السيرة النبوية > من المباهلة إلى الالتحاق بالرفيق الأعلى

من المباهلة إلى الالتحاق بالرفيق الأعلى

نصارى الجنوب.. من الحوار إلى المباهلة

ما هو من الجدير بالذكر، أنَّ حركة الرسول(ص) في تبوك وما خلّفته من تداعيات، لـم ينحصر أثرها على نصارى الشمال والجبهة البيزنطية، إنَّما امتَّد ليطال الجنوب، الذي قدم إليه وهو في المدينة وفدٌ من نصارى نجران، ليفتح بذلك نقاشاً وجدالاً طال صلب العقيدتين الإسلامية والمسيحية، حاور فيه الرسول(ص) الوفد الذي قدم إليه منها، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريـم بالمباهلة، وكان ذلك على أثر الكتاب الذي بعثه الرسول(ص) إليهم وجاء فيه: "... إنّي أحمد إليكم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. أمّا بعد، فإنَّني أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بحربٍ والسَّلام". وذلك في خطوة لجعل النصارى في جنوبي شبه الجزيرة العربية يحدّدون موقفهم من الدولة الإسلامية وفق المعطيات الجديدة، وذلك باعتبار أنَّ الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك، ويبنون لهم الكنائس، ويشجعونهم على المضيّ في تنصير القبائل المتوطنة في هذه الأرجاء.

كان الوفد يضمّ حوالي أربعة عشر رجلاً من أشراف النصارى، فدخلوا المسجد وسلموا على الرسول(ص)، فردّ عليهم السَّلام، ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم شيئاً من القرآن، فأبوا الدخول في الإسلام، ودخلوا معه في مناقشات عقيمة، ولكنَّ الرسول(ص) بدل المضيّ معهم بهذه المناقشات، طرح مسألة المباهلة التي حسم فيها هذه المناقشات، خاصة ما يتعلّق منها بالسيِّد المسيح(ع)، وجاء في قوله تعالى: {إنَّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ثُمَّ قال له كن فيكون* الحقّ من ربِّك فلا تكن من الممترين* فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثُمَّ نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين} (آل عمران:59 ـ 61).

وكانت المباهلة تقضي بأن يجتمع الفريقان على صعيد واحد، ويدعو كلّ فريق أبناءه ونساءه وخاصته والذي عبّر عنه القرآن بأنفسنا وأنفسكم، وأن يستنـزلا لعنة اللّه وغضبه على الفئة الكاذبة، فتخوّف النصارى عاقبة الأمر، فارتأى الوفد النصراني أن يعرض على الرسول (ص) الحكم فيهم بما يراه، فصالحهم (ص) وكتب لهم عهداً جاء فيه: "... ولنجران وحاشيتهم جوار اللّه وذمة محمَّد النبيّ رسول اللّه على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لا يغيّروا أسقفاً عن أسقفيته ولا راهباً عن رهبانيته ولا واقفاً عن وقفانيته، وكلّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير... ومن سأل منهم حقّاً فبينهم بالنصف غير ظالمين ولا مظلومين... ولا يؤاخذ أحد منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار اللّه وذمة النبيّ أبداً حتّى يأتي اللّه بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم..." ، وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح لأنَّهم كانوا كالأتباع لهم.

وبذلك يكون الرسول (ص) في هذا الصلح قد قطع العلاقة بين نصارى نجران ودولة الروم، وضمن لهم الحرية الدينية، وجعل ولاءهم للدولة الإسلامية الناشئة، ولكن هؤلاء لـم يفوا بالتزاماتهم، إذ سرعان ما لبثوا يساعدون على إشعال الفتن عندما سمحت لهم الفرصة بذلك، كالأسود العنسي (المتنبئ» ونصارى تغلب في تأييدهم مسيلمة الكذَّاب حيث ادّعى هو الآخر النبوَّة.

مسجد ضرار... القطيعة مع المنافقين

أمّا المنافقون، فقد حاول الرسول (ص) أن يتبع معهم طريق الملاينة والإغضاء عن تصرفاتهم المشينة بحقّ الإسلام، في خطوة منه لاستيعابهم وعدم الفتك بهم حتّى لا يُقال: "إنَّ محمَّداً يقتل أصحابه"، ولكنَّ المنافقين حاولوا استغلال هذه المعاملة الطيبة من جانب النبيّ (ص) وازدادوا شراً وحقداً على الإسلام.

ولعلّ الخطوة الأشدّ خطراً تمثّلت في بناء "مسجد ضرار"، مستغلّين انشغال النبيّ (ص) بالتجهز لموقعة تبوك، لكي يلتقوا فيه وحدهم ويمكروا فيه بالإسلام، وحتى يسبغوا عليه الشرعية، طلبوا من الرسول (ص) أن يصلي فيه وهم يقولون له:"بنينا مسجداً لذوي العلّة والحاجة والليلة الممطرة، وإنّا نحبّ أن تصلي فيه"؟ فاعتذر لهم بأنَّه على جناح السفر... ولكنَّ الوحي كعادته ما لبث أن كشف مؤامرتهم هذه بعد عودة الرسول (ص) من غزوة تبوك، وجعل من ذلك نقطة حاسمة ومفصلية في كيفية التعاطي مع المنافقين، وطلب من المسلمين أن يعملوا على مقاطعتهم، وأرسل اثنين من أصحابه إلى هذا المسجد وأمرهم أن يحرقوه ويهدموه، وفي ذلك قال تعالى: {والذين اتّخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلاَّ الحسنى واللّه يشهد إنَّهم لكاذبون * لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التّقوى من أول يوم أحقّ أن تقوم فيه فيه رجال يحبّون أن يتطهروا واللّه يحبّ المتطهرين* أفمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم واللّه لا يهدي القوم الظالمين} (التوبة:107 ـ 109).

وفي ذلك يكون النبيّ (ص) في إحراقه وتدميره لمسجد ضرار، قد سنّ قاعدة تفيد أنَّ الهدف الأساس من بناء المساجد إنَّما يكون من أجل الإصلاح والصلاح والدعوة إلى اللّه، لا الدعوة إلى الفتنة وشرذمة المسلمين وتفريقهم شيعاً ومذاهب.

حجة الوداع... الظروف والملابسات

بحلول شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة، أعلن النبيّ (ص) عن عزمه على زيارة مكة لأداء فريضة الحج كما أقرّها الإسلام، وما كاد النبأ يشيع من شبه الجزيرة العربية، حتّى أقبل النّاس على المدينة لأدائها، وعندما اكتملت الاستعدادات، انطلق الرسول (ص) ممن اجتمع إليه من النّاس الذين تراوح عددهم بين أربعين ألفاً ومائة وعشرين ألفاً باختلاف الرِّوايات، في موكب رهيب قلَّ أن شهد له تاريخ شبه الجزيرة العربية مثيلاً، وذلك تحت راية التوحيد، وامتثالاً لأوامر اللّه في أن لا يشركوا به شيئاً: «لبيك اللّهمَّ لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لبيك لا شريك لك لبيك».

وبعد أن أتـمّ النبيّ (ص) والمسلمون معه مناسكهم، خرج من مكة متجهاً إلى المدينة ومعه تلك الجموع، ولما انتهى إلى مكانٍ قريبٍ من الجحفة بناحية رابع، وقبل أن يتفرّق النّاس كلّ إلى ناحيته، نزل في مكان في الصحراء وعلى غير ماء وكلأ بعد أن أنزل اللّه عليه {يا أيُّها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربِّك وإن لـم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من النّاس} (المائدة:67).

وروى ابن كثير في بدايته عن زيد بن أرقم، أنَّ النبيّ (ص) لما رجع من حجّة الوداع ونـزل في غدير خم، أمر بحطّ الرحال، ثُمَّ قال: ((كأنّي قد دعيت فأجبت، إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنَّهما لن يفترقا حتّى يرداً عليّ الحوض))، ثُمَّ قال: ((اللّه مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن ومؤمنة)) وأخذ بيد عليّ (ع) وقال: ((من كنت مولاه فهذا عليّ وليه، اللّهمَّ والِ من والاه وعادِ من عاداه)).

وفي رواية البراء، أنَّ عمر بن الخطاب لقي عليّاً بعد أن فرغ النبيّ من خطابه وقال له: "هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، لقد أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة"، وما إلى ذلك من المرويات التي وردت بصيغ مختلفة ولكنَّها تفيد المضمون نفسه.

وروى جماعة أنَّه عندما انتهى النبيّ (ص) من خطابه، أنزل اللّه تعالى عليه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} (المائدة:3).

وبالرغم من النصوص المتواترة التي تنص على خلافه عليّ (ع)، إلاّ أن الأمور قد سارت بغير الاتجاه المرسوم، ورست إلى غيره، وذلك في عملية تأويل لهذه النصوص.

وما إن أتـمّ النبيّ (ص) حجّة الوداع، حتّى قام بتجهيز جيش كبير في مطلع السنة الحادية عشرة للهجرة في أعقاب عودته من مكة إلى المدينة، وذلك في إطار محاولاته الرامية لدرء الخطر البيزنطي عن حدود دولته الفتية، ليرسم بذلك السياسة التي يجب اتباعها بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأقرّ عليه القائد الشاب أسامة بن زيد بن حارثة، تقديراً من الرسول (ص) لكفاءته العالية، وحشد فيه وجوه المهاجرين والأنصار، فتثاقل هؤلاء عن الخروج، وانطلق أسامة ومن ورائه المسلمون، وتقدّم باتجاه الشمال وعسكر في الجرف على بُعد فرسخ من المدينة، ريثما يتمّ تجميع المقاتلين، وهناك بلغته أنباء مرض الرسول (ص)، فبدأت المحاولات الهادفة لعرقلة مسيرة الجيش، ولـم يلبث أن توقف مسيره نهائياً، والرسول (ص) يتجهز للرحيل إلى الرفيق الأعلى، وكان قد طلب أن يأتوا له بدواة وكتف ليكتب لهم كتاباً لا يضلون من بعده أبداً، ولكنَّه اتهم بالهجر من قبل بعض الصحابة، ما أدّى إلى التوقف عن كتابته، ولكنَّه أوصى بأهل بيته خيراً.

وعندما سمع المسلمون بوفاة النبيّ (ص)، دهشوا لهذا الحادث بعد أن رأوه قبل ساعات قليلة يخرج يصلِّي بهم، فدخل عليه عمر بن الخطاب وكشف عن وجهه وقال: إنَّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنَّ محمَّداً قد مات، وإنَّه واللّه ما مات، ولكنَّه قد ذهب إلى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثُمَّ رجع إليهم بعد أن قالوا بأنَّه قد مات، وواللّه ليرجعن رسول اللّه (ص) كما رجع موسى، وليقطعن أيدي وأرجل رجال زعموا أنَّه مات، ولئن بلغني عن رجل من المسلمين يزعم أنَّ محمَّداً قد مات ضربته بسيفي هذا، وخرج على النّاس شاهراً سيفه يردّد مقالته ويهدّد ويتوعد.

وسرت مقالته بين النّاس في وطأة هذا الحادث، ولكن أبا بكر دخل على النبيّ (ص) وهو على فراش الموت، فنظر إلى وجهه وخرج إلى النّاس، وعمر بن الخطاب ينادي فيهم أنَّ محمَّداً ما مات ولن يموت، وأبى أن ينصت لكلام أبي بكر أولاً، ثُمَّ قال أبو بكر: أيُّها النّاس، من كان يعبد محمَّداً فإنَّ محمَّداً قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإنَّ اللّه حيٌّ لا يموت، ثُمَّ تلا على النّاس قوله تعالى: {وما محمَّد إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} (آل عمران:144).

وبعد وفاة رسول اللّه(ص)، عقد مؤتمر السقيفة والذي شهد انقسامات حادّة في صفوف المؤتمرين، وخاصة بين الأنصار والمهاجرين، وعليّ (ع) يعمل على تجهيز النبيّ (ص) لدفنه، ما أدّى في النهاية إلى انتقال قيادة الأمّة إلى أبي بكر، الذي خلَّف تبوؤه هذا المنصب جدلاً كبيراً في صفوف الأمّة، والذي لا تزال تداعياته ترخي بظلالها على ساحتنا الإسلامية حتّى يومنا هذا، واعتبر وصوله إلى هذا الموقع بداية تحوّل في مسار الأمّة التي عصفت بها الأنواء والمخاطر وحاطت بها الفتن من جميع جوانبها.