السيرة النبوية >  في أصول العقيدة الإسلامية

السيرة النبوية: في أصول العقيدة الإسلامية

لقد واجه النبي(ص) في حركته الرسالية في الدعوة إلى اللّه وإلى تعاليمه، تحدّيات عديدة من قِبَل الكفّار، باعتبار أنَّ الدعوة إنَّما هدفت إلى تغيير مفاهيمهم عن الكون والحياة، على الصعيدين الفكري والعملي الذي اختلف عمّا كانوا يفكرون فيه أو يمارسونه.

وكان من بين الأهداف التي يرمي الإسلام إلى تحقيقها في دعوته، أن يرسم للأمّة منهجاً جديداً، سواءٌ في طريقة التفكير أو في طريقة محاكمة القضايا التي تواجهها في حياتها، لأنَّ قيمة أيّة عمليّة تغييرية، لا تتمثّل فيما يطرح فيها من قضايا وأفكار، بقدر ما تتمثّل في عملية التغيير المنهجي في فهم الحياة ومواجهة القضايا، إمّا بالطريقة العقلية التي تتمثّل في محاكمة الفكرة على ضوء المقاييس العقلية، أو بالطريقة الاستقرائية التي تعتمد على استقراء الواقع في جميع صوره ومظاهره من أجل الوصول إلى المعرفة من جهة أخرى.

وربَّما يتجه الأسلوب إلى تقريب الفكرة، بالمثل تارة، وبالصورة الحسيّة التي يواجهها الإنسان فيما يلمسه أو فيما يبصره تارة أخرى، ليكون ذلك باعثاً له على إيقاظ الإحساس الفطري بالفكرة من خلال إثارة المعرفة الحسيّة بأمثالها، لأنَّ الفطرة قد تغفو في كثير من الحالات أمام الأجواء الضبابية التي تحيط بالنفس، فلا تستيقظ إلاَّ إذا ارتبطت بالواقع المتحرّك لديها، الذي يجسّد لها الفكرة في نطاق الصورة المحسوسة في أكثر من مجال.

ولعلّ هذا الأمر هو الذي انطلق القرآن الكريم فيه لتغيير الفكرة من خلال تغيير المنهج للوصول إليها، وليواجه الإنسان العقيدة من حركة القاعدة الفكرية في كيانه، لا من حركة التيار في حياة الآخرين، إنَّه الأسلوب المرن المتحرّك في أكثر من اتجاه، المرتكز على العقل تارة، وعلى العاطفة أخرى، والحس من جهة ثالثة، ليفتح لك المجال في فكرك وفي قلبك وفي وجدانك، لتفكر ولتناقش ولتشعر في كلّ باب تريد أن تلجه، وفي أيّ هدف تعمل على الوصول إليه.. أنَّك تعمل بمحبة وموضوعية.

أمّا إذا أردت أن تغلق باب الحوار، لتغلق على نفسك وعلى الآخرين باب الإيمان، فسوف يغلق الباب بمرونة تاركاً لك مجال فتحه من جديد.

ونحن هنا في محاولة للسير مع حركة الحوار في أصول العقيدة التي واجهت مختلف التحدِّيات، لتتضح لنا معالـم المنهج في إطار النظرية والتطبيق.

وسوف نلتقي بالإسلام وهو يحاور المشركين في فكرة التوحيد والشرك، كما نلتقي به وهو يجادل الملحدين في فكرة الإيمان والكفر والرسالة والرسول، وكتاب الرسالة.

ولا يفوتنا أن نعيد إلى أذهان القراء، إنَّنا نتحدّث عن الحوار، من حيث هو حديثٌ يدور بين اثنين، كما نتحدّث عنه من حيث هو بداية الحديث مع الآخر، لإثارة الآخرين من أجل الدخول معه في حوار جديد... لأنَّنا نريد أن نفهم كيف يكون الحوار من جهة، وكيف نبدأه من جهة أخرى في حركة الدعوة إلى الجهاد من أجل العقيدة والحياة.

مع المشركين:

في بداية الحركة الإسلامية في الدعوة إلى اللّه، واجه النبيّ (ص) موضوع الشرك باللّه، كمشكلة مطروحة في ساحة العمل، تمثّلت في الأصنام الكثيرة المتنوّعة التي يعبدها النّاس آنذاك، عبادةً تمتد إلى أكثر من صورة، في طقوسها وتقاليدها وامتدادها في حياة النّاس وفي وعيهم وتفكيرهم... حتى أصبح لها صفة القداسة في النفوس وغدت أشبه بالحقيقة المطلقة التي تصل إلى مستوى البديهيات الوجدانية التي يبادر الوجدان إلى رفض كلّ ما يخالفها لأوّل بادرة معارضة دون مناقشة أو تأمّل.

أ ـ حالتهم النفسية:

وهذا هو ما تعبّر عنه الآية الكريمة التي صوّرت لنا الحالة النفسية التي واجه بها المشركون فكرة التوحيد في مقابل فكرة الشرك.

{أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنَّ هذا لشيءٌ عُجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إنَّ هذا لشيءٌ يُراد * ما سمعنا بهذا في الملَّة الآخرة إن هذا إلاَّ اختلاقٌ} (ص:5ـ7).

فلم تكن القضية ـ في تفكيرهم ـ أمراً يستوجب الردّ والمناقشة، بل هو ممّا يبعث على العجب ليس إلاَّ... ولذا نرى أنَّهم أصيبوا بما يشبه حالة الذعر المفاجئ الذي يقتضي منهم الصمود والصبر، كردّ فعل منهم على الذي لـم يسمعوا به في الملّة الآخرة، ليقرروا ـ بعد ذلك ـ أنَّه مجرّد اختلاق.

ب ـ الشرك والتوحيد في معركة التحدي:

وفي ضوء هذا الواقع،كان الشرك يمثّل التحدي الكبير لحركة الرسالة في المجتمع، باعتباره العقبة الكبيرة التي تقف حاجزاً بين الرسالة وامتدادها في حياة النّاس، لأنَّ الشرك لـم يكن شيئاً طارئاً في حياتهم، بل هو منهج حياة، ونظام مجتمع، وكانت الرسالة تمثّل التحدي الكبير لعقيدة الشرك، باعتبارها العقيدة التي ينطلق التوحيد فيها، الذي يشكل القاعدة الأساسية التي يتحطم عليها كلّ فكر للشرك، وكلّ سلوك عملي ينطلق منه... حتى الأشياء الخفية التي تجسّد إحساس الإنسان وعلاقة الآخرين بحياته ومدى ارتباطه بهم، وهو ما يطلق عليه الشرك الخفيّ الذي تمثّل بعض مظاهره في سلوك المرائي الذي يُراقب فيه النّاس كما يُراقب فيه اللّه.

وبدأت المعركة كأقوى ما تكون المعركة... ولـم يفتح الإسلام ـ في أسلوب النبيّ في الحوار وفي الصراع ـ المعركة في الإطار الذي أرادوا أن يفتحوها فيه، لأنَّ الأفق الذي يتحرّك فيه التحدي الرسالي للشرك، يختلف عن الأفق الذي يتحرّك فيه تحدي الشرك للرسالة.

ففي الحالة الأولى: تتحرّك الرسالة من موقع فكر يرتبط بالحقيقة الواسعة للكون والحياة.

أمّا في الحالة الثانية: فإنَّ الشرك يتحرّك من موقع العادة المرتبطة بالجانب العاطفي من تراث الآباء والأجداد، ومن مركز الامتيازات الذاتية التي يمنحها للكبراء الذين يسيطرون على النّاس.. ومن الطبيعي أن يترك هذا الاختلاف في نوعية التحدي، تأثيره الكبير على الأسلوب الذي يستخدمه كلّ منهما في حركة الصراع.

ج ـ أسلوب العقل أمام أسلوب الانفعال:

وممّا نلاحظه في أساليب الشرك في هذا الصراع، الحركة التشنجية التي لا تملك مجالاً للمواجهة من موقع الفكر.. فتحاول أن تغطي ذلك بالأساليب القلقة من السباب والشتائم والإمعان في إثارة الاتهامات الظالمة بدون حساب... ثمَّ العمل على حشد الأجواء الانفعالية حول دعاة التوحيد التي قد تؤدي إلى ممارسة الاضطهاد والتعذيب وغير ذلك ممّا يلجأ إليه ـ عادةً ـ الطغاة الذين لا يملكون الحجة أمام خصومهم، فيُسخّرون القوّة التي يملكونها لخنق مقاومتهم.

ونلاحظ في أساليب الرسالة ـ في مقابل ذلك ـ التحرّك الهادئ الوديع الذي يفتح قلوب المشركين على كلمة التوحيد فكراً وعملاً، ويفرّغ أفكارهم ـ تدريجياً ـ من كلّ معاني الشرك ودوافعه في خطّة مدروسة حكيمة، تضع لكلّ موقف خطوطه الواضحة.. فقد يحتاج الموقف إلى الصدمات الفكرية التي تجعل الإنسان في موقف فكر وتأمّل، يراجع فيه موقفه، ويحاكم ـ من خلاله ـ عقيدته.. وقد تمس الحاجة إلى الطريقة التي تجعله يواجه موقف السخرية من عقيدته، عندما تنكشف له جوانب الضعف التي تحيط به من كلّ جهة.

وهذا هو الأسلوب الذي اتّبعه النبيّ (ص) في القرآن في حركة الحوار.. فلم يكن من الممكن أن يسلك غير ذلك، لأنَّه يتحرّك من قاعدة الإحساس المطلق بالثقة بقوّة فكره في مقابل ضعف الآخرين، ما يجعله يدرك أنَّ الموقف الأخير سوف يكون إلى جانب الرسالة. هذا من جهة... أمّا من جهة أخرى، فإنَّه لا يهدف من صراعه أن يسجّل على خصومه موقفاً للغلبة في ميدان السباق، بل كان هدفه أن يجعلهم يتحرّكون معه في الخطّ الذي يسير عليه ليتّحد الموقف والمصير من خلال القناعة الذاتية المرتبطة بالبرهان الواضح والحجج القوية، ولذا فإنَّ أساليبه يجب أن تساهم في الوصول إلى هذا الهدف وإن طال بها المجال، أو اختلفت مبادراتها مع نوازع الانفعالات النفسية التي تدعو الإنسان إلى السرعة والارتجال.

د ـ الشرك يفقد دليل الإثبات:

وكانت البداية من خلال الموقف ـ المنهج.

فالفكرة التي تحكم الموقف هي أن تكون هناك حجة على الفكرة، وبرهان على العقيدة، وشاهدٌ من علم.. فهو يطلب من الآخرين كلّ ذلك في سبيل إثبات موقفهم، كما يطلب ذلك من نفسه فيما يدعو إليه من عقيدة، وفيما يتبناه من فكر. فيبدأ التحدي من موقع تعرية مواقفهم من خلال ما يطرحه من علامات الاستفهام التي تطلب منهم إقامة الدليل على ما يعتقدون.. ولكنَّه ليس استفهاماً يطلب المعرفة، كما يكون عليه الاستفهام الحقيقي الذي هو تعبير عن طلب الفهم ـ كما يقول علماء العربية ـ بل هو استفهام إنكاري، يطرح النفي بأسلوب الاستفهام الذي يُنكر على المخاطبين ثبوت ما يدّعونه.

وهذا ما تعبّر عنه الآيات التالية:

{قل أرأيتم ما تدعون من دون اللّه أرُوني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شركٌ في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارةٍ من علم إن كنتم صادقين} (الأحقاف:4).

{... قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتَّبعون إلاَّ الظَّنَّ وإن أنتم إلاَّ تخرُصُون} (الأنعام:148).

إنَّه يطرح القضية من خلال بديهيّاتها العاديّة.. فإذا كان هؤلاء الذين تدعون من دون اللّه آلهة، فلا بُدَّ للإله من القيام بعمليّات الخلق.. وإلاَّ فما معنى أن يكون إلهاً، فأين مخلوقاته في الأرض، وأين مخلوقاته في السماء؟.. فإذا كان الجواب سلباً فأين الدعوة، وإذا كان إيجاباً فأين الدليل.. من كتاب نقرأه، ومن علم يقدّموه لنا كتاباً أو أثارةً من علم، فماذا يبقى بعد ذلك.. إنَّه الظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئاً، والتخرصات التي لا يثبت بها شيء لأنَّها لا تستند إلى شيء.

هـ ـ التوحيد يثبت استحالة الشرك:

ثمَّ يتطور الموقف في الحوار إلى تأكيد الإسلام في التوحيد، ورفض الشك من قاعدة التفكير العقلي، والمحاكمة المنطقية.. ليتكامل الحوار في الحالتين من القاعدتين الفلسفيتين المعروفتين في الفكر الفلسفي للنفي.. وهما: عدم الدليل على الشيء فلا مجال للإثبات، والدليل على العدم، فالنفي حتمية عقلية، إنَّه ـ في هذا الأسلوب ـ يقيم الدليل على استحالة فكرة الشرك من حيث هي فكرة مجرّدة، بغضّ النظر عن طبيعة النّاس الذين يعتقدونها، وطبيعة المبررات التي ينطلقون منها في العقيدة.

قال تعالى:

{أم اتخذوا آلهة من الأرض هم يُنشرون * لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ اللّه لفسدتا فسبحان اللّه ربِّ العرش عمّا يصفون} (الأنبياء:21ـ22).

{قل لو كان معه آلهةٌ كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} (الإسراء:42).

{ما اتّخذ اللّه من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلُّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان اللّه عمّا يصفون} (المؤمنون:91).

إنَّ تعدد الآلهة يفترض القدرة المطلقة لكلّ منها، لأنَّ ذلك من أخصّ صفات الالهية.. وذلك يوجب صحة الفرضية القرآنية، أن يريد كلّ من هذه الآلهة غير ما يريده الآخر.. فيقع التنازع الذي يؤدي إلى الفساد الكوني.. ولكنَّ الواقع يرفض ذلك، إذ لا فساد في نظام الكون أو في مسيرته، فيجب أن نرفض فكرة التعدد.

وتنطلق الآية الثانية في رفض الفكرة من طرح القضية في اتجاه آخر، وهي أنَّ وجود الآلهة الآخرين يقتضي أن يملكوا القدرة على مغالبة ذي العرش والوصول إليه، لأنَّ الاشتراك في الألولهية يوجب الاشتراك في صفات الذات، وفي مقدمتها القدرة المطلقة، ما يجعل لهم القدرة على الوصول إليه ومنازعته سلطانه.. ولكن هذا غير وارد، لأنَّه لا أثر له في الكون.

أمّا الآية الثالثة: فإنَّها تتجه اتجاه الآيتين السابقتين، وتضيف إلى ذلك فكرة التقسيم في الكون الذي يقتضي اختصاص كلّ منهما بما خلقه، وعدم مشاركة الآخر له في ذلك، مع أنَّ هذا غير وارد من حيث الواقع الذي نجد فيه الخلق بأجمعهم يسيرون في نظام واحد لا اختلاف فيه ولا خلل.

و ـ المتكلّمون يفلسفون الدليل:

ويحاول المتكلّمون ـ كعادتهم ـ أن ينطلقوا ـ في هذه الآيات ـ انطلاقة فلسفية، تضع أمامنا ـ من خلال الآية ـ دليلاً فلسفياً أطلقوا عليه اسم (دليل التمانع).

وخلاصته ـ فيما ينقله لنا صاحب مجمع البيان في تفسير الآية الأولى ـ: »أنَّه لو كان مع اللّه سبحانه إلهٌ آخر لكانا قديمين. والقِدم من أخص الصفات، فالاشتراك فيه يوجب التماثل، فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيين، ومن حقّ كلّ قادرين أن يصبح كون أحدهما مريداً لضدّ ما يريده الآخر من إماتةٍ أو إحياءٍ أو تحريك أو تسكين أو إفقار أو إغناء ونحو ذلك.. فإذا فرضنا ذلك، فلا يخلو إمّا أن يحصل مرادهما وذلك محال، وإمّا أن لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين، وإمّا أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر فينتقض كون من لـم يقع مراده ـ من غير وجه منع معقول ـ قادراً.. فإذاً لا يجوز أن يكون الإله إلاَّ إلهاً واحداً.

ولو قيل أنَّهما لا يتمانعان، لأنَّ ما يريده أحدهما حكمةً فيريده الآخر بعينه، فالجواب عنه، أنَّ كلامنا في صحة التمانع لا في وقوع التمانع، وصحة التمانع تكفي في الدلالة لأنَّه يدل على أنَّه لا بُدَّ من أن يكون أحدهما متناهي القدرة فلا يجوز أن يكون إلهاً«(1).

أمّا تعليقنا على ذلك فهو إنَّ من الممكن أن تكون هذه الآيات الثلاثة، أو الآية الأولى بشكل خاص، ناظرة إلى ما ذكره المتكلّمون.. ولكنَّ القرآن الكريم يتجه في أدلته ـ حتى العقلية منها ـ إلى الأدلة التي ترتبط بالفكرة، بعيداً عن كلّ الاصطلاحات أو المناورات الفلسفية.. وفي ضوء ذلك، فإنَّنا نجد في هذه الآية الكريمة تقريراً لحقيقة طبيعية تفرضها قضية تعدد القوى وتعدد السلطات في المجال الواحد, تماماً كما هو الحال في القوى الموجودة في الحياة، عندما يملك كلّ منهما القوّة المطلقة، والكيان المستقلّ في الفكر والإدارة والحركة.. ما يؤدي إلى الاختلاف، فالتنازع، فالفساد، فالغلبة، فالاستقلال فيما يختص به.. إلى غير ذلك من نتائج التعدد.

ومهما كانت القضية، فإنَّ هذا الأسلوب الذي تقرره هذه الآية يسير في اتجاه إعطاء الجواب للمشركين في ما يطرحونه من عقيدة الشرك في مجالات الحوار.. من موقع إقامة الدليل على الرفض، من دون أن يكتفي بالاتجاه السلبي من ذلك، وهو عدم قيام الدليل على الفكرة، لأنَّ البقاء في الجانب السلبي لا ينفي إمكانية الفكرة، بل ينفي وجود الدليل على وقوعها انطلاقاً من الفكرة العقلية القائلة إنَّ عدم الدليل لا يدل على العدم، فإذا كان الآخرون بحاجة إلى الدليل على الإثبات، فإنَّك بحاجة إلى الدليل على النفي.

ز ـ الشرك في إطار الواقع:

وهذا أسلوب جديد، يصوّره لنا القرآن الكريم في طريقة الحوار التي أراد للنبيّ محمَّد (ص) أن يتبعها مع المشركين، ويتميز بوجود الجانب العقلي فيه ـ إذا صح التعبير ـ إذ يرتكز على رفض ألوهيتهم في البداية من خلال تجريدها من صفة الألوهية المتمثّلة في الخلق والقدرة المطلقة، والأزلية، وغير ذلك.. ثمَّ يضيف إلى ذلك، الإمعان في تجريدهم من كلّ الصفات التي توحي للإنسان بأيّ نوع من أنواع الاحترام، ما يضعهم موضع السخرية، في إطار الكيان الذاتي.. فضلاً عن مركز الألوهية العظيم.

ويتمثّل هذا الأسلوب في الآيات الكريمة:

{أيُشركون ما لا يخلُقُ شيئاً وهم يُخلقون * ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتَّبعوكم سواءٌ عليكم أدعوتُمُوهم أم أنتم صامتون * إنَّ الذين تدعون من دون اللّه عبادٌ أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجلٌ بها أم لهم أيدٍ يبطشون بها أم لهم أعينٌ يبصرون بها أم لهم آذانٌ يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثمَّ كيدونِ فلا تنظرون} (الأعراف:191ـ195).

{واتّخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً} (الفرقان:3).

فإنَّنا نلاحظ ـ في البداية ـ أنه قد تـمّ نفي الخالقية والأزلية، ونفي القدرة حتى على نصر الذات، فيما يواجهها من ضرر أو موت أو حياة أو نشور، وعدم الإحساس مع فقدانها لكلّ أدوات القدرة والقوّة والإحساس،.. حتى في نطاق الكائنات الأرضية.. إنَّها الصورة الحيّة التي لا توحي إلاَّ بالسخرية والمهانة.. فكيف يمكن أن ترقى إلى مستوى الآلهة التي تُعبد!!

{يا أيُّها النّاس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إنَّ الذين تدعون من دون اللّه لن يخلُقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلُبُهم الذُّبابُ شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطَّالب والمطلوب} (الحج:73).

إنَّنا نواجه في هذه الآية الكريمة الإيحاء العميق بالعجز المطلق، أمام أصغر المخلوقات وأحقرها.. في أروع صورة تتجسّد فيها عناصر السخرية بفكرة ألوهية هؤلاء الذين يعبدونهم من دون اللّه.. وأيّة صورة أبلغ من أن تتصور الآلهة، بكلّ ما تعطيه صفة الألوهية من قوّة، عاجزة عن خلق ذبابة ثمَّ تضع إلى جانب هذه الصورة صورتين:

إحداهما: صورة اجتماع الآلهة على خلق ذبابة واحدة، فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، بالرغم ممّا يبذلونه من مجهود في هذا السبيل.

ثانيهما: صورة الذباب في كلّ ما يجسّده هذا المخلوق الصغير، من معاني الصغر والضعف والحقارة، والقدرة الجسمية، وقد اندفع إلى هؤلاء الآلهة الكبار، ليسلبهم شيئاً ـ أي شيء.. وهنا يطير الآلهة أو يركضون خلفه.. ويلهثون لاسترجاع ما أخذه، ولاستنقاذ ما سلبه.. فلا يسترجعونه منه، ولا يستنقذونه من براثنه ـ إن كان للذباب براثن ـ إنَّه الأسلوب الذي يجرّد هؤلاء من صفات الألوهية من جهة، ويعرّضهم للسخرية والاستهزاء من جهة أخرى.. ما يؤدي إلى التأثير على موقف هؤلاء الذين اعتقدوا بهم وعبدوهم من دون اللّه.. عندها يجدون أنفسهم في حالة لا يحسدون عليها، لأنَّها لا ترتكز على أساس.. ولا توحي بالاحترام إن لـم توح بخلافه من استهزاء وسخرية واحتقار.

تلك هي بعض النماذج القرآنية للأسلوب الذي اتبعه النبيّ (ص) مع المشركين في حواره معهم، انسجاماً مع الواقع البشري في مواجهة ما يؤمن به، أو ما يؤمن به الآخرون.. وقد دلت مسيرة الإسلام وحركته في مجتمع الشرك على نجاح هذه الأساليب من خلال التجربة الحيّة، كما أنَّها ليست بعيدة عن المجالات الأخرى للعقيدة والسلوك في صراع الأفكار كلّها من أجل الحياة.

الدعوة بين الملحدين والمشركين:

واجه الإسلام بعد ذلك قصة الإلحاد، ولكن بشكل أقل امتداداً وانتشاراً من موضوع الشرك في مجتمع الرسالة، ولهذا نلاحظ ـ في المعالجة القرآنية له ـ أنَّ الحملة التي واجه فيها فكرة الإلحاد كانت أكثر هدوءاً من حملته التي واجه فيها فكرة الشرك، لأنَّ المواجهة هناك في الشرك هي قضية فكرة تقابل فكرة، وواقع يمتد ـ من خلال هذه الفكرة ـ ليجابه الواقع الذي يريد الإسلام أن يفرضه في المجتمع.

أمّا في الإلحاد، فالقضية ـ في ذلك المجتمع ـ قضية فكرة تواجه فكرة دون أن يكون لها امتداد مباشر في المجتمع الذي وُلدت فيه الرسالة، وإن كان لها امتداد في مجتمعات أخرى من جهة، وانعكاس على المجتمع الجديد من جهة أخرى.

هذا في الوقت الذي كان فيه الإلحاد يتنكر لفكرة وجود اللّه بالمطلق، فإنَّ المشركين لـم يتنكروا لفكرة وجود اللّه، بل كانوا يشركون غيره بعبادته، دون أن يشعروا بأنَّ أولئك الشركاء في مستوى اللّه قيمةٌ وعظمةٌ، بل كان شعورهم أنَّ قيمة هؤلاء كانت في قربهم إلى اللّه، بالشكل الذي لا يصل إليه أحدٌ في الحياة.. ولهذا كانوا يعبدون هذه الأصنام ليكونوا وسطاء وشفعاء يقرّبون النّاس إلى اللّه.. وما القرابين التي كانت تقدّم لهم إلاَّ من أجل الحصول على رضاهم، وهذا ما تعبّر عنه الآية الكريمة التي يشرح فيها هؤلاء مبررات عبادتهم لتلك الأصنام.

{... ما نعبدُهُم إلاَّ ليُقرِّبونا إلى اللّه زُلفى...} (الزمر:3).

ولهذا انطلق القرآن ـ كما رأينا في ما تقدّم من حديث ـ في الاتجاه الذي حاول فيه أن يجرّد هؤلاء من كلّ صفة ذاتية أو غير ذاتية، تجعل منهم أشياء محترمة في أنفسها ـ على الأقل ـ فضلاً عن بلوغها مستوى الوجود الأقرب والأفضل إلى اللّه سبحانه وتعالى.. كما ألمحنا إليه في الأسلوب الذي يجمع بين مناقشة الفكرة من جهة والسخرية من جهة أخرى.

ولكن هذا لا يمنع من أن تكون لفكرة الإشراك باللّه ارتباط بفكرة وجود اللّه، باعتبار أنَّها ترتبط بالتصوّر الصحيح لفكرة الألوهية التي تضع العقيدة في إطارها الطبيعي، لأنَّه لا قيمة لمجرّد الفكرة، بعيداً عن الصفات الأساسية التي تجعلها في صورتها الحقيقية.. ولهذا نلاحظ أنَّ قسماً كبيراً من المناقشات المطروحة في القرآن الكريم، استهدفت تصحيح فكرة الألوهية في وعيهم العقائدي، فإنَّه عندما كان يصل الشركاء إلى مرحلة يدركون فيها بأنَّهم يخلقون شيئاً وهم يُخلقون، وأنَّهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، كان يُنكر عليهم هذا التصوّر المنحرف الذي كان يتقبّل هذا الاعتقاد باللّه، ليوحي لهم بأنَّ قضية الأزلية والخلق والقدرة المطلقة والغنى المطلق، هي من أبرز صفات الإله، وبذلك نستطيع اعتبارها مقياساً لصحة أيّة فرضية للألوهية وفسادها.

ومن هنا نعتبر الفصل السابق ـ مع المشركين ـ مرتبطاً بهذا الفصل، في هذا الجانب من العقيدة.

القرآن يرسم المنهج للحوار:

قلنا في بداية الحديث في هذا الفصل.. إنَّ الحوار الذي أجراه القرآن الكريم، في قضية إثبات وجود اللّه، ورفض فكرة الإلحاد، كان يسير بشكل أكثر هدوءاً من الحوار الذي أجراه في قضية التوحيد.

وعلى ضوء هذه الفكرة، نلاحظ أنَّ القرآن الكريم بدأ في رسم الصورة من خلال المنهج الجديد الذي يريد أن يدفع به إلى تفكير المجتمع وطريقته في مواجهة القضايا، فابتدأ الموقف بالدعوة إلى التفكير في الكون كلّه، بما فيه من ظواهر ومخلوقات، من أجل البحث عن أسراره والقوانين الطبيعية المودعة فيه، التي تحكم مساره وتوجّه حركته، كما أراد من الإنسان أن يرجع إلى صفاء فطرته وهو يعمل، وإلى هدوء عقله وهو يفكر، لأنَّ الفطرة الصافية، والعقل الهادئ، إذا انطلقا في كيان الإنسان المنفتح على كتاب الكون المفتوح ـ الذي يقرأ فيه ببصره وبصيرته ـ استطاعا أن يقودانا إلى النتيجة الحاسمة، وهي أنَّه لا بُدَّ للكون من مدبر حكيم قدير.

ولهذا نجد القرآن الكريم وثيقة حيّة شاملة لكلّ ما في الكون من ظواهر وموجودات وأوضاع تحكم سير الإنسان وسير الحياة، باعتبارها مادة حيّة للتفكير الذي يؤدي ـ بأقرب طريق ـ إلى الإيمان بوجود اللّه.

ونلاحظ ـ في هذا الجانب ـ أنَّ القرآن الكريم لا يقتصر على دعوة الإنسان للتفكير في ذلك كلّه، بل يحاول أن يطرح أمامه الخطوات الأولى في هذا السبيل، ليدلّه على بدايات الطريق.

الكون كتاب الإيمان:

والآن، ونحن نخوض في لجج هذه الفكرة، نستعرض الآيات القرآنية التي طرحت أمامنا أسلوب الحوار وجهاً لوجه:

{إنَّ في خلق السَّموات والأرض واختلاف الليل والنّهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل اللّه من السّماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثَّ فيها من كلّ دابّة وتصريف الرياح والسَّحاب المسخَّر بين السَّماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} (البقرة:164).

{إنَّ اللّه فالق الحبِّ والنَّوى يُخرج الحيَّ من الميّت ومُخرجُ الميّت من الحيّ ذلكم اللّه فأنّى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشَّمس والقمر حُسباناً ذلك تقدير العزيز العليم * وهو الذي جعل لكم النُّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر قد فصَّلنا الآيات لقوم يعلمون * وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون * وهو الذي أنزل من السَّماء ماءً فأخرجنا به نباتَ كلّ شيء فأخرجنا منه خُضراً نُخرج منه حبَّاً متراكباً ومن النَّخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجناتٍ من أعنابٍ والزَّيتون والرُّمان مشتبهاً وغير متشابهٍ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعهِ إنَّ في ذلكم لآيات لقومٍ يؤمنون} (الأنعام:95ـ99).

{اللّه الذي رفع السَّموات بغير عمدٍ ترونَهَا ثمَّ استوى على العرشِ وسخَّر الشَّمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمَّى يُدبِّرُ الأمر يُفصِّل الآيات لعلَّكم بلقاء ربِّكم توقنون * وهو الذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كلّ الثَّمرات جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الليل النَّهار إنَّ في ذلك لآيات لقوم يتفكَّرون * وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجنَّاتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيل صِنوانٌ وغير صِنوانٍ يُسقى بماء واحدٍ ونفضِّل بعضها على بعض في الأكل إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون} (الرعد:2ـ4).

وهكذا نشعر بالحياة، بكلّ مظاهرها العظيمة، وجمالها الرائع، تتحرّك أمام نظرنا، لتعيش في وعينا وفكرنا، من خلال قصة الوجود الأولى التي تتجدد باستمرار، وتتحرّك بحيوية، لتخاطب وجداننا وعقولنا وفكرنا، باعتبار أنَّها ظلال للقدرة المطلقة التي تدلنا على من خلقها وأوجدها، وأعطاها كلّ هذه العظمة، وكلّ هذا السحر والجمال، وهكذا تلتقي العظمة والسحر والجمال في الوجود، في شهادة على سرّ الخلق وعظمة الخالق.. إنَّه الأسلوب الرائع الذي يربي لنا ـ ونحن في رحلة المعرفة ـ الحس الوجداني بالروعة، والذوق والعقل الواعي بالأسرار الكبيرة التي تعيش في نطاق الكون الكبير.

... وتنطلق الآيات ـ في صورة أخرى ـ لتوجه النظر إلى كلّ هذا في أسلوب مباشر:

{قل انظروا ماذا في السَّموات والأرض وما تُغني الآيات والنُّذر عن قوم لا يؤمنون} (يونس:101).

{... ويتفكَّرون في خلق السَّموات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً...} (آل عمران:191).

{... وفي أنفسكم أفلا تبصرون...} (الذاريات:21).

إنَّها الدعوة الواثقة بالحقيقة الكامنة في كلّ ما في السَّموات، وفي كلّ ما في الأرض، التي لا تتطلب من الإنسان إلاَّ أن ينظر ويتأمل ويفكر.. من دون حاجة إلى جهد كبير، أو أخذ وردّ.

وهي ـ في الوقت ذاته ـ دعوة إلى الانطلاق في حركة الفكر نحو التعرّف على أسرار الكون، والاطلاع على القوانين الطبيعية المودعة فيه، من أجل اكتشاف الطريقة التي يستطيع الإنسان الاستفادة منها في التعامل مع هذه القوانين في مجالات الحياة المتحرّكة في أكثر من اتجاه.

حركة الحياة طريق للإيمان:

وبهذا يمكننا أن نقرِّر، أنَّ طريق العلم في الإسلام يمر بطريق الدين، على أساس الفكرة التي تطلقها هذه الآيات لتجعل من قضية الإيمان باللّه، حافزاً للإنسان على اكتشاف الخالق من خلال اكتشافه لعظمة خلقه، كما أنَّ العكس هو الصحيح، وهو أنَّ طريق الدين يمر بطريق العلم، لأنَّ الإنسان كلّما ازداد علماً ازداد معرفة باللّه، وكلَّما ازدادت معرفته باللّه، ازداد تدينه وخشيته من اللّه وامتثاله لأوامره، وهذا ما تعبّر عنه الآية الكريمة:

{... إنَّما يخشى اللّه من عباده العُلماءُ...} (:28).

ونلاحظ في هذا الجانب، أنَّ أسلوب الحوار هو الأسلوب الذي تتحرّك فيه الآيات لإثبات وجود اللّه، ومن خلال ظواهر الكون وأسرار الطبيعة، حيث نرى أنَّ القرآن الكريم في حديثه عن الإيمان بوجود اللّه، لا يتحدَّث عنه بالطريقة الفلسفية المجرّدة التي تجعل من الفكرة شيئاً تجريدياً يرقد في الفكر بأسلوب عقليّ جافّ لا تشعر بأيّ أثر للحياة فيه، بل يحاول أن يتحدّث عنه من خلال حركة الحياة التي تشير إليه ـ وهو يرعى الحياة ويخلقها وينميها ويجددها ويحييها ـ وتدعو الإنسان ـ على هدى ذلك ـ إلى شكره وعبادته، وإلى التعرّف عليه من خلال حاجة الإنسان إلى شكر النعم وعبادة المنعم.، حيث تكون المعرفة باللّه غايةً في نفسها ووسيلة إلى الشكر والعبادة، لأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يشكر أو يعبد من لا يعرف.. فهذا الكون وما فيه من عظمة، هو دليلٌ على وجود اللّه من جهة، ونعمة للإنسان من جهة أخرى ينبغي للإنسان أن يشكرها.

ولعلّ قيمة هذا الأسلوب، أنَّه يجعل العقيدة تتحرّك مع حركة الحياة اليومية، ومع الكون الواسع الكبير الذي يحيط بالإنسان، ويدفع حياته إلى النموّ والتجدد والاستمرار، فلا يشعر الداعية في حواره مع الآخرين أنَّه ينفصل عن الحياة وهو يتحدّث، ولا يشعر الآخرون أنَّهم يغرقون في ضباب الأفكار التجريدية وهم ينطلقون في معرفة اللّه.. وبهذا تكون قضية المعرفة باللّه والإيمان بوجوده قضية الحياة بكلّ ما فيها من قوّة وحيوية واستمرار، وليست قضية الخيال الذي يلهث ليفتّش عن موطئ قدم له في عالـم الواقع.

وتواجهنا ـ في هذا الأسلوب ـ آيات كثيرة نختار بعضاً منها، كمثلٍ حيّ على ذلك:

{واللّه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكُمُ السّمع والأبصار والأفئدة لعلَّكم تشكُرُون} (النحل:78).

{أو لَم يَرَ الذين كفروا أنَّ السَّموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيّ أفلا يؤمنون * وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لعلَّهم يهتدون * وجعلنا السَّماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون} (الأنبياء:30ـ32).

{ألَم تَرَ إلى ربِّك كيف مدَّ الظلَّ ولو شاء لجعله ساكناً ثمَّ جعلنا الشَّمس عليه دليلاً * ثمَّ قبضناهُ إلينا قبضاً يسيراً * وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنَّوم سُباتاً وجعل النَّهار نُشوراً * وهو الذي أرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السَّماء ماءً طَهوراً * لنحيي به بلدة ميتاً ونُسقيه ممّا خلقنا أنعاماً وأناسيَّ كثيراً} (الفرقان:45ـ49).

إنَّنا نشعر ـ ونحن نقرأ هذه الآيات ـ بحياتنا التي نعيشها منذ بدأنا رحلة الحياة إلى أن انطلقنا في النشأة الكاملة... نأكل ونشرب ونتحرّك ونواجه حاجاتنا الطبيعية التي سخّر اللّه لنا قوى الكون من أجل أن تلبِّيها وتحققها لنا في كلّ مجال.. ونحس ـ بعمق ـ كيف يكون وجود اللّه في حياتنا، قضيةً تتصل بسرّ الحياة الذي لا نستطيع الانفصال عنه ولو لحظة، لأنَّ ذلك يعني الانفصال عن معنى الوجود، الذي يتحوّل إلى فرضية تبحث عن أساس لها بين آلاف الاحتمالات.

وهكذا نجد، في هذه النماذج وغيرها، كيف يمكن للداعية المسلم أن يفيض في الحياة عن ظواهرها وهو يتحدّث عنها كما يتحدث عن أي موضوع آخر يتصل بالحياة، حتى إذا استطاع أن يشد أفكار الآخرين واهتمامهم إلى ذلك، أطلق الفكرة الإلهية كفكرة تبرّر ذلك كلّه، وتعطيه المعنى المعقول في عملية توعية وإيمان.

ويتعاظم هذا الدور في الوسط العلمي الذي يهتم دراسة وتدريباً بعلوم النبات والحيوان والفيزياء والكيمياء، فإنَّ من الممكن أن يجد في هذا الوسط الميدان الرحب الذي يجول ويصول فيه بالأسرار الكامنة في كلّ هذه العلوم التي تمتد جذورها بعمق في الحياة، لتصل إلى المعرفة الحقَّة باللّه سبحانه وتعالى.

العقل طريق للإيمان:

حاول القرآن الكريم في أسلوب الحوار من أجل الإيمان باللّه أن يطرح الفكرة المضادة، إلى جانب فكرة الإيمان باللّه.. في نطاق الطريقة العقلية في التفكير، التي تطرح الفروض المحتملة.. ثمَّ تبدأ عملية النفي والإثبات، لتكون النتيجة في مصلحة الغرض الأخير الذي يثبت أمام النقد، وذلك هو ما تجسّده لنا الآية الكريمة في قوله تعالى:

{أم خلقوا من غير شيء أم هُمُ الخالقون} (الطور:35).

إنَّ الموضوع في هذه القضية لا يخلو من فروض ثلاثة:

1 ـ أن لا يكون هناك خالق.

2 ـ أن يكون الخالق هو نفس المخلوق.

3 ـ أن يكون اللّه هو الخالق.

ونلاحظ أنَّ الآية تطرح الفرضَين بأسلوب الاستفهام الإنكاري الذي يعني رفض الفكرة التي يدور الاستفهام حولها، فالفكرة الأولى مستحيلة، لأنَّ فرض الحدوث وعدم الوجود أساس لحتمية الوجود، لتكون من قبيل واجب الوجود، وهذا يفرض وجود القوّة الخالقة التي تبرّر له وجوده، ما دام فرض الوجود والعدم فيه متساويين، ما يجعل من الضروري في عملية الوجود أن نبحث لها عن علّة خارج الذات.

أمّا الفرض الثاني فهو مستحيل أيضاً، لأنَّ خلق الإنسان نفسه يفرض كونه سابقاً لنفسه في الوجود، فيلزم أن يكون الشيء موجوداً في حال عدمه، وهو فرض غير معقول، لأنَّ الموجود لا يمكن فرضه معدوماً في حال وجوده، وبالعكس، لأنَّه تناقض مستحيل.. فيثبت الفرض الثالث.. على أساس هذه المحاكمة العقلية، وهو أن يكون اللّه هو خالق الإنسان.

ويتنوّع الأسلوب في آيات أخرى، فنجد القضية تعيش بين افتراضين، أن يكون الخالق هو اللّه، أو الإنسان.، لأنَّ الفرض الثالث الذي ينفي عملية الخلق ليثبت الأزلية، لا معنى له في ممكن الوجود، وهذا ما تصوره لنا الآيات الكريمة التالية في قوله تعالى:

{نحن خلقناكم فلولا تصدِّقون * أفرأيتم ما تُمنون * أأنتم تخلُقُونه أم نحن الخالقون * نحن قدَّرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدِّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النَّشأة الأولى فلولا تذكَّرون * أفرأيتم ما تحرُثُون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزَّارعون * لو نشاء لجعلناه حُطاماً فظَلْتُم تفكَّهون * إنَّا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكُرُون * أفرأيتم النَّار التي تورون * أأنتم أنشأتـم شجرتها أم نحن المنشئون} (الواقعة:57ـ72).

ونلاحظ في هذه الآيات، أنَّ الموضوع الذي يدور حوله الحوار، ليس هو الإنسان وخلقه، بل هو الظواهر التي تعيش في حياته، ابتداءً من النطفة التي هي المرحلة الأولى في عملية الخلق، إلى الموت والحياة، إلى الزرع الذي نزرعه، والماء الذي نشربه، والنَّار التي نوقدها.

من الذي أوجد ذلك؛ هل هو الإنسان، أو اللّه..!!

وهنا تحاول الآيات الكريمة أن تركّز على عجز الإنسان في حماية هذه الأشياء من الطوارئ والحوادث، أو العمل على استمرارها، بينما نجد أنَّ هناك نظاماً دقيقاً يحكمها بعيداً عن إرادة الإنسان واختياره في بدايتها وحركتها ونهايتها، ما يجعلنا نخضع للفكرة التي يفرضها الإيمان من أنَّ الخالق لها هو خالق الإنسان، لأنَّه هو الذي يملك القدرة المطلقة في ذلك كلّه.

ونود ـ في نهاية الحديث في هذا الموضوع ـ القول إنَّ من الممكن أن تكون هذه الآيات خاضعة للمنهج الذي يريد إرجاع الإنسان إلى فطرته وإحساسه الداخلي، باعتبار أنَّ النتيجة التي نحاول الوصول إليها، تخضع للوجدان الصافي والإحساس الذاتي المجرّد، من دون حاجة إلى التحليلات الفلسفية التي أشرنا إليها في مقدمة الحديث، لأنَّ قصة النفي والإثبات ـ في هذا الموضوع ـ وجدانيّة فطرية كما يلاحظها كلّ من رجع إلى فطرته ووجدانه.

مع المنكرين للمعاد:

واجه الإسلام، مع فكرة البعث واليوم الآخر،التحديات المضادّة التي وقفت لتنكرها وتسخر منها وتعتبرها أسطورة لا تتصل بالحقيقة من قريب أو من بعيد.

ولـم يكن لأصحاب هذه التحديات من حجّة على ذلك إلاَّ الظنّ والاستبعاد، فهم يستبعدون الفكرة من خلال استبعاد أن يتحوّل الجماد إلى حياة.. فكيف يمكن لهذه الذرّات الترابية التي يتحول الإنسان إليها بعد أن يموت، أن تتحول ـ من جديد ـ إلى إنسان حيّ ينبض بالحياة ويأخذ صورته التي كانت له من جديدّ؟! كيف يمكن لها أن تتحول إلى حياة وهي تفقد كلّ عنصر من عناصر الحياة؟!

وبدأ الأسلوب القرآني يتجه إلى عدّة ألوان من تقريب الفكرة إلى الأذهان، ليرفع الاستبعاد من جهة، وليركز الفكرة على قاعدة أساسية من جهة أخرى.

الطريقة العقلية:

فكانت الطريقة العقلية في الحوار التالي الذي يديره القرآن مع هؤلاء الذين يدّعون استحالة المعاد، في قوله تعالى:

{وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يُحيي العظام وهي رميمٌ * قل يُحييها الذي أنشأها أوَّل مرّة وهو بكلّ خلق عليمٌ * الذي جعل لكم من الشَّجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السَّماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنَّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس:77ـ82).

{ويقول الإنسان أإذا متُّ لسوف أخرج حيَّاً * أولا يذكر الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولـم يكُ شيئاً} (مريم:66ـ67).

إنَّها الفكرة الواضحة وضوح الحياة، فإذا كان التفكير بالاستحالة نابعاً من التصوّر الساذج الذي يعجب للحياة كيف تنطلق من التراب الذي لا يملك أيّ مظهر للحياة، فإنَّ بإمكاننا أن نثبت له إمكان ذلك من ظاهرة بداية الحياة، لنتساءل كيف أمكن للنطفة التي ترجع في بدايتها إلى التراب أن تتحوّل إلى وجود إنساني كامل؟ ولنا أن نقول في الجواب إنَّ القدرة التي ولّدت النطفة من التراب ثمَّ ولّدت الإنسان من النطفة، هي التي تعطي التراب سرّ الحياة ليتحوّل إلى إنسان كامل من جديد. إنَّ القدرة على الانتقال من العدم إلى الوجود في البداية، تستلزم القدرة على ذلك في النهاية، لأنَّ أساس الإمكان والاستحالة فيهما واحد لا يختلف ولا يتعدَّد.

الطريقة الحسيَّة:

.. وكانت الطريقة الحسيَّة التي تحاول أن تضع الفكرة مع مثيلاتها في الحياة من خلال حركة التجدّد والتحوّل في خلق الإنسان وفي خلق النبات، ممّا يقرّب الفكرة ويجعلها شيئاً مألوفاً للإنسان، لقربه من المشاهدات الحسيَّة التي تتكرّر أمامه في كلّ وقت.. وهذا ما نلمحه في الآيات الكريمة التالية:

{يا أيُّها النَّاس إن كنتم في ريب من البعث فإنَّا خلقناكم من تراب ثمَّ من نطفة ثمَّ من علقة ثمَّ من مُضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة لنُبيِّن لكن ونقرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى ثمَّ نخرجكم طفلاً ثمَّ لتبلغوا أشُدَّكُم ومنكم من يُتوفّى ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزَّت وربت وأنبتت من كلِّ زوج بهيج * ذلك بأنَّ اللّه هو الحقُّ وأنَّه يحيي الموتى وأنَّه على كلِّ شيء قديرٌ * وأنَّ السَّاعة آتيةٌ لا ريب فيها وأنَّ اللّه يبعثُ من في القبور} (الحج:5ـ7).

إنَّها المحاولة الواقعية التي تريد أن تجعل من قصة المعاد نظاماً للحياة، يتمثّل في المراحل التي يقطعها وجود الإنسان في بداية وجوده، حيث ينتقل في كلّ مرحلة من العدم إلى الوجود، ويتجسَّد في خلق النبات الذي لا يموت إلاَّ ليعود من جديد في عملية بعث الحياة في البذور المتناثرة في الأرض كمثل التراب.

المعاد في إطار قدرة اللّه:

وكان الأسلوب الثالث يسير في اتجاه التأكيد على عظمة اللّه وقدرته التي لا تقف عند حد، الأمر الذي يجعل من موضوع الاستبعاد والتفكير بالاستحالة شيئاً لا معنى له، فما دامت قدرة اللّه متمثّلة في كلّ هذا الوجود، فما الذي يمنعها من أن تتجسَّد في إعادته من جديد من دون أن يكون هناك ما يمنع من إعمال القدرة في النهاية، كما لـم يكن هناك ما يمنع من إعمالها في البداية، كما أنَّ موضوع البحث ليس بأعظم من خلق السَّماوات والأرض وغيره من مظاهر العظمة في الخلق، وهذا ما نجده في هذه النماذج من الآيات الكريمة:

{بل قالوا مثل ما قال الأوَّلون * قالوا أإذا متنا وكنَّا تراباً وعظاماً أإنّا لمبعوثون * لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلاَّ أساطير الأوَّلين * قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون للّه قل أفلا تذكَّرون * قل من ربُّ السَّماوات السَّبع وربُّ العرش العظيم * سيقولون للّه قل أفلا تتَّقون * قل من بيده ملكوت كلِّ شيء وهو يجير ولا يُجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون للّه قل فأنّى تسحرون} (المؤمنون:81ـ89).

{أولـم يَرَوا أنَّ اللّه الذي خلق السَّماوات والأرض ولـم يعي بخلقهنَّ بقادر على أن يُحيي الموتى بلى إنَّه على كلّ شيء قديرٌ} (الأحقاف:33).

{أوليس الذي خلق السَّماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنَّما أمرُهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس:81ـ82).

فقد لاحظنا في هذه الآيات أنَّها لـم تحاول أن تناقش تفكير المنكرين للمعاد على أساس الاستبعاد بصورة مباشرة، بل حاولت أن تثير أمامهم علامات الاستفهام فيما يحيط بهم من السَّماء والأرض وما فيهما: لمن كلّ هذا؟ ومن الذي خلقه؟ ومن الذي بيده ملكوت كلّ شيء؟ لتوجههم إلى عظمة القدرة في ذلك كلّه، الأمر الذي يقودهم إلى الاعتراف وعن قناعة واعية باللّه الذي خلق كلّ هذا، وبيده كلّ هذا، وبالتالي لا يصعب على القادر الذي خلق الكون كلّه، أن يبعث الحياة في التراب ليكون إنساناً من جديد.

إنَّه الأسلوب الذي ينطلق من الحكمة الرائعة عندما يُفاجئ الخصم بالحقيقة التي ينكرها، وهي تتحدّاه من خلال قناعاته الذاتية التي تحيط به من كلّ جانب دون أن يستطيع منها فكاكاً، أو يجد للهروب منها سبيلاً.

المعاد في إطار حكمة اللّه:

ثمَّ يتجه الحوار في اتجاه يبتعد عن موضوع الإمكان والاستحالة، والقدرة وعدم القدرة، لينطلق بالفكرة في إطار الحكمة من الوجود، وليعتبر أنَّ إنكار المعاد مساو لفكرة البعث في الخلق، وهو ما يستحيل نسبته إلى اللّه سبحانه وذلك في قوله تعالى:

{أفحسبتم أنَّما خلقناكم عبثاً وأنَّكم إلينا لا ترجعون} (المؤمنون:115).

فإنَّ التكليف والمسؤولية يستتبع مواجهة الإنسان نتائج المسؤولية، إذ دون ذلك يتحوّل الموضوع إلى عبث ولغو، لا ينسجم مع عظمة اللّه وحكمته وكماله.

الظنّ هو أساس الإنكار:

ثمَّ يرجع إلى الفكرة التي قررناها في بداية الحديث، وهو ارتباط إنكارهم الذي يواجهون به هذه الفكرة، بالظنون التي لا ترجع إلى أساس، والتخرّصات التي لا ترتكز على دليل، وهذا ما تصوّره لنا الآيتان الكريمتان في قوله تعالى:

{وقالوا ما هي إلاَّ حياتنا الدُّنيا نموت ونحيا وما يُهلكنا إلاَّ الدَّهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلاَّ يظُنُّون * وإذا تتلى عليهم آياتنا بيِّنات ما كان حجَّتهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} (الجاثية:24ـ25).

وهكذا نجد النبيّ (ص) ينطلق ـ من خلال القرآن الكريم ـ على أساس اعتبار البرهان على الفكرة سلباً وإيجاباً، أساساً للرفض أو القبول، ثمَّ العمل على محاولة تحريك الفكر الإنساني للبحث في التفاصيل للإحاطة بكلّ جوانب الموضوع، فإذا أدّى الحوار إلى النتيجة المتوخّاة فقد حقَّقنا الهدف منه، وإذا لـم نحصل منه على نتيجة حاسمة فالموقف الحكيم ـ في إطار الإيمان ـ هو ترك كلّ فكرة تمارس حركتها بعيداً عن كلّ اعتداء وبغي، ما لـم تؤد تلك الحركة إلى الإخلال بالنظام.. إنَّ الإسلام يمد يده إلى مخالفيه في الرأي ليحاورهم ويجادلهم بالتي هي أحسن.

{فإن لـم يستجيبوا لك فاعلم أنَّما يتَّبعون أهواءهم ومن أضلُّ ممَّن اتَّبع هواه بغير هدىً من اللّه إنَّ اللّه لا يهدي القوم الظَّالمين} (القصص:50).