لقد كانت الأشهر
الثمانية الواقعة بين انتهاء النبيّ (ص) من يهود خيبر وفدك واليمامة وبين
عمرة القضاء حافلة بالعمل المتواصل لتركيز دعائم الإسلام وانتشاره، فلمّا
استدار العام وجاء ذو القعدة في السنة السابعة، عزم الرسول (ص) على أن
يخرج وهو في الحديبية بأصحابه إلى مكة لأداء مناسك الحج، حسبما تـمّ
الاتفاق عليه بينه وبين قريش، فنادى مناديه في النّاس أن يتجهزوا للسفر
إلى مكة، فأسرع النّاس بلهفة إلى تلبية هذا الطلب بشوق لحلول الوقت الذي
تـمّ الاتفاق عليه.
وخرج النبيّ (ص) من
المدينة في ألفين من المهاجرين والأنصار، وأمر بحمل السّلاح حذراً
وحيطةً، ولما علمت قريش ذلك أصابها الخوف، وأرسلت إليه رجلاً التقاه في
مر الظهران، وأعرب له عن مخاوف قريش، فردّ الرسول (ص) بأنَّه سيفي
بتعهداته والتزاماته، وبأنَّه لا يريد إدخال السّلاح، ولكن ليكون قريباً
منه، فعاد المبعوث وطمأنها بأنهَّ لا نيّة للمسلمين دخول مكة مسلّحين،
وإنَّما سيبقى السّلاح بعيداً عنها.
ولما انتهى إلى ذي
الحليفة، أحرم للحج هو وأصحابه وساق معه ستين بدنة، وقدّم الخيل أمامه،
وكانت نحواً من مائة بقيادة محمَّد بن مسلمة، ولما أصبح قريباً من مكة
انسحبت قريش صوب المرتفعات والتلال المجاورة خشية الاحتكاك بالمسلمين،
ولكنَّها عبّرت عن غيظها وأشاعت بأنَّ محمَّداً وأصحابه يُعانون شدّةً
وعسراً، واصطفّ بعضهم عند دار الندوة ليشاهدوا ما سيفعله المسلمون، وجابه
محمَّد وأصحابه الشائعات، فشدّ رداءه وأخرج عضده اليمنى وقال: أرملوا
بالبيت ليرى المشركون قوّتكم، ثُمَّ استلم الركن وأخذ يهرول وأصحابه معه
حتّى واراهم البيت عن أعين قريش.
وأقام المسلمون
ثلاثة أيام في مكة أدوا فيها مراسم العمرة، وفي نهايتها جاء نفرٌ من قريش
يذكرونه بانقضاء الأجل المضروب ويطلبون منه الخروج منها فقال لهم النبيّ
(ص) وما عليكم لو تركتموني أصنع لكم طعاماً فخضرتموه، فقالوا لا حاجة لنا
في طعامك، أخرج عنّا فقد انقضى الأجل بيننا، فخرج النبيّ (ص) وعاد
بأصحابه إلى المدينة، وصدقت رؤيا الرسول (ص) وكلمات اللّه