السيرة النبوية >  إشكالية النص ومنهج الدراسة

السيرة النبوية: إشكالية النص ومنهج الدراسة

لـم يكن العمل الإسلامي بدعاً من الأعمال... لنبحث له عن جذور جديدة، أو بالأحرى، لنغرس له جذوره في أعماق الحياة، بل هو امتداد للعمل الرسالي، جذوره متأصلة في غور التاريخ، بحيث يختزن في داخله حركية الرسالات والنبوات الغنية بالتجارب العملية في مجال الدعوة، أسلوباً وحركة وجهاداً وتضحية في سبيل اللّه، كما يستمد حركيته من الرسالة الإسلامية المنطلقة في حياة النبيّ محمَّد (ص) في رسالته وجهاده وتضحيته وطريقته في الحياة وفي أسلوب العمل وطريقة التبليغ من حياة الأئمة والصحابة والمجاهدين والعلماء العاملين والدعاة المسلمين في كلّ زمان ومكان.

وإذا كان للعمل الإسلامي هذه الجذور الدينية العميقة المتأصلة في أعماق التاريخ، فلا بُدَّ لنا أن نلتفت إلى كلّ التجارب الماضية في مجال الحركات الرسالية، بأن لا نغفل ما رافقها من نكسات وانتصارات، وما أعقبها من أرباح وخسائر، وما طرأ عليها من مفاهيم موافقة للخطّ الرسالي أو مخالفة له.. وما حدث فيها من انقسامات على أساس اختلاف الفكر، أو اختلاف الموقف، أو اختلاف المصالح والأطماع.. لما لذلك كلّه من تأثير على طبيعة العمل في إطار الفكرة أو على طبيعة الحركة أو إطار الأسلوب أو على طريقة الممارسة في نطاق التطبيق، باعتبار أنَّ ذلك يمثّل بعضاً من ثقافة أفراد الأمّة بانتماءاتها ورواسبها المختفية ـ في اللاشعور ـ التي تترك بصماتها على حركة العمل المعاصر تبعاً لخضوع الإنسان المسلم لتلك التأثيرات، كما أنَّه يرسم الفكرة الدينية وصورتها في وعي النّاس وفكرهم، وربَّما يولد لهم مشاعر قد تأتي أحياناً متناقضة تبعاً لتناقض الصور التاريخية للتجارب الدينية المتنوعة، ما يسمح لهم بتحديد مواقفهم الإيجابية والسلبية على هذا الأساس.

وقد يمتد في عمق الفكرة وشموليتها، فيغنيها بالحياة تارة من خلال اتجاه أو تفسير أو تجربة حيّة، ويفقرها تارة أخرى من خلال الاتجاهات التي لا تملك الغنى الروحي في المعاني الحيّة للحياة، وقد يجمّدها في بعض المفاهيم والأفكار ويحرّكها في بعض آخر.. وربَّما يعزلها عن الأمّة في جانب أو يدخلها في جانب آخر إلى صميم حياتها. وهكذا يبقى للتاريخ الرسالي بكلّ جوانبه المشرقة والمظلمة دوره الكبير في حركة الرسالة وامتدادها في نطاق الحاضر والمستقبل.

الاستفادة من التاريخ وطرق الارتباط به:

وهنا يكمن السؤال: كيف نواجه التاريخ، وكيف نرتبط به؟ وكيف نستفيد من تجاربه..؟

ولكن قبل ذلك لا بُدَّ لنا من استعراض الأساليب والطرق التي نعالج فيها ذلك التاريخ للاستفادة منها في فهم قضاياه.

من الملاحظ أنَّنا ندرس التاريخ بشكل تقريري جامد، ينقل القصة من خلال استيحاء قداسة الرسول لا قداسة الرسالة، أو بالأحرى من خلال شخصية صاحب الدعوة، دون التفات إلى حركة الرسالة في حركته وشخصيته؛ ومن هذا المنطلق تبدأ دراسة تاريخ الرسول (ص) كسيرة ذاتية للرجل لا للرسول تصل إلى حدّ تمثّل فيه الرسالة عن طريق العرض حدثاً من أحداث حياته الخاصة، أمّا أخلاقه وأساليبه في العمل فهي من مميزاته الفريدة التي لا يمكن لأحد أن يبلغ شأوها أو يقترب من مستواها، فلذا لا مجال لدى هذا الاتجاه للاحتجاج على تأسي المسلمين بأخلاق النبيّ وأعماله، لأنَّ تلك المميزات من خصائصه الذاتية وليست ميزة إسلامية يمكن للمسلمين أن يقتدوا بها في حياتهم العامّة للتدرج في مدارج الكمال.

وقد شارك هذا الاتجاه في تركيز العلاقة بين الأنبياء وأتباعهم على أساس شخصيّ، ما جعل التقديس الروحي يتجه إلى الأشخاص أكثر ممّا يتجه إلى الرسالة.. فنراهم ينصرفون إلى ممارسة الطقوس التي تمثّل الإخلاص للنبيّ، والاحتفال بذكراه وزيارة قبره، بينما لا نجد مثل هذا الاهتمام بممارساتهم لواجبات الرسالة وطقوسها والتزاماتها.. وقد تدرج هذا الوضع إلى مرحلة إنشاء نوع من أنواع المدح النبوي الذي يتغزل فيه المادح بحسن النبيّ وجماله ويقف ليثبت فيه وجده ولوعته وشوقه تماماً كما يتغزل أيّ حبيب بحبيبه.

التوازن بين حبّ الرسول وحبّ الرسالة

هذه الأجواء توجد نوعاً من الانفصام وعدم التوازن بين حبّ النبيّ الشخص وحبّ النبيّ الرسول حبّ النبيّ الرسالة من جهة أخرى، لأنَّك لا تشعر بالرسالة في هذه الأجواء إلاَّ من خلال الجانب الذاتي الذي يثير الحبّ المنفصل عن حبّ الرسالة.

وبتعبير آخر، إنَّ هذا الأسلوب التقريري التقليدي في فهم علاقاتنا بالرسول هو الذي أدّى إلى هذه النتائج الفكرية أو العملية.. لأنَّنا لـم نشعر بالرسالة وهي تتحرّك في مراحل القصّة وأدوارها، بل كان كلّ شعورنا يتركز على الرسول، وهو يتحرّك، فتتحرّك الرسالة من خلاله، لتفهم تبعاً لفهمه، وهذا ما نتحفظ فيه، ونرفضه انطلاقاً من منهج القرآن الكريم الذي كان يتحدّث عن الرسول من خلال الرسالة، سواء في أخلاقه أو محاوراته، في حربه وسلمه، وفي علاقاته بالنّاس وبأهل بيته وأزواجه.. ثمَّ أطلق الفكرة الإسلامية الواضحة التي تدفع المسلمين إلى الانتماء إلى النبيّ من خلال صفته الرسالية، ليكون الانتماء إلى الرسالة بالذات، وذلك في قوله تعالى:

{ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتـم النبيين} (الأحزاب:40).

{وما محمَّد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين} (آل عمران:144).

وهكذا نجد أنَّ القرآن عندما يتحدّث عن الأنبياء الذين تقدّموا على النبيّ (ص) في الزمان، ينطلق من الفكرة التي لا تخرجهم من إطار البشرية ـ إلاَّ في نطاق الرسالة وارتباطهم المباشر باللّه من طريق الوحي ـ فيمرون في حياة النّاس مروراً خفيفاً، بحيث تبقى الرسالة وتخلد، أما هم فسيموتون كما يموت سائر النّاس، وهذا ما جعلهم يعملون لتحقيق ارتباط النّاس بالرسالة، فلم يتحدثوا عن أنفسهم إلاَّ من خلالها، كما جرت عادة البعض ولو في كلمة أو إشارة عمل ليستحدثوها بعدهم من دون أن يكون لهم دخل في ذلك.

وقد نجد ذلك في الآيات التي تتحدّث عن حوار نوح عليه السلام مع قومه.. حيث نلاحظ أنَّه وقف أمامهم وقفة الرسول الناصح الأمين الذي يبلّغهم رسالات ربِّه ولا يملك لنفسه أيّ شيء خارج هذا الإطار، ولا يستطيع أن يغيّر أو يبدل في مهمته وفي التعليمات الموجهة إليه، لأنَّه يخاف من المسؤولية ومن العقاب تماماً كأيّ مسؤول آخر يتجاوز حدود مسؤوليته أو يتمرّد عليها..

{ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إنّي لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلاَّ اللّه إنّي أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنّكم كاذبين * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي وآتاني رحمة من عنده فعمّيت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلاَّ على اللّه وما أنا بطارد الذين آمنوا إنَّهم ملاقو ربِّهم ولكنّي أراكم قوماً تجهلون * ويا قوم من ينصرني من اللّه إن طردتهم أفلا تذكّرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم اللّه خيراً اللّه أعلم بما في أنفسهم إنّي إذاً لمن الظالمين} (هود:25 ـ 31).

نلاحظ من خلال هذه الآيات أنَّ نوحاً لـم يحاول أن يربط النّاس بذاته من خلال أيّ شيء غير عادي، بل حاول أن يبعدهم عن احتمال أيّ شيء من هذا القبيل، ممّا اعتاد النّاس أن يظنّوه أو يرغبوه أو يزعموه للأنبياء من قوة خارقة مادية وروحية.. ثمَّ انطلق يدافع عن موقفه من أتباعه الفقراء، من موقع الرسالة التي تحترم أتباعها، ومن مركز الرسول الذي لا يخذل المؤمنين، بل من الموقع الذي يخشى فيه اللّه القوى المسيطرة في المجتمع.

وإذا اتّبعنا حديث القرآن الكريم عن الأنبياء لوجدنا أنَّه ينطلق من نفس الفكرة ونفس الروح ونفس الأسلوب.

وعلى ضوء هذا نبدأ الجواب عن السؤال: كيف نواجه ذلك التاريخ؟! فقد نجد أنَّنا نواجهه كتاريخ للرسالة التي نحملها، من حيث تجسيده للتجارب الأولى في حركتها الصاعدة، وهذا ما يوجب علينا أن ندرسه دراسة متأنية تنطلق من روحيته الهادفة إلى استلهام تجاربه الناجحة، في تجاربنا العملية، وأن نستوحي من خطواته المتعثرة ما يجنبنا الوقوع في عثرات الخطوات المماثلة، مع استبعاد القضايا التي تخضع لحدود الزمان والمكان، فلا تمتد إلى غير مرحلتها الزمانية، ولا تتسع لغير ظروفها المكانية.. وبتعبير آخر، لنأخذ النتائج العامة الشاملة التي تحتضن كلّ تطورات الحياة، بعناصر الأساسية الغير خاضعة لقوانين التغيّر والزوال، لأنَّها تخاطب الإنسان في حدود إنسانيته وجوهرها الأصيل. وفي ضوء ذلك، لا تعود شخصية النبيّ في نطاق التاريخ مجرّد شخصية تاريخية مقدسة نتعاطف معها في خشوع كما يتعاطف الإنسان مع مقدساته في غيبوبة صوفية غائمة، تجترّ الألفاظ والعواطف والمعاني التقليدية بشكل تقليدي مملّ.. بل تعود شخصية النبي إلى وعينا، لتمثّل دور القوّة الفاعلة المحرّكة للرسالة في حركة التاريخ، فتكون صلتنا بها صلة رسالية، سواء في الجوانب الفكرية أو الشعورية.

وتشمل دراسة التجربة النبوية، في هذا المجال، عناصر النجاح في شخصية النبيّ الداعية، من حيث هي عناصر لنجاح الدعوة ودراسة عناصر الفشل، في طبيعة الواقع الموضوعي الذي يحيط بالتجربة ويشكل عقبات أمام تقدم الدعوة ونموّها. كما ينبغي دراسة أساليب الدعوة، وطريقة العمل، ونوعية الحركة وما تشتمل عليه من إيجابيات وسلبيات، مع الالتفات إلى التنوع في المؤثرات التي تحكم الأسلوب العملي في التجربة، وذلك عن طريق استبعاد المؤثرات الآنية المنبثقة عن الظروف الموضعية المحدودة، واستبقاء المؤثرات المنطلقة من طبيعة الدعوة، ثمَّ دراسة ردود الفعل الناتجة عنها... ومدى تأثيرها على سير الدعوة في داخل وخارج المناطق التي تحرّكت فيها... وفي انعكاس النجاح والفشل على شخصية أتباع الدعوة وأعدائها، وعلى امتدادها إلى خارج حدود الزمان في أجيال جديدة ومواقع متقدمة.

الصبر والصمود في التجربة النبوية:

وقد ينبغي لنا التأكيد في هذا المجال على جانب الصمود والصبر في التجربة النبوية، من خلال تصوّر الأوضاع الصعبة والظروف القاسية، وألوان العذاب والاضطهاد والتنكيل، وما استخدم من أساليب الحرب النفسية التي تمثّلت بالسخرية والاستهزاء والتخويف والتهويل.. وغير ذلك من الأمور التي اتّبعها الطغاة ضدّ الأنبياء وأتباعهم.

قد نخرج من التأكيد على هذا الجانب والإفاضة فيه بفوائد ثلاث:

الأولى: التركيز على قيمة الدين في إغناء المؤمنين بالرصيد الروحي الكبير المتصل باللّه، الذي يمدّهم بالقوّة ويشحنهم بالقدرة على مجابهة مواقف الاضطهاد بالصبر الهادئ والنفس المطمئنة، كما أنَّه يرتقي بالمشاعر فوق حدود المأساة، فلا يتجمدون عندها، بل تمتلئ قلوبهم بالرضا وعيونهم بالفرح الروحي ومواقفهم بالإصرار على تحويل المأساة في واقعهم الذاتي إلى تجربة تتحرّك لمنع حدوث المأساة في حياة الآخرين.

الثانية: الإيحاء للدعاة المسلمين بواقعية المواقف الصامدة الصابرة، وقدرتها على تحقيق النتائج الإيجابية في نهاية المطاف على أساسٍ من التجربة والإيمان.

الثالثة: إغناء التاريخ الرسالي الحركي بالأبطال في حركة النبوات، سواء ما يتمثّل منه في بطولات الأنبياء أو في تلك التي قام بها أتباعهم من المؤمنين.

إنَّنا نشعر بالحاجة الملحة إلى الأبطال التاريخيين الذين يمتزج فيهم جانب البطولة بجانب القداسة، أو الذين تجتمع فيهم معاني البطولة ومواقف التضحية في نطاق العقيدة، لئلّا نحتاج إلى استعارة أسماء أبطال آخرين لا يمثّلون خطّ الرسالة ـ في أساليبنا التربوية التي تعتمد في بعض مجالاتها على أسماء الأبطال، ومواقف البطولات ـ ليجتمع للأمّة عنصر القدوة إلى جانب عنصر الفكرة.

أهداف القصة في القرآن:

وقد كان من بين أهداف القصة التي درج القرآن الكريم على استعراضها تثبيت النبيّ والذين آمنوا معه على ما كانوا يلاقونه من العذاب والاضطهاد والحرب النفسية، ليجدوا من خلال ذلك الواقع العزاء والأمل بالنصر التاريخي من جهة، ولينفتحوا على ما في الإيمان باللّه من غنى روحي يبعث الحياة والطمأنينة والسكينة في قلوب المؤمنين من جهة أخرى. كما نجده في الآيات التالية:

{ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} (الأنعام:10).

{قد نعلم أنَّه ليحزنك الذي يقولون فإنَّهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات اللّه يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدِّل لكلمات اللّه ولقد جاءك من نبأي المرسلين * وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى فلا تكوننّ من الجاهلين} (الأنعام:33 ـ 35).

{وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين} (هود:120).

{وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكُذبِّ موسى فأمليت للكافرين ثمَّ أخذتهم فكيف كان نكير} (الحج:42).

{وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدواً من المجرمين وكفى بربّك هادياً ونصيراً} (الفرقان:31).

{وكم أرسلنا من نبيّ في الأولين * وما يأتيهم من نبيّ إلاَّ كانوا به يستهزئون} (الزخرف:6).

{إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ً* ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لـم نقصصهم عليك وكلّم اللّه موسى تكليماً * رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للنّاس على اللّه حجة بعد الرسل وكان اللّه عزيزاً حكيماً} (النساء:163 ـ 165).

{وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّاً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربّك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} (الأنعام:112).

يستعرض القرآن الكريم في هذه الآيات أساليب الاستهزاء والإيذاء والتكذيب، التي قوبل بها الأنبياء السابقون من قبل شياطين الإنس والجن، فكانت مواقفهم تمثّل الصبر والصمود، حتى جاءهم النصر من عند اللّه.. لتوحي للنبيّ أولاً، بأنَّ عليه أن يكون امتداداً لهذا التاريخ العظيم، وإلاَّ فليحاول أن يبتغي نفقاً في الأرض أو سلَّماً في السماء، لأنَّ ذلك هو سنّة اللّه في الحياة في رسالاته وفي رسله {ولن تجد لسنّة اللّه تحويلاً} {ولن تجد لسنّة اللّه تبديلاً} فلا رسالية إلاَّ بالجهاد ولا جهاد إلاَّ بالصبر.

ولعلّنا نخلص ـ من خلال هذا العرض الطويل ـ إلى النتيجة العملية في الدراسات الدينية التي يحتاج إليها الداعية في ثقافته الذاتية، وفيما يقدّم للآخرين من عطاء ثقافي إسلامي يستهدف ربط حركة الدين الحاضرة بالحركة الدينية الممتدة في أعماق التاريخ... وهذا ما تجسد في قصص النبيين كتجربة للدعوة وكمنطلق للحركة وكموقف للتنفيذ... وإجراء مقارنة واعية بين واقع الرسالات في تصوير القرآن لها بالصورة الدقيقة المشرّفة، وبين ما أضيف إليه من تزوير وتشويه وتزييف، في التاريخ الموضوع الذي أريد له أن يقدّم لنا الصورة المشوهة القاتمة لحركة الرسالات ولشخصية الرسل..

إنَّنا نؤكد على هذا الجانب الثقافي من دراساتنا الدينية، لأنَّه يمثّل أحد العناصر الحيّة لبناء الشخصية الثقافية الدينية، فيما تملكه من انطباعات، وفيما تحمله من تصورات، وفيما تؤمن به من تفاصيل العقيدة.

وقد يبدو للبعض من النّاس، أنَّ هذا الجانب القصصي لا يرتبط بنا بشكل مباشر، لأنَّ علاقاتنا بالأنبياء السابقين والإيمان بهم إنَّما تقتصر على مستوى أخذ العلم والخبر بوجودهم وبرسالاتهم من دون أن يكون لذلك أثر عملي في حياتنا العامة والخاصة، لأنَّ علاقاتنا الرسالية بهم ـ حسب رأيهم ـ تبدأ وتنتهي بالنبيّ محمَّد (ص) وبرسالته وشريعته، فهي المنطلق الوحيد لنا من ناحية فكرية، وهي المصدر الأساسي من الناحية التشريعية.

ولكنَّنا نرفض هذه الفكرة، لأنَّ القرآن الكريم قد أكّد على وحدة الرسالات، كما أكّد على وحدة الإيمان بالرسل، كما يشهد به قوله تعالى:

{قولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربِّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} (البقرة:136).

وبهذا فإنَّ المسلمين يتبنون كلّ ما جاء به الأنبياء ممّا حدّثنا عنه القرآن الكريم والسنّة الصحيحة، إلاَّ ما ثبت نسخه لارتباطه بظروف موضوعية محدودة بزمان ومكان معينين، لأنَّ الإسلام يتبنى ذلك ويزيد عليه انسجاماً مع كلمة النبيّ محمَّد (ص): »إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق«.

وقد عرفنا من خلال الحديث المتقدّم السرّ الذي يربط الحركة الدينية المعاصرة بحركة الدين في التاريخ... الأمر الذي يجعل من الخطأ في فهم هذا التاريخ، انحرافاً في فهم الإسلام، ومن النقص في هذا الجانب الثقافي نقصاً في الثقافة الإسلامية لدى الداعية المسلم في المضمون والأسلوب.. هذا في تاريخ التجارب الرسالية الدينية من وجهة عامة.

التاريخ الإسلامي والتجربة النبوية:

أمّا قصة التاريخ الإسلامي والتجربة الإسلامية النبوية، وما يتفرّع عنها من تجارب الأئمة والصحابة والتابعين، فإنَّ لنا منها موقفاً آخر، باعتبارها التجربة الأمّ لكلّ حركة إسلامية سابقة ولاحقة، والينبوع الصافي الذي يرتوي منه الظامئون الذين يعانون من ظمأ المعرفة المحرق الذي يحسّ به كلّ من استقبل الحياة بدعوة الإسلام وواجه مشاكلها بحلوله، ما يجعل في كلّ مشكلة جديدة رغبة شديدة في معرفة طبيعة الحلّ، من خلال الينابيع الأولى، والجذور الثابتة في أعماق الأرض.

أمّا تجربة النبيّ محمَّد (ص) بالذات فهي شريعة إسلامية، لأنَّ عمله رسالة ومصدر تشريعي، كما أنَّ قوله رسالة ومصدر للشريعة، انطلاقاً من الآية الكريمة التي تدعونا إلى التأسي به والاقتداء بعمله:

{لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيراً} (الأحزاب:21).

لقد جاء القرآن الكريم ليؤكد لنا عمق هذه التجربة ودورها الكبير، فقد كان يرعاها ويوجهها بالتأييد تارة وبالنقد أخرى، وبالتوجيه الروحي والعملي في بعض المجالات، حتى تحوّل القرآن إلى وثيقة مقدسة للتجربة الإسلامية الرائدة. وقد جاء في السيرة النبوية الشريفة أنَّ النبيّ كان يواجه المشاكل التي تحلّ بالمسلمين في شؤون الحرب والسلم... وكانت المشكلة تتفاعل في واقعهم حتى تتحوّل إلى قلق ينتظر كلمة النبيّ الذي كان ينتظر كلمة اللّه.. وربَّما تمتد القضية إلى وقت غير قصير.. والنبيّ ينتظر والمسلمون ينتظرون، وربَّما يبدو من بعض المسلمين الرأي الذي يحلو للآخرين فيتحرّكون للتنفيذ، ويهّم النبيّ بموافقتهم على ما يريدون، فينزل الوحي بعد ذلك ليصحح الخطأ الذي وقعوا فيه، أو يبارك الخطوة التي ساروا عليها وهكذا.

وبهذا كانت كلّ آية تتحدّث عن موقعة حرب أو واقعة سلم أو خلاف وقع بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين الكافرين، حتى أوضاع النبيّ العائلية ومشاكله الخاصة التي لها جانب كبير في القرآن، لأنَّها تمثّل تجربة إسلامية رائدة في السلوك العائلي للأسرة المسلمة في مسؤولية ربّ العائلة أمام أسرته ومسؤوليتهم أمامه.

وقد جاءت الآية الكريمة التي تردّ على سؤال أو اعتراض بعض النّاس حول السبب في نزول آيات متفرقة وعدم نزوله دفعة واحدة ككتاب شامل.

{وقال الذين كفروا لولا انزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتّلناه ترتيلاً} (الفرقان:32).

قد نواجه في القرآن الكريم المواقف الحادّة الحاسمة التي كانت تواجه النبيّ والمسلمين، بحساب المسؤولية الدقيق فيما يأخذون وفيما يتركون، حتى أنَّك لا تشعر وأنت تقرأ الآيات الكريمة في هذا المجال بالأجواء الهادئة الساكنة التي تلف الواقع، بل تتفجر أمامك الأجواء لتراقب بقلق واهتمام إمكانات الانحراف أمام حالات الضعف، فتبادرها بالتهديد والوعيد أو باللوم والعتاب أو بغير ذلك من الأساليب التي تنطلق من اللّه سبحانه وخطابه إلى النبيّ كإيحاء للأمّة.، ما يجعلك تعيش جوّ الدعوة وهي تتحرّك في نطاق المسؤولية، تماماً كأيّ داعية يقف أمام أيّ مسؤول، فيوحي إليك بأنَّ قصة الرسالة لا تحتمل المجالات الشخصية والحسابات الذاتية، لأنَّها قضية الإنسانية التي لا يمكن أن تستجيب لأيّ انفعال عاطفي على حساب مصالحها الحيوية، مهما كانت الظروف والاعتبارات والأشخاص.

مجتمع النبيّ (ص) في بدء الدعوة:

وربَّما كان من القضايا التي يجب أن تشملها دراستنا.. طبيعة المجتمع الذي عاش فيه النبيّ في بدء الدعوة، وعقائده وثقافته وعلاقاته وطريقة مواجهته للأحداث، وأسلوبه في الجدال... لنستطيع فهم التجربة النبوية بشكل عميق مستوعب، ونفهم ـ إلى جانب ذلك ـ كيفية نقل هذه التجربة إلى حياتنا عند مواجهتنا المجتمع الذي نتحرّك فيه فيما إذا كانت الأوضاع والمعطيات العامة متوافقة في سلوك كلا المجتمعين مع استبعاد المؤثرات الخاصة التي تحكم بعض الأساليب المطروحة في التجربة.

وربَّما تظهر قيمة هذه الدراسة، في تحديدنا الخطوط الفاصلة بين النظرية والتطبيق، فقد تنطلق التجربة في سلوك النبيّ من حيث هو مشرّع يرسم خطّاً عريضاً لا يخضع للحدود المعينة التي تحدد الفكرة في إطار المناسبة، وقد تنطلق في سلوكه، من حيث هو داعية ينطلق في حركته من دراسة المبدأ والواقع في عملية تطبيقية تستمد عناصرها من الظروف والأوضاع الآنية المحيطة بالتجربة... وقد تتمثّل في التجربة سلوكية الحاكم الذي يتحرّك من خلال السلطة التنفيذية الممنوحة له من اللّه بما أراه من وجه الحقّ في القضية؟!

إنَّ علينا أن ندقق كثيراً في هذه الجوانب عندما نريد أن نقرر أيّ حكم أو مفهوم أو موقف على أساس التجربة، لئلا نقع في خطأ الخلط بين جهات انطلاق التجربة من حيث الصفات المتنوعة التي تحكم شخصية النبيّ الذي اجتمع له ما لـم يجتمع لنبيّ من قبله من الصفات العملية، فلنحدد هل كان يتحرّك من خلال صفة الرسول والداعية والمشرّع والحاكم، لأنَّ لكلّ واحدة من هذه الصفات أسلوباً يختلف عن أسلوب الآخر وحكماً يختلف عن حكمه...

تجارب النبيّ (ص) وتجارب غيره:

وقد يكون من بين القضايا التي يجب أن ندرسها في التجربة الإسلامية الأولى هي التفرقة بين تجارب النبيّ بالذات التي مارسها بنفسه، أو أقرّ عليها غيره، وبين تجارب غيره من المسلمين في عهده، وبعد وفاته، لأنَّ التجربة النبوية معصومة عن الخطأ، لا سيما في مجال الدعوة، بينما لا مجال للقول بعصمة تجارب غيره ما لـم تكن مقرونة بموافقته وإقراره (إلاَّ في أئمة أهل البيت عليّ وأولاده الأحد عشر الذين ثبتت عصمتهم بصريح القرآن الكريم)..

على ضوء ما تقدّم، لا بُدَّ من عرض هذه التجارب على المبادئ الإسلامية العامة، وممارسة عملية الاجتهاد فيها، لنستطيع اعتبارها تجربة إسلامية رائدة للحركات الإسلامية الأخرى.. وإلاَّ فإنَّ اجتهاد أصحاب هذه التجربة قد لا يكون حجّة علينا، ولا يكون مسلَّم الحجية عند جميع المسلمين.

دراسة أبطال التاريخ الإسلامي:

وربّما كان من الإخلاص لهذه الدراسة، أن نترك الطريقة التي اعتمدناها في دراستنا لأبطال التاريخ الإسلامي من حيث التأكيد على الجانب الذاتي، واعتبار الجوانب الرسالية مجرّد صفات ذاتية ترفع من مستوى البطولة فيه... الأمر الذي قد يؤدي إلى قبول أيّ حديث ـ مهما كان ضعيفاً ـ إذا كان متعلّقاً بجانب من جوانب العظمة الشخصية في حياته، حتى ولو كان على حساب القيم الإسلامية، كما نراه في الأبحاث التي انكبّت على دراسة السيرة لكثير من أبطال هذا التاريخ من الأئمة والصحابة وغيرهم، فينسبون إليهم بطولات لا أساس لها، وفضائل وكرامات لا مبرر لها، استناداً إلى أحاديث ضعيفة يرويها الكاذبون والوضّاعون والغلاة ممّن لا يخافون اللّه فيما يروون وفيما يحدّثون، ربّما كان دافعهم إلى ذلك عقدة نفسية أو ثمناً بخساً يبيعون به دينهم وضميرهم. وينقل الباحثون والدارسون والمترجمون ذلك كلّه.. لأنَّهم يريدون أن يحققوا زهواً بالعظمة والقداسة فيمن يحبّون أو ينتمون إليهم ولو على حساب السيرة والحقيقة والتاريخ والعقيدة، ويعتذرون عن ذلك بأنَّه ليست أحاديث الحلال والحرام حتى يدقق فيها المدققون، أو يرفضها الذين لا يقبلون إلاَّ ما كان خاضعاً لميزان الجرح والتعديل في علم الحديث أو الرجال.

ولكنَّ هذا العذر غير مقبول لدى الذين يشعرون بأنَّ من مسؤولية المسلمين أن يحافظوا على مقياس الحقّ في الأشياء في كلّ المجالات، سواء في جانب الحكم أو المفهوم أو الموقف، فلا يسمحون للزيف أن ينفذ إلى شيء من ذلك، لأنَّ الصورة الإسلامية لا تكتمل إلاَّ من خلال استكمال كلّ الجوانب العامة والخاصة.. وليست القضية كما يزعم هؤلاء بأنَّها لا تشكل خطراً على الإسلام.. بل ربَّما كانت الخطورة فيها بشكل أكبر وأشدّ، لأنَّ الارتباط بالأشخاص من خلال هذه القيم المفتعلة الموضوعة، يوجب ارتباطاً بكلّ ما يفكرون به أو يعملونه أو يقولونه، ولأنَّ افتعال القيم يفسح المجال لولادة تقييم منحرف ينعكس على طريقة الحكم والأوضاع والأشخاص، ما يوجب الإساءة إلى بعض الذين يفقدون هذه الصفات وإعطاء الذين يجدونها أكثر ممّا يستحقون. ولذلك نعتقد أنَّه لو تـمّ حذف كثير من هذه البطولات أو الفضائل الوهمية التي أضيفت إلى تاريخ هؤلاء بدون حساب، واقتصروا على الأمور الحقيقية منها، لكان في ذلك كفاية للأبطال الحقيقيين، فإنَّ الحقيقة تكفي صاحبها من دون حاجة إلى زيادة أو افتعال.

إنَّنا نريد أن نتخلص من ذلك ليكون ارتباطنا بالرسالة طريقاً للارتباط بالأشخاص الرساليين، وتقديسنا لمعناها سبيلاً لتقديس الأشخاص الذين تعيش تلك المعاني في نفوسهم، لتظل الرسالة قاعدة رئيسية للانتماء وللمشاعر وتحديد العلاقات في بدايتها ونهايتها.

أمّا الطريق إلى الوصول إلى ذلك، فهو التركيز على الرسالة في دراسة تاريخ أبطال الإسلام، لتكون الدراسة سبيلاً إلى معرفة تأثير الرسالة على حياتهم وسلوكهم وقيمته ومقداره، وأثرهم في حركتها وقوّتها وتطوّرها، ما يجعل مفتاح الدخول إلى حياة الشخص رسالته وليس العكس... وقد نستطيع بذلك أن نفهم أبطالنا فهماً جديداً لا يبتعد عن الواقع ولا يقترب من الأسطورة، ما يؤدي إلى فهم جديد لبعض مفاهيم الرسالة وأوضاعها من خلالهم، ويغلق الباب أمام عبادة الشخصية لدى المسلمين.