وقد يمكن لنا في
هذا المجال أن نتحفظ في ما يفيض فيه الكثيرون من علماء الكلام، عندما
يتحدّثون عن صفات النبيّ ـ أيّ نبيٍّ كان ـ فيوجبون له التفوّق في كلّ
علم وفي كلّ صفة ذاتية، انطلاقاً من القاعدة العقلية المعروفة لديهم، وهي
قبح قيادة المفضول للفاضل.. فإذا لـم يكن النبيّ في مستوى القمة في كلّ
شيء، لـم يصلح لمركز القيادة الحياتية للنّاس.
وقد يتطرف البعض
فيوجب أن يكون النبيّ أجمل النّاس، وأشجعهم، وأقواهم في عضلاته، إلى غير
ذلك من الصفات الجسمية التي لا ترتبط بالنبوّة ولا بالقيادة من قريب ولا
من بعيد.. وهذا ما نلاحظه في أوضاع القيادات في العالـم.. حتى العسكرية
منها.. بحيث لا يتوجب أن يكون القائد أكثر شجاعة من جنوده، فربَّما يكون
الكثير من جنوده أشجع منه، لأنَّ دوره الأساسي ـ كقائد ـ ليس هو خوض
المعركة مباشرة، بل يتمثّل دوره القيادي في الفكر العسكري الذي يعرف كيف
يخطط للمعركة وكيف يواجه التطبيق العملي للخطط المرسومة.
وهكذا نجد القضية
في كلّ جانب من الجوانب الحياتية التي لا تتطلب في القيادة إلاَّ أن تكون
في مركز التفوّق والكمال في القطاع الذي تتولّى قيادته.
إنَّنا نسجل
تحفّظنا الشديد حول هذا كلّه، لأنَّ دور النبيّ لـم يكن هو دور المؤسس
للعلوم الطبيعية والرياضية وغيرها(1)،
ولـم تكن مهمته هي مهمة المعلّم للألسن واللغات، ولا أن يكون ملماً بجميع
العلوم وبجميع اللغات، فضلاً عن أن يكون متفوقاً من زاوية نبوّته، بل
المهمة الأساسية ـ كما حدّدها القرآن الكريم في الآيات المتقدمة ـ تتجلى
في الإرشاد والإبلاغ والإنذار وتعليم النّاس الكتاب والحكمة، وقيادتهم
إلى تطبيق ذلك كلّه على حياتهم، ليخرج النّاس من الظلمات إلى النور
ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.
ولعلّنا نفهم ذلك
كلّه من التأكيد على جانب البشرية الموصولة بالوحي، والتركيز على الرفض
المطلق لعلم الأنبياء بالغيب إلى المستوى الذي لا يستطيع النبيّ أن يدفع
عن نفسه السوء، أو يجلب لها الخير الذي يخفيه المستقبل، كما في قوله
تعالى:
{قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلاَّ ما شاء اللّه ولو كنت أعلم
الغيب لاستكثرت من الخير وما مسَّني السُّوء إن أنا إلاَّ نذيرٌ وبشيرٌ
لقوم يؤمنون}
(الأعراف:188).
{قل ما كنت بدعاً من الرُّسُل وما أدري ما يُفعل بي ولا
بكم إن أتَّبع إلاَّ ما يُوحى إليَّ وما أنا إلاَّ نذيرٌ مبين}
(الأحقاف:9).
ولكن اللّه قد يخص
نبيّه ببعض المعلومات الخاصة، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة:
{عالـمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً * إلاَّ من
ارتضى من رسول فإنَّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً}
(الجن:26ـ27).
وتتحدّث بعض الآيات
عن موضوع العلم باللغات، وتشير إلى أنَّ هذا الأمر وارد بالنسبة إلى
النبيّ، كما في قضية اتهام الكفّار للنبيّ، بأنَّ هناك إنساناً يقوم
بتعليمه، فيجيء الردّ القرآني عليها حاسماً، باعتبار أنَّ هذه التهمة لا
تصحّ، لأنَّ القرآن جاء بلسان عربي مبين، والشخص الذي ينسبون إليه تعليم
النبيّ من الأعجميين، ومن الطبيعي أنَّ هذا الرد لا يصلح لإفحام الكفّار
إلاَّ إذا كان النبيّ لا يعلم لغة هذا الأعجمي.. لأنَّه ـ في هذه الحالة
ـ لا يستطيع أن يفهم منه، أو يقوم بمهمة الترجمة لما يمليه عليه ذلك من
أحاديث التوراة والإنجيل وغيرهما.
قال تعالى:
{ولقد نعلم أنَّهم يقولون إنَّما يُعلِّمُهُ بشرٌ لسانُ الذي يُلحدون
إليه أعجميٌّ وهذا لسانٌ عربيٌّ مبينٌ}
(النحل:103).
إنَّنا نتحفظ على
ما ورد، في إطار الفكرة التي تربط النبوّة بالتفوّق المطلق في كلّ شيء،
لأنَّ النبوّة لا تقتضي كلّ ما يقررونه.. ولكنَّنا لا نمانع في أن يكون
للنبيّ أكثر الصفات المذكورة من ناحية واقعية موضوعية.. كميزة شخصية
خاصة، لا كميزة نبوية حتمية في حساب الحكم العقلي القاطع كما يقولون.
الحوار في موضوع القرآن:
هل القرآن من كلام
اللّه الذي أوحاه إلى محمَّد (ص) ليكون دليلاً لنبوّته وحجةً على النّاس،
أو أنَّه من كلام محمَّد الذي أنشأه من نفسه، أو أخذه من أحاديث
الأوّلين، وتعلّمه من بعض أهل الكتاب؟!
كانت هذه الأسئلة
تطرح في المجتمع العربي الذي انطلق منه الإسلام، كموضوع للتأمل والتفكير،
إمّا للحصول على القناعة التامة من خلال الأجوبة المطروحة، وإمّا كإثارات
تفتعل في مقام الاتّهام، لجعل النبيّ في مقام التحدي تجاه دعوته، باعتبار
أنَّ القرآن يجسّد قوّة الدعوة الكبيرة في مجال إثبات الرسالة وامتدادها
الحيوي في واقع الأمّة وحركتها.
وكانت المواجهة
الرسالية في مستوى الرسالة التي تريد أن تواجه التحدي بالحوار الهادئ
العميق الذي لا يريد أن يُفحم خصومه أو يُسكتهم، بل يحاول أن يقنعهم
بصدقه وبما يؤمن به، أو يحطم عنادهم بالصدمات الفكرية القوية ليبدأوا
بالتفكير من خلال الحياد الفكري، لا من قاعدة المشاعر العدائية للعقيدة..
وقد تمثّلت هذه
المواجهة في حوار العقيدة بأسلوبين:
الأسلوب الأول: التحدي
المضادّ، الذي يطلب من الآخرين أن يعملوا على مجاراته والإتيان بما
يستطيعون، من حيث الكمية، ولو بسورة من مثله.. ولـم يقتصر هذا الطلب على
فئة معينة من النّاس، بل امتدّ إلى الجن والإنس جميعاً، من أدنى مستوى
إلى أعلى مستوى ثقافي، منفردين أو متعاونين.. ثمَّ ينطلق في أسلوب الواثق
المطمئن ليدلّل على أنَّهم لا يملكون القدرة على ذلك ولو عملوا أجمعين،
وبكلّ ما عندهم من طاقات وإمكانات.
ولـم ينقل التاريخ
لنا أيّة تجربة جادة أو ناجحة في هذا المجال، بالرغم من أنَّ خصوم
الإسلام كانوا يلجأون إلى أيّة محاولة يستطيعون من خلالها تسجيل موقف
ناجح، أيّ موقف كان، ضدّ النبيّ ودعوته في كلّ حالة من حالات الصراع
المرير الذي كانوا يخوضونه معه.. أمّا الفكرة التي انطلقت في هذا التحدي
المضادّ لاتهاماتهم وشبهاتهم التي أثاروها ضدّ القرآن فقد ارتكزت على
الأساس التالي:
وهو أنَّ القرآن،
لو كان كلاماً بشرياً، في أيّ درجة من الدرجات، فلا بُدَّ من أن يلتقي
ببعض المستويات الفكرية والثقافية في الحياة، ما يجعل أمر الإتيان بمثله،
أو بنموذج مشابهٍ له، سواء أكان مساوياُ له أو كان أعلى منه، شيئاً
ممكناً، فإذا لـم يتحقق ذلك، ولـم يستطع أحد مجابهته في ذلك كلّه، فستكون
النتيجة مع الفكرة التي تثبت أنَّه كلام اللّه الذي لا كلام مثله أو
فوقه.. وبهذا نعرف أنَّ الأسلوب هنا لـم يتجه إلى إسكات الخصم، بل اتجه
إلى أن يجعل من التحدي طريقاً للإيمان بالفكرة الإسلامية المطروحة
أمامهم، وهذا ما نستطيع أن نقرأه في الآيات التالية:
{أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من
دون اللّه إن كنتم صادقين}
(هود:13).
{وإن كنتم في ريب ممّا نزَّلنا على عبدنا فأتوا بسورة
من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين * فإن لـم تفعلوا
ولن تفعلوا فاتَّقوا النّار التي وقودها النَّاس والحجارة أعدَّت
للكافرين}
(البقرة:23ـ24).
ويبلغ ذروة التحدي
في قوله تعالى:
{قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون
بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}
(الإسراء:88).
الأسلوب الثاني:
الطريقة العقلية التحليلية التي تحاكم الفكرة المضادّة، بحيث يتم طرح
القضية أمام التفكير في مناقشة تحليلية هادئة.. وقد أثار القرآن الكريم
هذا الأسلوب في نقاط ثلاث:
الأولى: الكشف عن
تاريخ النبيّ الثقافي من عدّة جوانب:
1 ـ شخصيته الثقافية،
فلم يسبق له أن قرأ الكتاب، أو خطّه بيمينه، أو انتمى إلى مدرسة كما أشار
القرآن إلى ذلك في خطابه للنبيّ، وهو يوحي له بنوعية الأسلوب الذي يتبعه
مع أصحاب الأفكار المخالفة والمضادّة، قال تعالى:
{وما كنت تتلو من قبله من كتاب
ولا تخطُّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون}
(العنكبوت:48).
وقال تعالى:
{وكذلك أوحينا
إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه
نوراً نهدي به من نشاءُ من عبادنا وإنَّك لتهدي إلى صراط مستقيم}
(الشورى:52).
ولـم يحدّثنا تاريخ
النبيّ أنَّ أحداً من خصومه واجه هذه الآيات بالتكذيب أو بالإشارة إلى
جانب يؤكد فكرة القراءة والكتابة، خلا بعض الافتراضات التي حدّثنا القرآن
عنها ولكن دون أن تستند إلى شيء.
2 ـ ملاحظة تاريخ
النبيّ في حياته مع قومه، قبل نزول القرآن، وذلك فيما يحدّثنا به قوله
تعالى:
{قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمُراً من
قبله أفلا تعقلون}
(يونس:16).
فقد عاش النبيّ مع
قومه قبل تكليفه بالرسالة مدة أربعين سنة، من دون أن تبدر منه أيّة
إشارة، ولو في آية واحدة، أو فكرة معينة من أفكاره، بل كانت حياته
وأحاديثه، تثار بطريقة عادية، ليس فيها أيُّ شيء يلفت النظر إلى مستقبل
أمره من قريب أو من بعيد.. وفي هذا دلالةٌ كبيرة على أنَّ الرسالة لـم
تتحرّك في أفكارها ولا في قرآنها من موقع الإمكانات الذاتية التي تخضع
لطبيعة الأمور، لأنَّه من الصعب، بل من المستحيل عادة، على أيّ إنسان
يستقبل فكرةٌ تنبع من تخطيطه وتفكيره، أن يعيش الصمت المطلق اتجاهها في
أدوار تكاملها ونموّها في نفسه، لأنَّ سلوك الإنسان وأقواله يعتبر
انعكاساً ـ عفوياً ـ لأفكاره وآرائه في الحياة، بحيث تصدر عنها، كما يصدر
النور من الشمس، والماء من الينبوع، من دون إرادة أو اختيار.
3 ـ تاريخ البيئة التي
نشأ فيها النبيّ وعاش، فالمجتمع العربي الذي كان البيئة الطبيعية للنبيّ
محمَّد (ص) لا يساعد على ولادة فكر في مستوى الفكر القرآني الذي يجسّد
عادة ألواناً من الثقافة تشمل كثيراً من شؤون المعرفة، كالتشريع والأخلاق
والحديث عن أسرار الكون، والجوانب النفسية والاجتماعية والأخلاقية، بحيث
لـم يكن المستوى الثقافي هو السمة التي تميّز ذلك المجتمع، كما نعرفه في
تاريخ الجزيرة العربية التي كانت ثقافتها لا تتعدى الجانب الأدبي.
ولعلّنا نلمح
الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:
{هو الذي بعث في الأمّيِّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم
ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}
(الجمعة:2).
وذلك انطلاقاً من
وصف أفراد البيئة المكية بالأمّيِّين وبالضلال المبين. كما أنَّه لـم
يعرف عن النبيّ (ص) أنَّه عاش في بيئة ثقافية أخرى، أو دخل المدارس
الثقافية الموجودة في ذلك الوقت، بحيث لـم نجد هناك أيُّ أثر لأية رحلة
طويلة سافرها النبيّ إلى تلك المدارس، بل كلّ ما هناك ـ في ما يحدّثنا
تاريخ السيرة ـ رحلتان تجاريتان إلى بلاد الشام، لـم يتجاوز فيهما
المرحلة التي تفرضها طبيعة الرحلة التجارية السريعة.. مع العلم أنَّهما
كانتا في وقت متقدم على الهجرة.
النقطة الثانية: في
الأسلوب العقلي للحوار في هذا الموضع. إنَّ الفكرة التي كانت تنسب القرآن
إلى غير اللّه، تؤكد نسبته إلى إنسان غير عربي(1)، ولـم يعرف عن النبيّ ـ
فيما أشرنا إليه ـ أنَّه كان يعرف لغة غير اللغة العربية، فكيف يمكن أن
يكون التعليم، وكيف يمكن أن تحصل الترجمة، ولو كان الكلام مستمداً من ذلك
الإنسان لكان الكلام غير عربي، كما قال اللّه تعالى:
{ولقد نعلم أنَّهم يقولون
إنَّما يعلِّمه بشرٌ لسانُ الذي يُلحدون إليه أعجميٌّ وهذا لسانٌ عربيٌّ
مبينٌ}
(النحل:103).
النقطة الثالثة: إنَّ
القرآن يمثّل وحدة فكرية جاءت بشكل متوافق ومنسجم في كلّ ما أثاره من
قضايا ومفاهيم، وما خطط فيه من تشريع.. بينما تقتضي الفكرة التي تنسبه
إلى النبيّ محمَّد (ص) أن يحصل فيه التناقض والاختلاف، لأنَّه نزل
متفرقاً، في مواضع مختلفة، وأزمان متباعدة، وظروف متباينة تختلف في
طبيعتها ونتائجها، ما يجعل الفكرة تختلف من وقت لآخر. أو توجب نسيان
الإنسان في حالة ما يقرره في حالة أخرى، وهذا ما أشارت إليه الآية
الكريمة:
{أفلا يتدبَّرون القرآن ولو
كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}
(النساء:82).
وهكذا نجد من خلال
كلّ ما عرضناه من هذه الأساليب التي واجه بها النبيّ محمَّد (ص) خصومه
الذين كانوا يثيرون الشكوك إزاء نسبة القرآن إلى اللّه، إنَّه كان
يواجهها بأسلوب حواري أريد له أن يفضي إلى نتيجة إيجابية في جانب المعرفة
والقناعة بالفكرة من خلال الدليل والحجة لا من خلال الأجواء العاطفية
التي لا تستند إلى أساس متين مقبول.
صفات النبيّ الشخصية .. أمام الحوار:
وكانت التحدّيات
الشخصية التي قام بها خصوم الدعوة الإسلامية، في مقدمة التحديات التي
أرادوا منها تشويه صورة النبيّ في نظر النّاس.. وقد حاولوا أن يلصقوا به
أيّة صفة كانت تجعل منه إنساناً عادياً ككثير من النماذج الإنسانية
الموجودة في المجتمع.. فكانت صفة الشاعر.. وكانت صفة الساحر، من بين
الصفات التي توحي للآخرين أن يتخذوا من كلامه الموقف نفسه الذي يتخذونه
من الشعراء والكهّان.. ما يجرّده من أيّ نوع من أنواع القداسة أو
الامتداد والشمول، وبالتالي إقصاؤه عن الدور القيادي أو التغييري في حياة
الأمّة، ولـم يقتصروا على ذلك في تشويه الصورة.. فكانت صفة الجنون
الانفعالية المحمومة التي كانت تتابع الكلمات التي تُثار عندها دون
تفكير، تماماً كما ينطلق الصدى في الحياة.
قال تعالى:
{ وقال الذين كفروا للحقّ لما جاءهم إن هذا إلاَّ سحرٌ مبينٌ}
(سبأ:43).
{وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحرٌ
كذَّابٌ}
(ص:4).
وواجه النبيّ هذه
المواقف بصفته النبوّية، لأن ذاته لـم تكن تمثّل شيئاً بالنسبة إليه
إلاَّ بمقدار ارتباطها برسالته، ولذا فإنَّ جملة التشويه التي كانت
تستهدفه لـم تكن لتثير لديه أيَّ ردّ فعل إلاَّ من خلال حاجة الرسالة إلى
ما يحميها من التشويه الذي يسيء إلى أثرها العملي في حياة النّاس..
فدعاهم إلى أن يوازنوا بين الشعر، من خلال القضايا التي يثيرها الشعراء،
والأجواء التي يعيشونها، والأساليب التي يتبعونها، وبين القرآن في قضاياه
وأجوائه وأساليبه، ليروا أنَّه بعيدٌ كلَّ البعد عن الشعر وزناً
وقافيةً.. وهكذا كان الأمر ـ في موضوع السحر والكهانة ـ فلم يكن القرآن
كتاباً يعتمد على خداع أبصار النّاس وأفكارهم، أو النفاذ إلى غيب الماضي
والمستقبل في قضاياهم الخاصة، كما يفعل السحرة والكهّان، بل هو كتاب
ينطلق إلى أفكار النّاس وحياتهم على أساس الفكرة الواعية العميقة
الواسعة، والكلمة الهادئة، والأسلوب المرن الحكيم، ليقتنعوا به من خلال
مقوِّمات القناعة لديهم.
قال تعالى:
{إنَّه لقول رسولٍ كريم * وما هو بقول شاعرٍ قليلاً ما تؤمنون * ولا بقول
كاهنٍ قليلاً ما تذكّرون * تنزيلٌ من ربِّ العالمين}
(الحاقة:40ـ43).
{وما علّمناه الشِّعر وما ينبغي له إن هو إلاَّ ذِكرٌ
وقرآنٌ مبينٌ}
(يس:69).
{ويقولون أئنَّا لتاركو آلهتنا لشاعرٍ مجنون * بل جاء
بالحقِّ وصدَّق المرسلين}
(الصافات:36ـ37).
وتنقل لنا السيرة
النبوّية الشريفة قصة الرفض العفوي الذي قابل به الوليد بن المغيرة وهو
أحد كفّار قريش، فكرة أن يكون القرآن شعراً، أو حديث كهانة.. عندما سمع
شيئاً من القرآن وتأثر به، فقالت قريش صبأ، واللّه، الوليد، ولتصبونّ
قريش كلّهم، فأوفد إليه أبا جهل، يثير كبرياءه واعتزازه بنسبه وماله،
ويطلب إليه أن يقول في القرآن قولاً ليعلم به قومه، أنَّه كارهٌ له، قال:
فماذا أقول، فواللّه ما منكم رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه ولا بقصيده
ولا بأشعار الجن، واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئاً من هذا، واللّه إنَّ
لقوله لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّه ليحطم ما تحته، وإنَّه ليعلو
وما يُعلى. قال أبو جهل، واللّه لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال فدعني
أفكر فيه. فلمّا فكر، قال: إن هذا إلاَّ سحرٌ يؤثر، أمّا رأيتموه يفرّق
بين الرّجل وأهله ومواليه. وفي ذلك نزل القرآن الكريم كما جاء في
الرِّواية:
{ذرني ومن خلقتُ وحيداً * وجعلت له مالاً ممدوداً *
وبنين شهوداً * ومهَّدت له تمهيداً * ثمَّ يطمع أن أزيد * كلاَّ إنَّه
كان لآياتنا عنيداً * سأرهقُهُ صعوداً * إنَّه فكَّر وقدَّر * فقُتل كيف
قدَّر * ثمَّ قتل كيف قدَّر * ثمَّ نظر * ثمَّ عبس وبسر * ثمَّ أدبر
واستكبر * فقال إن هذا إلاَّ سحرٌ يؤثر * إن هذا إلاَّ قول البشر}
(المدثر:11ـ25).
ولكنَّ هذه القصة
ترد بشكل آخر في سيرة ابن هشام، حيث جاء في الرِّواية:
»إنَّ الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش
وكان ذا سنٍّ فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنَّه قد
حضر هذا الموسم، وإنَّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر
صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً
ويردّ قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأياً
نقول به؛ قال: بل أنتم فقولوا أسمع؛ قالوا: نقول كاهن، قال: لا واللّه ما
هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا:
فنقول مجنون؛ قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو
بخنقِه ولا تجالجِه ولا وسوسته قال: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر لقد
عرفنا الشعر كلّه رجزَه وهَزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر؛
قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السُحَّار وسحرهم فما هو
بنفثهم ولا عقدهم، قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: واللّه إنَّ
لقوله لحلاوة، وإنَّ أصله لعذق، وإن فرعه لجناة ـ قال ابن هشام: ويُقال
لعذق ـ وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلاَّ عُرف أنَّه باطل، وإنَّ أقرب
القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يُفرّق به بين المرء وأبيه،
وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه
بذلك، فجعلوا يجلسون بسُبُل النّاس حين قدموا الموسم لا يمرّ بهم أحد
إلاَّ حذروه إيّاه وذكروا له أمره، فأنزل اللّه في الوليد بن المغيرة(1)"
وفي ذلك قوله:
{إنَّه فكّر وقدَّر * فقُتل كيف قدَّر * ثمَّ قتل كيف قدَّر * ثمَّ نظر *
ثمَّ عبس وبسر * ثمَّ أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلاَّ سحرٌ يؤثر * إن
هذا إلاَّ قولُ البشر}
(المدثر:18ـ25).
ومن الطبيعي، أنَّ
كلمة السحر هذه التي اختارها الوليد لتكون تهمة تبطل دعوى الرسالة.. ليست
هي ما ينطلق به أسلوب السحرة.. بل هو السحر الذي يأخذ بمجامع القلب لروعة
الفكرة والكلمة والأسلوب.
أمّا صفة الجنون
فقد كانت من الكلمات التي لا تقنع حتى أصحابها.. بل هي من قبيل الكلمات
التي تلقى دون وعي، وبلا معنى.. ولذلك نرى القرآن الكريم ينقل لنا
الأسلوب الذي اتّبعه النبيّ في حواره مع متهمه طالباً منهم أن يراجعوا ما
طرحوه من أفكار ليصلوا في نهاية الأمر إلى نتيجة مفادها الهزء والسخرية
من تلك الكلمة.
قال تعالى:
{قل إنَّما
أعظكُم بواحدة أن تقوموا للّه مثنى وفرادى ثمَّ تتفكّروا ما بصاحبكم من
جنَّة إن هو إلاَّ نذيرٌ لكم بين يديّ عذابٍ شديدٍ}
(سبأ:46).
وهكذا نلاحظ أنَّ
النبيّ لـم يواجه الموقف بحركات تشنجية، أو مواقف انفعالية، كما يواجهه
أولئك الذين يثيرهم تحدّي الآخرين الذاتي في لغة السباب والمهاترات،
ليبادلوه سُباباً بسباب، وقذفاً بقذف، بل واجهه بهدوء الرسالة وروح
الرّسول بأسلوب حواري هادئ ومتزن، لأنَّ القضية ليست قضية الشخص، بل قضية
الرسالة.. ولذا فلا بُدَّ للأسلوب من أن ينطلق من خلال مصلحة الرسالة،
على أساس خطّها المستقيم، في فكرها العميق، ووداعتها السمحة، وموقفها
الواثق المطمئن.
وقال تعالى:
{أم يقولون به جِنَّةٌ بل جاءهم بالحقِّ وأكثرهم للحقِّ كارهون}
(المؤمنون:70).
{وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا
الذّكر ويقولون إنَّه لمجنونٌ * وما هو إلاَّ ذكرٌ للعالمين}
(القلم:51ـ52).
{وما صاحبكم بمجنونٍ}
(التكوير:22).
وقد نجد في هذه
الآيات أنَّ اللّه يتحدّث عن هذه الافتراءات بكلّ هدوء، ليعرّفنا في
الآية الأولى أنَّ القضية ليست قضية فكرة يؤمنون بها في قرارة نفوسهم،
وإنَّما هي كراهتهم للحقّ الذي جاء به؛ وهم يعيشون موقفاً متأرجحاً، فلا
يريدون أن يرتبطوا به في الوقت الذي لا يريدون أن يظهروا معاندتهم له،
فكان عذرهم الوحيد في الرفض والسلبية في الموقف من النبيّ هو اتهامه
بالجنون.
أمّا في الآية
الثانية، فإنَّ اللّه يصوّر لنا الكافرين وهم في حالة الهلع والضيق
والاستغراب التي تجعلهم ينظرون إلى النبيّ شزراً.. احتجاجاً على ما جاء
به من الذكر.. ولكنَّ القرآن لا يلبث إلاَّ أن يربطنا بالحقيقة من خلال
طبيعة الوحي الإلهي، فيدعونا إلى مواجهتها بالفكر لنعرف أنَّه ذكرٌ
وموعظة للعالمين.
أمّا الآية
الثالثة، فإنَّها تنفي القضية من ناحية المبدأ، دون أن تقدّم أيّ رد
تفسيري أو تحليلي، بل تحاول أن توحي بأنَّ القضية لا تحتمل الأخذ والردّ
لأنَّها واضحة بشكل لا يدع مجالاً للجدل.
ونلاحظ في بعض
الآيات الكريمة، أنَّهم يلصقون بالنبيّ تهمة الرّجل المسحور التي تشبه
صفة الجنون وإن كانت تختلف عنها في بعض خصائصها ومظاهرها، بحيث يطلق
القرآن في هذا الموضوع على هؤلاء صفة الظلم، لأنَّهم ظلموا أنفسهم بالشرك
وظلموا النبيّ بافتعال التهم الكاذبة عليه، ثمَّ يعقب على ذلك بأنَّ
هؤلاء الظالمين قد ضلّوا عن الرشد والحقّ فلا يستطيعون سبيلاً يوصلهم إلى
الحقّ ويهديهم إلى الرشاد.
قال تعالى:
{نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول
الظَّالمون إن تتَّبعون إلاَّ رجلاً مسحوراً * انظر كيف ضربوا لك الأمثال
فضلُّوا فلا يستطيعون سبيلاً}
(الإسراء:47ـ48).