وعواطفهم، أو الأساليب العملية التي تواجه المسلمين بالواقع
الداخلي لأهل الكتاب في ما يمارسونه من أساليب اللفِّ والدوران والتضليل
ضدّ المسلمين، واستهداف القرآن أن يعرِّف المسلمين بالموقع الذي يريد
اللّه للأمّة أن تقفه في الكون في قيادة العالم إلى الشاطىء الأمين، ما
يجعل من القضية مدخلاً قرآنياً لتربية المجتمع المسلم على مواجهة
التحدّيات بالفكر والعاطفة والواقعية، ولتأكيد الخطّ القرآني الذي لا
يترك المسلمين في حَيرة أمام علامات الاستفهام التي تثور في وجدانهم حول
قضايا العقيدة والتشريع، بل يعمل على أن يجد لهم الأجوبة التي ترضي
قناعاتهم الفكرية، وتمنحهم الشعور بالرضى والاطمئنان والثقة بما يعتقدون
ويعملون، من أجل تركيز هذا التشريع في وعي النّاس، وتربية المجتمع المسلم
على الانطلاق إلى الحياة من خلال القواعد الثابتة المنطلقة من أمر اللّه
ونهيه في كلّ ما يريد اللّه أن يغيره أو يبدله من تشريع أو غيره، ليعي
المجتمع من خلال ذلك طبيعة علاقته باللّه وحدودها، ويعرف أنَّ المسلم لا
يملك أمام كلمة اللّه أيّة إرادة تقوده إلى الرفض أو التشكيك؛ بل هو
التسليم المطلق في كلّ شيء، كما توحي به الآية الكريمة:{وَمَا كَانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّه وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن
يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّه
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً} }الأحزاب:36{.
وقد حدّثنا اللّه في هذه الآيات عن الكلمات التي يمكن
أن تقال، وعن التصوّرات التي ينبغي للمسلم أن يعيشها أمام تلك الكلمات،
وعن طبيعة هذا التبدل في التشريع، في حكمة اللّه، وفي نتائجه العملية على
سير الدعوة، وعن التصوّرات والاهتمامات النفسية التي كانت تشغل بال
النبيّ محمَّد (ص) قبل ذلك، وعن الدور الكبير الذي أعدّه اللّه لهذه
الأمّة في حملها للرسالة وشهادتها على النّاس وشهادة الرسول عليها أمام
اللّه.
وفي هذا الجوّ المتنوّع، ينطلق القرآن ليربط المسلمين
بالخطّ الأصيل الذي يسيرون عليه، فلا يتزحزحون ولا ينحرفون عن الخطّ
الإسلامي الحقّ إلى خطوط الآخرين، بحجّة أن يجلبوا الآخرين إلى صفوفهم،
مهما كانت نسبة الانحراف ضئيلة، وذلك بالعمل على الانطلاق بعيداً في
تحليل واقع المجتمع المضادّ بالمقارنة مع الواقع الذي يعيشه النبيّ
والمسلمون إزاء عقيدتهم، وتحليل طبيعة العلاقة التي تشدّهم إلى اللّه
وتربطهم به، فهو الذي يجب أن يخشوه ويلجأوا إليه ويطلبوا رضاه.
وقد أكّد القرآن بشكلٍ ملحوظٍ على المسلمين الالتزام
بهذا التشريع، ليكون ذلك رمزاً لوحدتهم في الموقف والشعور، لأنه يمثّل
القاعدة الروحية التي يرتبطون بها ويتجهون إليها، وهي هذا البيت الذي
انطلق بالتاريخ الديني الرسالي الأول من أجل أن تبدأ الرسالة منه من جديد
في عهدها المحمَّدي الجديد.
وعلى هذا، لم تكن عملية التشريع منطلقة من موقع انفعال
مضادّ ضدّ التشريع بالتوجه إلى بيت المقدس، بل كان الرسول(ص) يحمل
تطلّعاً روحياً إلى قبلة جديدة تنسجم مع أجواء الرسالة الإسلامية التي
انطلقت من البلد الحرام والمسجد الحرام، واعتُبرت امتداداً للخطّ
الإسلامي الذي بدأه إبراهيم في مُنطَلقِه الروحي من الكعبة... وكانت
مشاعره تتصاعد في ابتهال داخلي كمثل الدعاء الصامت الذي يعبّر عن نفسه
بالنظرات الخاشعة التي توحي وكأنها تنتظر شيئاً كمثل الهاجس الداخلي الذي
يشبه الوحي.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ} في
تطلّعٍ ابتهالي ينفتح في روحية دعائية على ربه، في تعبير عن الرغبة
العقلية التي تنطلق من حسابات دقيقة في مصلحة الرسالة، ومن إيحاءات
شعورية في وعي التحدّي اليهودي ضدّ الإسلام، وذلك في دعاءٍ هادىء يرتفع
إلى اللّه، من دون اعتراض على تشريعه للقبلة الأولى، وتوسل إليه أن
يبدلها إلى القبلة الجديدة ـ وهي الكعبة ـ التي تنسجم مع موقع الرسالة
الذي يتجذّر في حركة الأمّة، من خلال الإحساس بأنَّ الدِّين الجديد بحاجة
إلى قبلة جديدة تمثّل رمز الوحدة الحركية للأمّة.
فإنَّ اللّه الذي أراد لإبراهيم أن يؤذّن في النّاس
بالحج إلى الكعبة، أعطاها معنى الطهارة والقداسة والخصوصية المميّزة في
اعتبارها بيته المحرّم الذي طهَّره ـ من خلال إبراهيم ـ للطائفين
والعاكفين والركّع السجود، كما جعله مثابةً للنّاس وأمناً، وغير ذلك من
الخصوصيات الداخلية والخارجية التي تميّزه عن بيت المقدس. فقد صنعت
الكعبة على عين اللّه ولم يكن ذلك لبيت المقدس.. وهكذا تقبّل اللّه
ابتهالاته ودعواته، وجاء الوحي ليقرّر التشريع للقبلة الجديدة التي
يرضاها اللّه كما رضيها رسوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا
فَوَلِّ وَجْهَكَ} يا محمَّد {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، أي حوِّل
نفسك في توجهاتك العبادية نحو المسجد الحرام الذي يحتوي الكعبة ـ القبلة
باعتبارها جزءاً منه؛ {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ} أيها المسلمون، {فَوَلُّواْ
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وتوجهوا إليه، ليكون رمز وحدتكم في اتجاهكم نحو
بيت اللّه الذي هو المسجد العالمي، سواء كنتم في البحر أو في البر، أو في
السهل أو في الجبل، أو في الجوّ أو في الشرق أو في الغرب، ولا تنحرفوا
عنه إلى غيره يميناً أو شمالاً ولا تستدبروه. وقد انطلق التدقيق بالقبلة
من خلال التحديد الصريح في ضرورة التوجه إلى المسجد الحرام، حتى أصبح
هناك ما يقارب تأسيس علم القبلة.
وهكذا كانت القبلة الجديدة في حركة التشريع استجابةً
للتطلّعات الروحية النبوية، بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من المصالح
الإلهية التي يريد اللّه للنّاس أن يحصلوا عليها من خلال ذلك... وهكذا
وجَّه اللّه نبيه إلى جهة المسجد الحرام لاشتماله على الكعبة، وهو قائم
يصلي في مسجد بني سالم في ما تنقله روايات أسباب النـزول، ودعا المسلمين
إلى التوجه إليه في أيِّ مكانٍ كانوا... وأثار أمامه قضية أهل الكتاب
الذين لا ينطلقون من الواقع في ما ينطلقون فيه من حديث وإثارة، بل
ينطلقون من العناد والمكابرة والكذب...
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} ولا سيما
اليهود الذين بادروا بالاعتراض وأوحوا للمنافقين أن يرفعوا الصوت عالياً
بذلك، بعد أن كانوا يتحدّون النبيّ ويستعلون عليه لتوجهه إلى قبلتهم نحو
بيت المقدس، {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}. قال في
مجمع البيان: «أي يعلمون أنَّ تحويل القبلة إلى الكعبة حقّ مأمور به من
ربهم، وإنما علموا ذلك لأنه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبيّ من
صفاته كذا وكذا، وكان في صفاته أنه يصلّي إلى القبلتين. ورُوي أنهم قالوا
ـ عند التحويل ـ: ما أُمِرتَ بهذا يا محمَّد، وإنما هو شيء تبتدعه من
تلقاء نفسك مرة إلى هنا، ومرّةً إلى هنا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية،
وبيّن أنهم يعلمون خلاف ما يقولون». وربما كان وصفهم بأهل الكتاب في
الآية إيحاءً بأنَّ تحويل القبلة موجود في الكتاب، لأنهم يعلمون أنَّ
الخطّ الذي تسير عليه في العقيدة وفي التشريع هو الحقّ من ربهم، وذلك في
ما تحدّثت به التوراة التي يعرفونها جيّداً ويخفونها عن النّاس، وهم
يظنّون أنَّ اللّه يغفل عنهم في ما يدبِّرون من مكائد، ولكنَّ اللّه لا
يغفل عنهم وعن أعمالهم في أيّ حال،{وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا
يَعْمَلُونَ} من الخطط التخريبية العدوانية التي يخططونها في حركتهم
المضادة للنبيّ، من أجل أن يصدّوا عن سبيل اللّه ويفتنوا النّاس عن دينهم
الحقّ، فهو المطّلع على كلّ شيء من أمور عباده.
وقد فضح القرآن اليهود وكشف الأساليب المتبعة من قبلهم،
من قبيل الخديعة وكتمان الحق، والابتعاد عن البر والفضيلة وإشاعة الرذيلة
والتآمر على الأنبياء وقتلهم وما إلى ذلك من أساليب الخداع والتزوير.
ونشير هنا إلى بعض مسلكيتهم والأساليب التي اتبعوها مع المسلمين.
بنو إسرائيل بين الخديعة وكتمان الحقّ:
كان اليهود يتبعون في مواجهة الإسلام أسلوبين:
الأول: أسلوب الخداع والتمويه، وذلك بتلبيس الحقّ
بالباطل، وإثارة الشبهات والالتباسات في قضايا الإيمان والتشريع، حتى
يجعلوا الحقّ خفياً على النّاس، بحيث يقف الإنسان بين الحقّ والباطل، فلا
يقدر على التمييز بينهما... وهذا ما يحاول الكثيرون إثارته وممارسته في
حياتنا الآن، في ما يحرّكونه من أساليب التشكيك في فكر الإسلام وطبيعته،
وفي انتصار الإسلام وإمكانيات وصوله إلى الهدف الكبير في الحياة؛ وقد
مارسه اليهود في الماضي ولا يزالون يمارسونه في الحاضر بأساليبهم
المتنوّعة.
الثاني: أسلوب كتمان الحقيقة وإخفائها، فقد كانوا
يملكون الكثير من المعلومات والأدلة التي تؤكد صدق الرسول في رسالته،
ولكنَّهم كانوا يخفونها عن النّاس، لأنهم لا يريدون للإسلام أن يأخذ
مكانه الطبيعي كقوّة رسالية إلهية في الحياة، حسداً وبغياً من عند
أنفسهم. وهذا الأسلوب هو ما نواجهه تماماً في صراعنا مع الكفر والإلحاد،
عندما ينكرون كثيراً من دلائل الحقّ التي يعلمونها، لئلا يكون منه حجّة
عليهم في ما يقبلونه وفي ما يرفضونه منه، وهذا ما أشارت إليه الآية
الكريمة بوضوح في قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ولا بُدَّ لنا من الإشارة إلى نقطتين لتوضيح معنى
الآية:
النقطة الأولى: إنَّ الفرق بين حالة كتمان الحقّ وحالة
تلبيسه بالباطل، هو أنَّ هناك قضايا لا يستطيعون اللعب عليها، لعدم
قابليتها لذلك في مدلولها الفكري والعملي، فكانوا يلجأون إلى كتمانها عن
النّاس لئلا يعرفوا وجه الحقّ فيرتبطوا به، وهناك قضايا لا تخلو من
الغموض والخفاء في تفاصيلها الدقيقة، فكانوا يلجأون إلى خلطها بالباطل من
عند أنفسهم، ليلبسوا على النّاس دينهم، ويلعبوا من خلال ذلك في ما يريدون
من شؤون اللعب بالحقّ والباطل.
النقطة الثانية: إنَّنا نلاحظ في القرآن أنه يتوجه إلى
أهل الكتاب لا إلى الأمّة في قضية كتمان الحقّ أو تلبيسه بالباطل، مع
أنَّ من المفروض ـ في ما يبدو ـ أن يطلب من الأمّة أن تتعرّف وجه الحقّ
وخلوصه من الباطل من خلال قراءة التوراة والتدبّر فيها، ولكن الظاهر أنَّ
النّاس كانوا لا يملكون سبيلاً إلى الاطلاع على التوراة ليطّلعوا على ما
فيها، لأن اليهود كانوا يحتكرونها ويخفونها عن النّاس، ولا يظهرون لهم
إلاَّ ما يريدون إظهاره، كما أنها لم تكن معرَّبة حتى يعرف النّاس لغتها
لو قدروا على الحصول عليها، فكانت طريقة المعرفة الوحيدة هي طريقة الأخذ
من علماء أهل الكتاب، ولهذا رأينا القرآن الكريم يتجه إليهم ليتحداهم أن
يظهروها للنّاس ليكشف لهم ما فيها من حقائق، وهذا ما تظهره الآية
الكريمة: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ} (آل عمران:93).
{وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ
وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة:43).
*{وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى
تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ * قُولُواْ ءَامَنَّا باللّه وَمَآ أُنزِلَ
إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ
النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُمْ
بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّه وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللّه
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ * قُلْ
أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّه وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ
أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ
تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ
أَمِ اللّه وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّه
وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْـألُونَ عَمَّا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
** {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النّاس مَا وَلاّهُمْ عَن
قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للّه الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ *
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى
النّاس وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا
الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً
إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّه وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيعَ
إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * قَدْ نَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا
كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّه
بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ
بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ
الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ وَإِنَّ
فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *
الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* وَلِكُلٍّ
وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا
تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّه جَمِيعًا إِنَّ اللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّه بِغَافِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ للنّاس عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ولأتمّ نِعْمَتِي
عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.. |