}
(المائدة:15ـ16).
4 ـ
{لقد منّ اللّه على
المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم
ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}
(آل عمران:164).
5 ـ
{لقد أرسلنا رسلنا
بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط}
(الحديد:25).
6 ـ
{الذين يتّبعون
الرسول النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل
يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم
الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}
(الأعراف:157).
وممّا يلاحظ في هذه
الآيات، أنَّ أهداف النبوّة تشمل الحياة كلّها وتستهدف تغيير معالمها
باتجاه النهج القويم إلى درجةٍ يشعر معها الإنسان بالنور المتدفّق من كلّ
مكان يتحدَّى كلَّ غياهب الظلمات، وبتعبيرٍ آخر، ليعيش روحية الإسلام
بأنواره، من خلال تشريعه العملي الذي يركِّز خطوات السَّلام على أرضٍ
طاهرةٍ صلبة، ومن خلال تزكيته لضمير الإنسان وفكره وحياته من أجل صنع
شخصية الإنسان الزكية الطاهرة التي تتحرّك في الحياة ليعيش الانفتاح على
اللّه في لطفه وعفوه ورضوانه، والانطلاق مع تعاليمه الممتدة في آفاق
الإنسان الرحبة، المرتكزة على أساسٍ من الواقعية والحكمة في الحركة
والأسلوب.
وفي واقع الحياة
الاجتماعية، بكلّ ما فيها من خلافاتٍ ومنازعاتٍ في معركة القوّة والضعف،
والخير والشر، والعدل والظلم، والحقّ والباطل، ينطلق الإسلام ليشرّع لها
التشريعات التي تركز الحياة على قاعدةٍ متينةٍ لا مجال فيها للسلبيات،
باعتبار أنَّ حركة الدعوة تنطلق في الأساس من موقع القوّة العادلة
الحكيمة التي تضع الميزان الذي يحكم بين النّاس بالقسط في ساحة القضاء،
وفي حركة المجتمع، وفي مجالات السلم والحرب.
قد يعتقد البعض
بأنَّ الأساس في دعوة الأنبياء، هو أن تعطي الحياة روحيةً حالمةً تحلم
بالحبّ والصفاء والسَّلام في أجواء مثالية تعيش في إطار الوصايا الهادئة
والنصائح الخجولة والحِكَم الوقورة التي يُحلِّق معها الإنسان بجناحين من
الصوفية الغارقة في أمواج الضباب، ولكنَّها في الحقيقة تمثّل القوّة التي
تتعامل مع الواقع بحكمة فهمها الموضوعي له، وتواجه مشاكله بصبرٍ في وعيها
المنفتح على طبيعته، وتنطلق في إصلاحه من خطّةٍ شاملةٍ لا تحبس الإنسان
في القمقم، ولا تطلقه في الخيال، ولا تنعزل به في جانب محدود من جوانب
حياته، إنَّما تتحرّك به في كلّ المؤثرات التي تخضع لها حياته، وبذلك
يتحقّق لها هدف تحطيم الأغلال التي كانت عليهم.
حركية الرسالة بين
خطّي الدعوة والعمل:
أ ـ الرسالة في خطّ الدعوة:
ومن هذا المنطلق
تتحرّك الرسالة في شخصية الرسول وخطواته في اتجاهين يخضعان لطبيعة الحركة
ونوعية المرحلة، ففي حركة الرسالة في خطّ الدعوة، تتحرّك الخطوات هادئةً
لينةً يختزن الحنان والمحبة في الكلمة والأسلوب، حيث يختلط في هذا الجوّ
الفكر بالعاطفة ويمتزج الإيمان بالشعور.
ويواجه الإنسان
الرسالي من موقع الصبر الذي ينطلق من خطّةٍ للثبات من أجل التقدّم، لا
الاستسلام لشتى صنوف الاضطهاد والعذاب والمعاناة، لأنَّ قضية الانفتاح
على اللّه وعلى الحقّ المنطلق من وحيه، وطبيعة التحرّك من غياهب الظلمات
إلى مشارق النور، تحتاج إلى جهد كبير، ومرونة عظيمة، باعتبار أنَّ
التعامل مع الواقع الداخلي للإنسان لا يتجمَّد عند حدودٍ معينة وقوالب
جاهزة، بل يتحرّك مع طبيعة الإنسان المتجددة والمتحرّكة التي تتغيّر أمام
عوامل التغيير الذاتية والخارجية. ولهذا يحتاج الإنسان إلى عقلية ذكية
ترصد رياح التغيير قبل أن تهبَّ للعمل من أجل مواجهتها بالكلمة والحركة
والأسلوب، لتتمكن من تحويل مسارها إلى اتجاهات أخرى في خطّ الإيجابيات
بعيداً عن خطّ السلبيات.
وفي هذا الجوّ،
رأينا الآيات الكريمة التي تتحدّث عن الصفة الرسالية للنبيّ، مكتفيةً
بالتذكير والإنذار والتبشير، بعيداً عن السيطرة والإكراه، ومطلقةً الكلمة
الحقّة ليُمارس الإنسان أمامها حرية الإيمان والكفر بعيداً عن الضغوط
الخارجية. وترفع شعار
{لا إكراه في الدين}
(البقرة:256) باعتباره الشعار الذي يعيش في نطاق وضوح الحقّ وتميّزه عن
الباطل وتبنّي الرشد في مواجهة الغيّ.
{... إن أنا إلاَّ نذيرٌ وبشير لقوم يؤمنون}
(الأعراف:188).
{قل يا أيُّها النّاس قد جاءكم الحقّ من ربِّكم فمن
اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنَّما يضلّ عليها وما أنا عليكم
بوكيل * واتَّبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين}
(يونس:108ـ109).
{وإن تولَّوا فإنَّما عليك البلاغ} (آل عمران:20).
{إن أنت إلاَّ نذيرٌ * إنَّا أرسلناك بالحقّ بشيراً
ونذيراً} (فاطر:23ـ24).
{قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا
بكم إن اتَّبع إلاَّ ما يوحى إليَّ وما أنا إلاَّ نذير مبين}
(الأحقاف:9).
{فذكر إنَّما أنت مذكّر * لست عليهم بمصيطر}
(الغاشية:22).
{وقل الحقّ من ربِّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر} (الكهف:29).
{لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ}
(البقرة:256).
تؤكِّد هذه الآيات
من خلال أساليب الترغيب والترهيب الواردة فيها على الجانب الرسالي
المتمثّل بالدعوة إلى اللّه، جاعلةً من الإيمان ـ من حيث هو قناعة وعقيدة
ـ المرتكز الأساس لبلوغ عملية الانسجام مع كلمات الرسالة، ولكن من خلال
حصول عملية تأمّل وتفكير، حيث لا سيطرة على الداخل ولا إكراه، لأنَّ ذلك
بعيد عن مجال الإيمان وحركته في داخل الذات.
ومن خلال ذلك نفهم
أسلوب الدعوة في المرحلة الإسلامية الأولى في مكة، حيث كانت تستدعي إيجاد
الأجواء الطبيعية الملائمة لدخول الإسلام إلى كلّ قلب من خلال إثارة
مفاهيمه في المجتمع بين المؤيدين المؤمنين به، وبين الرافضين له الكافرين
به، الأمر الذي أدّى إلى حصول صراع عنيف، بين الأطراف المتنوعة، وأدّى
إلى حالات كثيرة من العذاب والاضطهاد والاستشهاد، ما أعطى الأفكار قوّة
دفع جديدة نفذت إلى أعماق الحياة، وامتدت دعوة الإسلام حتى وصلت إلى
مختلف أنحاء الجزيرة العربية، ما جعل منها الحدث الكبير لدى المجتمع
كلّه، وأدّى ذلك إلى انفتاح الوجدان العربي على الإسلام، حتى إذا ارتفعت
الحواجز النفسية والمادية التي أقامها المشركون أمامه، بدأ النّاس يدخلون
في دين اللّه أفواجاً.
إنَّ الأسلوب
الإسلامي في الدعوة استطاع أن يعطي الإنسان الصورة الحيّة للعقيدة في
الإطارين الروحي والفكري، ويبعدها عن الدخول في متاهات الخلافات التي
تؤجّجها الحروب، حيث انطلقت تلك الفترة لتجسّد الدين الذي يحاربه
المشركون، بدلاً من أن تكون الصورة هي صورة الجماعات التي تحاربها جماعات
أخرى، ممّا يسبب بضياع الفكرة الأصيلة في الأجواء المحمومة الحادّة كما
يحدث في أيّة حرب بين فريقين.. وهذا هو الأسلوب الأمثل في أيّ دعوة هادفة
تريد أن تفرض نفسها على الفكر والوجدان قبل أن تخوض الصراع في حركة
الحياة الهائجة.
وقد كانت شخصية
النبيّ محمَّد (ص) منسجمةً مع هذا الخطّ العريض للأسلوب السلمي للدعوة،
حيث عاش الروح المنفتحة على آلام النّاس ومشاكلهم، والمتفهمة من جانب آخر
لطبيعة التمرّد المتمثّل في مواقفهم السلبية من الإيمان باللّه الواحد،
فعملت على خلق الأجواء النفسية والفكرية التي تفتح لهم النوافذ المغلقة،
ليكتشفوا ـ ولو بعد حين ـ النور القادم من وحي اللّه.. وبعبارة أوضح، لـم
يتعقّد من اضطهادهم له ولـم يحقد عليهم ولـم يتراجع عن خطّه قيد شعرة، بل
ازداد قوّة وعزيمةً وإقداماً على مواصلة الرسالة من خلال الروح النابضة
بالمحبة للنّاس التي تلتقي مع إخلاصه لرسالته.. وهذا هو ما نتمثّله في
هاتين الآيتين الكريمتين:
{فبما رحمةٍ من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ
القلب لانفضُّوا من حولك.. } (آل عمران:159).
{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}
(التوبة:128).
وقد يكون من
بديهيات أيّة حركة رسالية أن يعيش القائمون عليها والداعون إليها روحية
فكرها وأسلوبها، لأنَّ ذلك هو السبيل الأقوم لانسجام خطواتها العملية مع
خطوطها الروحية والفكرية، والطريقة الفضلى لإعطاء الصورة الحيّة من خلال
الرّجل ـ الرسالة في أفكاره وأعماله.. إنَّ ذلك هو الذي يجعل البطل
يتحرّك في ساحة الصراع من موقع البطولة.. ولا يترك المجال للممثّلين
الذين يأخذون لأنفسهم دور البطولة دون أن يعيشوه. تلك هي حركة الرسالة في
خطّ الدعوة.
ب ـ الرسالة في خطّ العمل:
أمّا حركتها في خطّ
العمل، حيث تنتصب أمامها التحديات والعقبات في المضمون العملي للواقع،
ساعتئذ لا مناص من اعتماد أسلوب آخر يستمد خطوطه من قلب الواقع ويستخدم
فيه أسلحة الصراع، لأنَّ القضية ـ حينئذٍ ـ ليست قضية فكر جديد يُراد
إقناع الآخرين به، بل قضية حياةٍ يُراد حمايتها من عدوان الآخرين، وقضية
رسالة يريد الكافرون أن يعطِّلوا دورها في حرية الدعوة وحرية الحركة..
وبالتالي هي قضية الإنسان الذي يتطلّع إلى قوّةٍ مؤمنةٍ تحميه من ظلم
أخيه الإنسان، وتجابه ـ لمصلحته ـ قوى الشر والطغيان.. لأنَّ أيّ فكر لا
يملك القوّة لتنفيذه لا يستطيع أن يفسح المجال لنفسه بالحياة مع الأفكار
الأخرى التي تحميها القوةّ الطاغية.
وفي هذا الإطار
يتحرّك الإسلام في أكثر من اتجاه ليشرِّع القتال كأساسٍ عملي من أسس صنع
القوّة في اتجاه تحقيق الأهداف الكبيرة التي يريدها للحياة، وليدفع
بالتربية الإسلامية إلى صنع الشخصية المجاهدة التي تعتبر القتال في سبيل
اللّه فريضة إسلامية تمارسها بخشوع وإخلاص كما تمارس العبادة، من دون أن
تستسلم للانفعالات العاطفية أمام الحالات التي تنتجها عملية القوّة..
وبذلك تتكامل الشخصية الإسلامية في لقاءٍ حميم بين أسلوب الدعوة وأسلوب
الدولة، على أساس تحقيق رضا اللّه، في الإيمان على أساس القناعة، وفي
الالتزام على أساس الإيمان المرتكز على القوّة.. وفي هذا الإطار، يتحرّك
الإنسان المسلم في شعور الرحمة الذي يطبع علاقاته بالمؤمنين، وفي ممارسة
الشدّة التي تحكم مواجهته لطغيـان الكافرين.. وهذا هو ما عبَّـر عنه
اللّه في حديثه عن النبيّ والمسلمين..
{محمَّد رسول اللّه والذين
معه أشدَّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجداً يبتغون فضلاً من
اللّه ورضواناً} (الفتح:29).. ولعلّ في الفقرة الأخيرة إيحاءاً بالتقاء
الصفتين على أساس القاعدة الإسلامية التي تحكم مشاعر الإنسان المسلم
وتصرفاته.
اتجاهات سلبية:
وعلى ضوء ذلك، نفهم
خلفيات أسلوب النبيّ (ص)، سواء في حركته مع المسلمين أو مع تلك الوفود
التي قدمت لمحاورته، وكذلك في ما يتعلّق بأسلوبه في مرحلة الجهاد، حيث
نجد في حياته شخصية رجل الدعوة منسجمةً مع شخصية رجل الدولة، باعتبار
أنَّ الدعوة خطوةٌ منفتحة على الحياة والإنسان في الطريق إلى الدولة..
وبتعبير آخر، لا توجد شخصيتان مزدوجتان، بل شخصية واحدة تتوزَّع فيها
الجوانب حسب حاجة الفكرة التي ترتكز عليها الشخصية في ملامحها الأصيلة.
إنَّنا نريد إثارة
هذا اللون من الحديث لنصل من خلاله إلى نقطتين:
الأولى: حيث يوجد
اتجاه منحرف يفرض نفسه على التصوّر الإسلامي في واقعنا المعاصر.. وهو
الاتجاه الذي يريد أن يطلق شخصية النبيّ محمَّد (ص) في الأجواء الحميمة
التي تمثّل الوداعة والتسامح والرفق بعيداً عن أيّة صورة تلتقي بالقوّة
والعنف وفرض الحقّ على الآخرين، ليصلوا من خلال ذلك إلى استبعاد قضية
الحكم في أساليبه الواقعية المرتكزة على القوّة المسؤولة الحكيمة،
والإيحاء بأنَّ الدين يمثِّل مجموعةً من الوصايا والنصائح التي تخلق
الشخصية الوديعة الساحرة في إطار روحي حميم، فلا هي تفرض نفسها على
الآخرين من خلال الفكرة، ولا تفرض الفكرة على الحياة من خلال العنف، بل
تترك للآخرين أن يفعلوا أو أن لا يفعلوا، باعتبار أنَّ هذه القضية هي
شأنٌ ذاتي. ويستشهدون على صحة ذلك من خلال ما يرونه عند الرسول (ص) حسب
زعمهم:
»إنَّما بعثت هادياً لا قاضياً«.
ومن الطبيعي أن تتحرّك خطوات الهادي في طريق الأساليب الحميمة والكلمات
الرحيمة، بينما تنطلق خطوات القاضي في طريق القانون الحازم الحاسم
الحاكم.
وقد يستشهدون على
ذلك بالآيات التي تنفي الإكراه في الدين، والآيات التي تطلب من النبيّ أن
يقول الحقّ، وتتبع ذلك بقوله تعالى:
{فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر} (الكهف:29) وبالآية الكريمة: {وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين}
(الأنبياء:107)
إنَّ هذا الاتجاه
يستمدُّ حركيته من وحي التفكير المسيحي الذي يحاول أن يصوّر النبيّ
بالصورة المثالية التي تبتعد عن العنف، وتكتفي أن تعيش في أجواء القداسة
الحالمة الغارقة في أجواء الضباب الأخلاقي المثالي.. ولكنَّنا ـ في ما
قدّمناه من حديث ـ نستطيع أن نخرج بالنتيجة الحاسمة التي تضع تلك الآيات
في إطار الدعوة.. وتفسح المجال ـ بعد ذلك ـ لآيات القتال والجهاد والحكم
بالعدل ومواجهة الانحراف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومفاهيم
العزّة والكرامة والقوّة.. لتتحرّك في مجال صنع الفكرة في خطوات الحياة
بعد أن تقوم بتحريكها في مجال الفكر.. وقد يكون من الإخلاص للخطّ
الإسلامي أن نشك أو نرفض الحديث المذكور بعد أن كان مخالفاً لكتاب اللّه
الذي يخاطب النبيّ بقوله له:
{إنّا أنزلنا إليك الكتاب
بالحقّ لتحكم بين النّاس بما أراك اللّه ولا تكن للخائنين خصيماً..}
(النّساء:105) ومخالفاً لسنّة رسول اللّه الثابتة في قوله: «إنَّما أقضي
بينكم بالأيمان والبيّنات»، ومنافياً لسيرته في الجهاد الذي يفرض من
خلاله سيادة الإسلام على الأرض، وفي تطبيق القانون على المنحرفين
المجرمين من السارقين والزناة وغيرهم.
أمّا مفهوم الرحمة
في الإسلام، فإنَّه لا يعيش في المشاعر العاطفية الذاتية الحميمة التي
تلتقي بالمأساة في حياة الأفراد، بل يعيش في النظرة الواقعية التي تتمثّل
في حماية الإنسان من نفسه عندما تريد أن تنحرف، وحماية غيره من نفسه
عندما يريد أن يسيء إلى غيره، وحماية الحياة من طغيان الإنسان على
الحياة.. وبذلك تبتعد الرحمة عن خلجات الشعور لتتحرّك في صعيد الواقع
لتحلّ المشكلة في جذورها العميقة.
والثانية: تتمثّل
في الاتجاه الذي يتحرّك في إطار الواقع ليصنع الشخصية الإسلامية، لا
سيّما شخصية الدعاة إلى اللّه على أساس المفاهيم السلبية التي تواجه
الحياة من منطق الضعف وعدم الولوج في مشاكلها الصعبة، باعتبار أنَّ ذلك
يشوّه الصورة الوديعة البريئة لعلماء الدين والمتسامية عن الخلافات
والمشاحنات.
لأنَّ مواجهة
المشاكل بالإيجابية الحاسمة التي تضع النقاط على الحروف في حركة الواقع
قد تدفعهم للدخول في صدامٍ وصراعٍ مع الآخرين، ما يجعلهم طرفاً في
المشكلة، فيخرجون بذلك عن الحياد الطبيعي الذي يحكم شخصيتهم ويبتعد عن
الجوّ الروحي الذي تفرضه طبيعتهم الدينية. ولعلّ هذا الأمر الذي جعل هذه
الطريقة في السلوك ذات قيمة تتمثّل في تقديس الإنسان السلبي الذي يبتعد
عن الدخول في المشاكل العملية، وينصرف إلى عباداته ومواعظه الهادئة
البعيدة عن الواقع، باعتبار أنَّ ذلك يزيد في روحيته ومحبّة النّاس له،
ويبعده بالتالي عن الوقوف في وجه ضلالاتهم وانحرافاتهم، فلا يشعرون بخوفٍ
على شهواتهم وأطماعهم وامتيازاتهم من خلال وجوده، لأنَّه لا يتحرّك في
هذا الاتجاه، وقد لا يجدون مانعاً من الاستماع إلى بعض المواعظ القاسية
أو التعليقات الشديدة، ما لـم تخرج من نطاق الكلمات وتتحوّل إلى خطواتٍ
عمليةٍ على طريق الواقع.
إنَّ هذا الاتجاه
قد بدأ يفرض نفسه على التقييم وعلى الشخصية الإسلامية، ونحن نريد من خلال
دراستنا للشخصية النبويّة المتمثّلة في شخصية النبيّ محمَّد (ص)، أن نأخذ
منها الفكرة المستقيمة والمفهوم الصحيح الذي يرى في الإيجابية التي تواجه
الحياة بقوّة وحكمة، قيمة كبيرة من القيم الإسلامية التي تتميّز بها
الشخصية المنسجمة مع الخطّ الصحيح عن تلك الشخصية البعيدة عنه، كما
أنَّنا نريد للتربية العملية للشخصية الإسلامية الدينية التي تحمل عبء
العمل في سبيل اللّه على أكتافها، أن تجعل من سيرة النبيّ العملية القدوة
ومِثال الشخصية المتكاملة التي تتعامل مع الواقع من خلال الحاجات العملية
لقضاياه ومشاكله.. وأحسب أنَّ ذلك هو الذي يخلّصنا من أساليب تجميد شخصية
علماء الدين في إطار تهرب منه الصور الحيّة في الحياة.
الملامح العامّة للشخصية النبويّة:
لقد تحدّث القرآن الكريـم عن الملامح العامّة لشخصية
النبيّ (ص)، ولكنَّه لـم يتحدّث عن سيرته الذاتية، خاصةً تلك التي تتعلّق
بمولده ونوازعه الذاتية وغير ذلك من الملامح الشخصية التي لا تأثير لها
في حياة النّاس، لأنَّ السيرة الذاتية ليس لها أيّ قيمة عملية في حساب
الرسالة، إلاَّ بقدر ما ترتبط بالرسالة ذاتها ممّا يحقّق لها عطاءً وغنىً
وحركةً.. بل ربَّما نفهم من خلال بعض الآيات الكريمة، أنَّ عظمة الرسول
تكمن في تجسيده الحي للإسلام، لكي لا نتوقف عند حياته في الدنيا ونتجمّد
أمامها ونخشع لها، فإذا مات وانتقل إلى ربِّه ماتت الرسالة في حياتنا،
باعتبار أنَّ الارتباط بها تابعٌ للارتباط به، فلا وجود للرسالة في حال
غيابه عن الدنيا.. بل لتجعل من حياته البداية والمنطلق والمرآة الصافية
التي ننطلق لنراها بكلّ صفائها ونقائها، لما تمثّله شخصيته من رسالية
المضمون والممارسة، فإذا غاب عنّا فإنَّ رسالته المتجسدة في آيات اللّه
وكلماته وسيرته باقية لدينا، لنتابع مسيرتنا على هداها انطلاقاً من
الفكرة التي تجعل ارتباطنا به تابعاً للارتباط بالرسالة، باعتباره
التجسيد الحي لها.. كما جاء في قوله تعالى: {وما محمَّدٌ إلاَّ رسول قد
خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}
(آل عمران:144).
وتتَّضح هذه الصورة
بشكل كبير في الآية الكريمة التي توحي لنا بأنَّ علاقتنا برسول اللّه
ترتكز على أساس صفته الرسالية وقيمته كخاتـمٍ للنبيّين، بعيداً عن أيّة
صفة أخرى أو علاقة ثانية.. وذلك هو قوله تعالى:
{ما كان محمَّدٌ أبا أحدٍ من
رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتـم النبيّين}
(الأحزاب:40).
أمّا عن الملامح
الأصيلة لشخصيته ومدى علاقتها بالخطّ العملي للرسالة، فنرى أنَّ القرآن
الكريم قد تحدّث عن خلقه العظيم وعن أسلوبه في الحوار ومشاعره تجاه
الآخرين كما في الآيات:
{وإنَّك لعلى خلق عظيم}
(القلم:4).
{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128).
{فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ
القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران:159).
{فآمنوا باللّه ورسوله النبيّ الأميّ الذي يؤمن
باللّه وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون}
(الأعراف:58).
تتحدّث الآية
الأولى عن خلقه العظيم بصورة عامّة، لتوحي لنا أنَّ الشخصية الرسالية لا
بُدَّ لها من أن تتسامى بخلقها في علاقتها بالآخرين، لأنَّ الخلق يمثّل
سموّ الرسالة وواقعيتها في الإنسان، وسموّ الإنسان في الرسالة، باعتبار
أنَّ الرسالة تمثّل الخطّ الأخلاقي العظيم في حركة الإنسان في الحياة، ما
يجعل من تحرّك الإنسان في دعوته منطلق قوّة لا منطلق ضعفٍ لما يوحيه من
ثقةٍ وامتداد واطمئنان.
وفي الآية الثانية
نواجه الشخصية الرسالية من خلال الاهتمامات الذاتية بالآخرين في الداخل،
حيث يعيش النبيّ بشكل شعوري عميق كلّ المشاكل والآلام والمتاعب التي
تواجه النّاس وتجهدهم، فنراه يحرص عليهم، من منطلق إحساسه الداخلي المفعم
بالرحمة والرأفة، حرصه على نفسه.
وأمّا الآية
الثالثة فإنَّها تتحدّث لنا عن صفتين أساسيتين في نجاح الرسالة:
الأولى: لين الجانب
ووداعة الكلمة وسماحتها، لأنَّ الإنسان الذي يعيش قسوة القلب وشدّته لا
يمكن أن يعيش الحبّ للآخرين، وبالتالي لا يستطيع التفاعل معهم في عملية
صدق ومعاناة.
والثانية: رقَّة
القلب ورحمته، لأنَّ الإنسان الذي يعيش فظاظة اللسان ونزق الكلمة وغلظة
الأسلوب لا يستطيع أن يدخل إلى وجدان النّاس وضمائرهم.
ونلتقي في الآية
الرابعة بالصفة الأساسية في شخصية الرسول، وهي إيمانه باللّه وكلماته حيث
تلتقي مع آية أخرى في موضع آخر:
{والذي جاء بالصدق وصدّق به}
(الزمر:33).. لتؤكّد انطلاقة الدعوة من موقع الإيمان العميق بمفاهيمها،
المنطلقة من المسؤولية في الداخل، لا من موقع المسؤولية من خارج الذات.
تلك هي بعض ملامح
الصورة التي تفرض علينا السؤال التالي: لماذا ركّز القرآن الكريـم على
هذه النوعية من الصفات دون غيرها؟
ربَّما يكون الأساس
في ذلك كلّه، هو ما ألمحنا إليه في بداية هذا الفصل من أنَّ القرآن يركّز
على شخصية الرسول في شخصية النبيّ محمَّد (ص) ويتحدّث عنه من خلال الصفات
المتعلّقة بالدور الرسالي له، لأنَّ ذلك يقتضي أن يتمتع بانفتاح روحي
وخلق رفيع وأسلوب حكيم رقيق، ليتمكن من معالجة مشاكل النّاس وهمومهم،
وبالتالي من إيصال الدعوة إلى قلوبهم، وباختصار، أن يمتلك ناصية الإيمان،
وإيماناً بالرسالة لا يشوبه شك ولا يصيبه اهتزاز، لتكون الرسالة جزءاً من
ذاته.. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية الثالثة:
{ولو كنت فظّاً غليظ
القلب لانفضّوا من حولك}
(آل عمران:159).
ولكن.. هل هذه هي
صفات الرسول التي يريد القرآن أن يوحي بها ليقدّم للنّاس الصورة العظيمة
عن شخصيته، أو هي صفات الداعية المسؤول الذي كان النبيّ الأنموذج الأمثل
له.. ما يجعلها من صفات القدوة للعاملين في سبيل اللّه؟!
إنَّنا نعتقد
أنَّها من صفات القدوة التي تدعو العاملين إلى أن يعيشوها في حياتهم،
ليشعروا بأنَّ أخلاقهم ليست شأناً ذاتياً لهم، وأنَّ أساليبهم ليست
ممارسات شخصيةً لأنفسهم، وأن ليس من حقّهم أن يعيشوا كما يريدون في كلّ
نقاط ضعفهم الأخلاقي، أو أن ينطلقوا مع مزاجهم الذاتي في أساليبهم
العملية، كما أنَّه ليس من حقّهم أن يجعلوا النّاس تتعقّد من الرسالة أو
يكفروا بها، لأنَّ الرسالة ليست أمراً شخصياً، بل هي أمر اللّه، ولا
بُدَّ للنّاس من أن ينسجموا معها، فيخضعوا أخلاقهم وأساليبهم لخطّها
الأصيل، أو ينسحبوا من مواقع المسؤولية ليوفِّروا على الإسلام مزيداً من
المتاعب والسلبيات التي يواجهها من خلال سوء تصرفات الدعاة إليه.
الرسول (ص) في مواجهة التحدّيات:
إنَّ القرآن يصوّر لنا النبيّ وهو يواجه التحديات في
إطار الإنسان الذي تكاد الضغوطات أن تزلزله عن موقفه، أو تقوده إلى
التراجع، وذلك نظراً لحراجة الموقف الذي يواجهه، ما يوحي بأنَّ القضية لا
تعيش في طبيعته الذاتية، بل في طبيعة التحدّيات التي توحي بشيء من هذا
القبيل لولا الإيمان.. ولنتابع بعض هذه الآيات:
{فلعلَّك تاركٌ بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن
يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنَّما أنت نذير واللّه على
كلّ شيء وكيل} (هود:12).
{قد نعلم إنَّه ليحزنك الذين يقولون فإنَّهم لا
يكذبونك ولكنَّ الظالمين بآيات اللّه يجحدون * ولقد كُذِّبت رسلٌ من قبلك
فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدِّل لكلمات اللّه
ولقد جاءك من نبأي المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن
تبتغي نفقاً في الأرض أو سلَّماً في السَّماء فتأتيهم بآية ولو شاء اللّه
لجمعهم على الهدى فلا تكوننّ من الجاهلين} (الأنعام:33ـ35).
أ ـ أجواء غير مثيرة:
توحي هذه الآيات
أنَّ هناك جوّاً مثيراً يريد الآخرون خلقه في نفس الرسول عبر ما تقدّموا
به من طلباتٍ غير معقولة لا قدرة على للجهد البشري على تحقيقها، محاولين
بذلك حشد جملة من العوامل السلبية، اعتقاداً منهم بأنَّهم يستطيعون بهذا
الأسلوب أن يكشفوا أمام النّاس ضعف النبيّ في دعواه الرسالة عن اللّه،
وإضعاف ثقته بقوّة موقفه، لأنَّه يتحرّك في إطار المحدودية التي تجعله
غير قادر على مواجهة التحدّيات.
وهنا تأتي الآيات
لتضع القضية في مكانها الطبيعي، وهي أنَّ التحدّيات لـم تواجه دوره
الطبيعي في خطِّ الرسالة ليشعر بالضعف من خلال ذلك، بل واجهت أموراً ليست
من مهمته، فكان من الطبيعي أن لا يستجيب لمطالبهم، لأنَّ ذلك يؤكِّد
المفهوم الخاطئ في نفوسهم عن طبيعة ودور الرسول في الحياة. بل كان عليه
أن يواجههم ـ من خلال قوّة موقفه ـ بتصحيح هذا المفهوم.
ثُمَّ تتحرّك
الآيات لتربط الموقف بنقطة أساسية تخرج من الموقف عن جوِّ التحدّي
للذات.. وهي أنَّ الرسول لا يتحرّك بصفته الذاتية، بل بصفته الرسالية
التي تعني أنَّه يمثِّل اللّه في دعوته، لأنَّه يدعو إلى اللّه باسم
اللّه، وبذلك يكون التكذيب موجَّهاً إلى اللّه، وليس موجهاً إليه، ما
يدفع بالقضية بعيداً عن جوّ التأزّم النفسي الخاضع غالباً للمؤثِّرات
الذاتية.
ثُمَّ تمتد الآيات
في تفريغ الداخل من جوِّ الأزمة بأسلوب آخر.. فإنَّ التكذيب ليس حادثاً
طارئاً بل هو حلقة من سلسلةٍ متَّصلة في تاريخ النبوَّات، تنطلق من حقيقة
موضوعية، وهي أنَّ النبيّ ـ أيَّ نبيّ ـ ينطلق لتغيير العالـم من الداخل
والخارج، من خلال القضاء على المفاهيم الخاطئة والواقع المنحرف كان لا
بُدَّ أن يُقابل بالتكذيب، لأنَّه كان يتحدّى الواقع المعاش الذي تتحرّك
فيه كلّ امتيازات الطغاة والجبابرة والمنحرفين، في محاولةٍ منه لإلغاء
كلّ هذه الامتيازات لمصلحة الإنسان، وقد كان الأنبياء يصبرون على ذلك
كلّه، لا من موقع التماسك الذاتي فحسب، بل على أساس الفهم الواعي للواقع
الذي يقرر بأنَّ عملية التغيير لا بُدَّ أن تمر بمراحل طويلة، يدور فيها
الصراع حول العقيدة والمفاهيم والمواقف، ما يجعل المجتمع يتحرّك في اتجاه
رفضها أو تأييدها في المرحلة التي تسبق مرحلة الاستقرار في أعماق الحياة
الإنسانية.
ثُمَّ تؤكّد هذه
الآيات له أنَّ هذا الموقف الطبيعي للنبوَّة السائرة ـ بقوّةٍ ـ نحو
أهدافها يكون بالثبات الهادف في مواجهة التحدّيات، فلا يستمدُّ النبيّ
قوّة موقفه من تجاوب الآخرين معه، بل ينطلق من ثقته بربِّه وبنفسه في
خطواته العملية نحو المستقبل.. أمّا إذا أراد التراجع عن موقفه، والعيش
في إطار الضيق الذاتي، والانسحاق النفسي، فإنَّه لن يقوى على مواجهة
التحدّيات، الأمر الذي سيجعله عاجزاً عن تحقيق أيِّ شيء ممّا يطلبون.
ثُمَّ تركّز الآية
على نقطة مهمة جداً، وهي إثارة التساؤل عن الهدف من كلّ هذا الجهد الذي
يريد أن يصل من خلاله إلى هدايتهم بشكل غير طبيعي، وذلك بالتجاوب معهم في
ما يريدونه من تغيير الواقع بطريقة معجزة. فإذا كان الهدف هو هدايتهم
بطريقة غير عادية فلا حاجة إلى ذلك، لأنَّه بإمكان اللّه أن يهديهم
بطريقة تكوينية فيجعلهم مهتدين.. ولكنَّ حكمته انطلقت على أساس إيمانهم
بطرق طبيعية من خلال القناعة الذاتية في ظروفها الموضوعية الطبيعية.
ب ـ ضغوطات نفسية:
وقد نلتقي في آيات مماثلة في تصويرها للجوّ النفسي
الذي يمرّ به الداعية متجسداً في شخصية الرسول عندما يتعرّض للأساليب
العاطفية التي تحاول أن تنحو به بعيداً عن خطّ الرسالة من أجل أن يربح
ثقة النّاس عندما يريدون أن ينقلوه من موقعٍ إلى موقع، للإيحاء له بأنَّ
ذلك يجعلهم قريبين إليه، وبالتالي إلى دعوته، ليأخذوا منه الاعتراف
الرسمي بما يريدون ثُمَّ يتركونه بعد أن يستنزفوه ويستنفدوه.. وهذا ما
نتمثّله في هذه الآيات الكريمة: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك
لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبَّتناك لقد كدت
تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثُمَّ لا
تجد لك علينا نصيراً * وإن كادوا ليستنفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً
لا يلبثون خلافك إلاَّ قليلاً}
(الإسراء:73ـ76).
إنَّ جوَّ الآيات
يوحي بأنَّ هناك أساليب خبيثة قد استعملت من قبل الكافرين لزحزحة الرسول
عن موقفه وفتنته عن رسالته من أجل أن يخرج على خطِّها ومفاهيمها
الأساسية، لمصلحة خطّ الكفر الذي يُراد منه أن يقدّمه للنّاس باسم
الإيـمان.. ولعلّ في التعبير بـ
»ليفتنونك«
إيحاءً ببراعة الأساليب ومرونتها، بحيث لا تستثير لديه روح الحذر، بل
تنساب في مشاعره انسياباً عفوياً يواجه النوازع الحميمة بهدوء وانسجام،
ليتحوّل ـ لا شعورياً ـ عن خطّ مبادئه المثلى.
أمّا السؤال الآن
فهو: هل كانت الحالة النفسية للنبيّ هي ما تواجهنا به الآية لتكون
النتيجة هي أنَّ النبيّ قد يستسلم للتأثيرات المتنوِّعة والأساليب الذكية
التي لجأ الأعداء إلى استخدامها، لولا أنَّ اللّه يثَّبته على الخطِّ
بالروح القدسية التي تستيقظ في أيّة حالةٍ من حالات الغفلة فينتبه إلى
طبيعة الموقف من خلال النتائج التي يقود إليها؟! أو أنَّ القضية هي
اعتبار شخصية النبيّ أنموذجا حيّاً للداعية المسلم الذي قد يتعرّض لمثل
هذه الأساليب فينجذب إليها انجذاباً عفوياً تماماً كاختلاجات أعضاء الجسد
لدى حدوث بعض الأسباب الموجبة لذلك، فكان لذلك قيمة التأكيد على أهمية
الثبات على الخطّ، والوعي النفّاذ إلى الوسائل الجهنمية التي يحاول
الأعداء من خلالها إبعاد العاملين عن أهدافهم؟!
وفي كلا الحالين
نعرف أنَّ النبيّ قد تعرّض لمثل هذه الأساليب، وقد نبّه القرآن إلى
خطورتها من خلال التنبيه إلى خطورة نتائجها في حساب المسؤولية بالمستوى
الكبير، وأثار أمام الداعية الفكرة الواعية التي تدفعه إلى الابتعاد عن
أجواء الخديعة التي يثيرها الكافرون من خلال عروض الصداقة في حالات
الانسجام.. وربَّما كان الواقع الذي نعيشه يتضمن كثيراً من هذه الأجواء
التي تقرّب من هذا الجوّ الخطر، سواء على مستوى التيار المنحرف في
العقيدة والحياة، أو على مستوى الحكم المنحرف أو غير ذلك ممّا يواجهه
الإنسان على صعيد العمل الرسالي.
وإنَّنا نرى في هذا
الأسلوب نموذجاً من أساليب القرآن الكريـم لمخاطبة الأمّة من خلال النبيّ
محمَّد (ص)، لأنَّنا نعرف في شخصيته الرسالية القوّة القيادية التي لا
يمكن أن تهتز أمام كلّ عوامل الخديعة والانحراف.. ولعلّ المراد بتثبيت
اللّه في هذه المواقف، هو ما ارتكزت عليه شخصيته من عوامل القوّة
والإيمان، وليس شيئاً طارئاً أو عارضاً عليه.
وقد حدّثنا القرآن
الكريـم عن بعض الحالات النفسية التي كان يعيشها النبـيّ محمَّـد (ص)
إزاء حالات الكفران والجحود، ولكن في اتجاهٍ آخر غير الذي أشرنا إليه..
وهو أنَّه كان يتطلّع إلى الكافرين بروح الإنسان الذي يتألـم لهم ويحزن
عليهم، لأنَّ كفرهم وطغيانهم سوف يشقيهم في حياتهم الدنيا عندما ينحرفون
عن الخطّ المستقيم، فيبتعدون عمّا يهيئ لهم السعادة فيها، ويشقيهم في
الآخرة عندما يؤدي بهم انحرافهم عن اللّه إلى التعرّض لعذابه. وبتعبير
آخر، إنَّه لا يعتبر الرسالة تكليفاً صادراً من خارج ذاته، بل يعتبرها
قضيته الذاتية التي امتزجت بإنسانيته، فيتحرّك من موقع الإحساس بها من
الداخل لا من موقع الخروج عن عهدتها على أساس المسؤولية القانونية.
{أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً فإنَّ اللّه يضلّ
من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إنَّ اللّه عليم بما
يصنعون} (فاطر:8).
{لعلّك باخعٌ نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين} (الشعراء:3).
{ولا تحزن عليهم ولا تكُ في ضيق ممّا يمكرون}
(النحل:127).
ولعلّنا نستطيع أن
نستوحي من هذه الآيات روحاً جديدة ينبغي للعاملين في سبيل اللّه أن
يعيشوها إزاء النّاس، وهي الروح التي تتعاطف معهم وتحزن عليهم وتحسّ
بالألـم الكبير لضلالهم، الأمر الذي يدفعها إلى أن تصبر وتثابر وتلاحق
كلّ الوسائل والظروف في سبيل هدايتهم والوصول إلى قناعتهم، تماماً كأيّة
مشكلة تحصل لإنسان نرتبط به برباط القربى أو غيرها من الروابط الذاتية،
حيث لا ندَّخر وسعاً في ملاحقة كلّ الإمكانيات للحلّ ولو كانت بعيدة أو
متعبة.
إنَّها روحُ
الرساليين الذين يعيشون الحبّ للنّاس والحرص عليهم.. يواصلون المسيرة
معهم ومن أجلهم دون تأفف أو تذمر أو ملل أو استعجال لليأس، وذلك إيماناً
منهم في استمرارية السير في خطّ الرسالة. أمّا الذين يحقدون على النّاس
أمام أيّة حالة تمرّد بعيداً عن دراسة ظروفهم التي أدّت بهم إلى ذلك ولا
يحاولون البحث عن سبلٍ جديدة للهداية، ويتوقفون عند الأساليب الجاهزة
لديهم، ممّا قد لا يتناسب مع عقليتهم فهؤلاء يتحوَّلون إلى عبءٍ على
الرسالة بدلاً من أن يكونوا دعاةً لهم، لأنَّ روحية الحقد لا يمكن أن
تصنع الرسالات.
إشكالات مفهومية في الإعجاز:
لقد واجه النبيّ في
مسيرته النبويّة مشكلة المفاهيم المختلفة التي توارثها النّاس عن أسلافهم
حول طبيعة النبوَّة ودورها وقدراتها وشخصية النبيّ وقدراته، فقد كانوا
يرون أنَّ النبوَّة تمثِّل حركةً غير عادية في طبيعة الحياة من خلال ما
توحيه من ارتباط الإنسان باللّه الكلي القدرة، ما يجعل للنبيّ القدرة
المطلقة التي يكشف من خلالها الغيب، ويغيّر بها طبيعة الأشياء على خلاف
القوانين الطبيعية المألوفة، انطلاقاً من فكرة المعجزة المرتبطة بمفهوم
النبوّة ارتباطاً وثيقاً بالمستوى الذي يجعل منها حالة ذاتية ثابتة لدى
النبيّ، لا حالة طارئة خارج قدراته الطبيعية، وبذلك يتوقف الاعتراف
بالنبوَّة على ملاحظة ما يملكه في هذا المجال.. وكانوا إلى جانب ذلك، لا
يألفون فكرة النبيّ البشر، لأنَّ البشرية لا تنسجم مع روحية النبوَّة
التي تقتضي نوعاً من السموّ الروحي الذي يرتفع بالإنسان بعيداً عن كلّ ما
يتصل بالمادة من قريب أو بعيد ممّا تقتضيه طبيعة البشرية من خضوعٍ
لضرورات الحياة وحاجاتها الطبيعية، فلا بُدَّ أن يكون ملكاً يملك روحية
الملائكة وطاقاتهم الهائلة فيما كان العرب يعتقدونه فيهم.
وقد حدَّثنا القرآن
الكريـم عن بعض هذه المواقف التي تعرَّضَ لها النبيّ محمَّد (ص) من
قِبَلِ قومه في مكَّة واليهود في المدينة، وقد نجد في هذه الآيات بعض
الإيحاءات التي نحسّ معها بالحالة النفسية الضاغطة التي كان يعيشها
النبيّ من خلال هذه التحدّيات المنطلقة من المفهوم العام للنبوَّة، ما
يجعل للموقف المضادّ قوّة التأثير على الرأي العام. ولكنَّنا لا نجد
تراجعاً من النبيّ عن موقفه وعن مواجهة ذلك كلّه بالموقف الصحيح الذي
يُراد منه تأكيد المفهوم الإسلامي للنبوَّة في مهماتها وللنبيّ في
قدراته، والإيحاء بأنَّ النبوَّة لا تتحرّك في إطار خلق الصدمات
المتلاحقة للأفراد والمجتمعات، لتنقلهم من صرعةٍ إلى صرعة في صدمات
الإعجاز التي تخرج الحياة عن المألوف دائماً، فتبهر العقول والأبصار، بما
لا تستطيع تفسيره وفهمه فتخشع له.. بل إنَّها تتحرّك في اتجاه تحريك
العقل البشري نحو القضايا الفكرية من موقعٍ فكريٍ طبيعي يلاحق الفكرة
بأدواتها الطبيعية لتصل إلى العقيدة بأقرب طريق، وترتبط بالمفاهيم العامة
لها من خلال الأسس المرتكزة عليها، لأنَّ النبوّة تنطلق من قاعدة صنع
الإنسان وتنميته ليمارس دوره الفاعل في خلافته عن اللّه في الأرض، ولا
تستهدف تحويله إلى شخص مسحور يعيش الانبهار بالأساليب غير العادية من دون
نتيجة كبيرة.
أمّا البشرية في
النبوَّة، فتمثِّل الإطار الذي يضع الصورة في مكانها الطبيعي، لأنَّ
النبيّ يمثّل التجسيد الحيّ للمعاني التي يريد الدين أن يجسّدها في شخصية
الإنسان وحياته، فلا بُدَّ أن يكون تجربةً حيّةً متحرّكة أمامه ليكون
مثالاً واقعياً على السمات الواقعية للفكرة، لأنَّ النبيّ لو كان مَلِكاً
لما كان في تجربته أيُّ حافزٍ للإنسان على ملاحقة الفكرة في عملية تمثّل
واقتداء، انطلاقاً من الضغط الشعوري الذي يجعل القضية تتجاوز قدراته
الذاتية، لأنَّها لـم تنطلق من بشر، بل عاشت في كيان الملك، وهذا ما قرره
اللّه سبحانه في كتابه.
{قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنـزّلنا
عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً}
(الإسراء:95).
أمّا المعجزة،
فإنَّها ليست عملاً من النبيّ بل هي من اللّه، ثُمَّ هي الطريقة الإلهية
التي يُراد بها إعطاء الصدمة، التي تواجه التحدّي الكبير الذي يُريد أن
يشل الحركة، فتأتي لترفع الحواجز الكبيرة من طريق العمل الكبير، ولهذا
نجد للمعجزة دورها المتحرّك الفاعل في حياة النبيّين، بل نواجه بعض
الحالات البسيطة التي تنطلق المعجزة فيها لتردّ التحدّي أو لتعطي
انطباعاً، ثُمَّ يتركها النبيّ خلفه عندما يمارس رسالته دعوةً وعملاً، من
دون أن يشير إليها من قريب أو بعيد بشكل أساسي إلاَّ إذا دعت الحاجة إلى
التذكير بها.
وقد يتأكد هذا
المعنى إذا رأينا أنَّ النبوَّة لـم تقدِّم المعجزة في البداية، لتكون في
قلب الواجهة للدعوة، بل قدّمت في البداية مفاهيمها العامّة بالأسلوب
الطبيعي المألوف، سواء في طريقة عرض الفكرة أو في أسلوب الدفاع عنها، أو
إقناع الآخرين بها، وكانت المعجزة تعيش في بعض المراحل المتوسطة
والنهائية، كما نجده في نبوَّة نوحٍ وهودٍ وإبراهيم أو شعيب أو موسى الذي
كانت معجزة العصا واليد عنده موجهة إلى فرعون وجنده لا إلى النّاس
العاديين الذين دعاهم إلى رسالته.
وعلى ضوء هذا، نجد
الرفض المطلق في القرآن الكريـم لكلِّ الاقتراحات التي قُدِّمت إلى
النبيّ في هذا السبيل، لأنَّه لـم يجد أيّ حاجة لذلك، بعد أن كان القرآن
معجزة خالدة لمن أراد أن يعرف ارتباط النبيّ باللّه، كما أنَّ هذه
التحدّيات، لـم تكن تشكل حاجزاً كبيراً بين الرسالة وبين انطلاقتها
الكبرى، بل لا تزيد عن إرضاء غرور هؤلاء المشركين وزهوهم الذاتي لدى
أنفسهم والآخرين المحيطين بهم، من دون أن يعطِّلوا المسيرة النبويّة
المنطلقة من موقع العقل والفكر.
وهذا ما نتمثّله في
أجواء الآيات التالية:
{وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً
* أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط
السَّماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً * أو
يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السَّماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنـزل علينا
كتاباً نقرأه قل سبحان ربّي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً * وما منع النّاس
أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلاّ أن قالوا أبعث اللّه بشراً رسولاً * قل لو
كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنـزلنا عليهم من السَّماء ملكاً
رسولاً * قل كفى باللّه شهيداً بيني وبينكم إنَّه كان بعباده خبيراً
بصيراً} (الإسراء:90ـ96).
{قل إنّي على بيّنة من ربّي وكذبتم به ما عندي ما
تستعجلون به إنَّ الحكم إلاَّ للّه يقصّ الحقّ وهو خير الفاصلين * قل لو
أنَّ عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم واللّه أعلم بالظالمين}
(الأنعام:57ـ58).
هذه هي بعض نماذج
الاقتراحات التي كانت تقدَّم إلى النبيّ على سبيل التحدّي من أجل أن
يهزموا موقفه لتبيان عجزه عن إثبات رسالته.. ونلاحظ في هذا المجال عدّة
أمور:
1 ـ إنَّهم لا
ينطلقون من تفكير واضح، بل يتحرّكون في تصوّر عشوائي يطرح المطالب من
موقع الإنسان الباحث عن الأشياء المستحيلة أو الصعبة التي لا يقدر
الإنسان على تحقيقها، أو لا يمكن أن يجريها اللّه على يده، ولهذا تتلاحق
الطلبات بشكلٍ غير منتظم ومتناسب، فبينما نراهم يطلبون منه في الآيات
الأولى أن يفجِّر لهم من الأرض ينبوعاً أو يملك جنّةً من نخيل وعنب فيفجر
الأنهار خلالها تفجيراً، كما نراهم يطلبون أن تسقط السَّماء عليهم كسفاً
أو يأتي باللّه والملائكة قبيلاً.. وفجأةً يطلبون أن يرقى في السَّماء
وأن يرجع ومعه شاهد على ذلك، وهو الكتاب الذي يجلبه معه لقراءته والتعرّف
على رسالته.
2 ـ إنَّ الجواب
الذي علَّمه اللّه لرسوله، هو أن يواجه القضية بهدوء رسالي يقرّبهم إلى
الحقيقة الإنسانية، ويقول لهم إنَّ هذه الأمور ليست من مهمَّته، وهي
خارجة عن نطاق قدرته. وأمّا عدم القدرة فللبشرية، وأمّا أنَّها ليست من
مهمته فلرساليته، التي تنطلق من تغيير الواقع على أساس إرادة اللّه، لا
إصدار المعاجز اليومية على أساس الاقتراحات المزاجية.
ونلاحظ في هذا
المجال أنَّ النبيّ لـم يعتبر هذا الموقف منه ضعفاً أمامهم، لأنَّ مجاله
ليس مجال عرض العضلات للقوّة الذاتية، بل مجاله الطبيعي هو مجال إثارة
المنهج في عقولهم ودفعهم إلى التراجع عن موقفهم والسير مع الخطّ السليم،
ما يجعل من قضية القوّة والضعف أمراً نسبياً يرتبط بالمضمون لا بالشكل،
وبذلك تكون قوّته في صموده أمام التحدّي لخدمة القضية، لا الابتعاد عن
خطّه والاستسلام لمطالبهم المستحيلة.
3 ـ إنَّ على
العاملين في سبيل اللّه أن يستفيدوا من ذلك في مرحلتهم الحاضرة، بحيث
ينطلقون من ركائز ثابتة وقواعد صلبة يتمكنون من خلالها إثبات مبادئهم
ومفاهيمهم أمام المزايدات والتحدّيات في القضايا البعيدة عن مهمَّتهم
بقصد إبعادهم عن خطوطهم أو زحزحتهم عن مواقفهم.. إنَّ عليهم أن يعرفوا
جيّداً أنَّ المواقف الطارئة لا تستطيع أن تحقّق نجاحاً إذا انحرفت عن
الخطّ، لأنَّ الآخرين سوف يستغلّون هذا الخوف في مزايداتهم لفرض مواقف
جديدة تزيد الإنسان بُعداً عن مبادئه ومفاهيمه، وتزيد النّاس الذين
يدعوهم إلى اللّه ابتعاداً عن الارتباط الواعي بالهدف الكبير، المنطلق من
المواقف الصلبة الثابتة.
المسؤولية لا تمثِّل امتيازاً ذاتياً:
نلاحظ في تاريخ النبيّ القرآني.. كثيراً من الآيات
التي تخاطب النبيّ بأسلوب الوعيد والتهديد والمواجهة الحسابية الدقيقة
على أساس افتراض الانحراف عن الخطّ المستقيم في مجال العقيدة أو في مجال
العمل، ولا نجد هناك أيّ تغليف لهذا الأسلوب بأيِّ غلاف من التبجيل أو
التوقير الذي تفرضه طبيعة المستوى العظيم الذي رفعه اللّه إليه في »ذاته«
المقدسة وفي نبوّته العظيمة.
وهذا ما تمثّله
الآيات التالية:
{ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت
ليحبطنَّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين} (الزمر:65).
{ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه
باليمين * ثُمَّ لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين}
(الحاقة:44ـ47).
{قل إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم}
(الأنعام:15).
{وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكوننّ من المشركين
* ولا تدع من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنَّك إذاً من
الظالمين}
(يونس:105ـ106).
نفهم من خلال هذه
الآيات، أنَّ المسؤولية لا تمثّل امتيازاً يرتفع به الإنسان عن الانسجام
مع الخطّ العملي، بل تمثّل مواجهةً حقيقيةً للموقف تحت طائلة العقاب
الشديد، ما يُلغي الأساليب التقليدية التي تعتبر الأشخاص الذين يملكون
المراكز القيادية أكبر من النقد أو من المواجهة المباشرة على تقدير
الانحراف، ويفرض على المسلمين ـ بدلاً من ذلك ـ أسلوباً جديداً تنطلق فيه
المسؤولية لتحدِّد للإنسان موقعه ومكانته من خلال انسجامه مع خطّها
العام، وقد لا نحتاج إلى التنبيه إلى أنَّ النبيّ (ص) لـم يكن في هذا
الاتجاه، ليفرض في حالته الإشراك أو التقوّل على اللّه، لأنَّ روحه
النبويّة الرسالية لا تستسلم لمثل هذه الحالات المنحرفة، فرسالته كانت من
أجل إنقاذ النّاس منها، ولكن هذا التنبيه كان أسلوباً عملياً لمخاطبة
الأمّة من خلال النبيّ (ص)، للإيحاء لهم بمثل هذا الأسلوب في حياتهم
العملية.
لقد وردت آياتٌ
كثيرةٌ تدعو النبيّ إلى أن يقرّب الفقراء إليه ويعيش معهم باعتبار أنَّهم
يمثِّلون الفئة المؤمنة التي تلتقي باللّه في صفاء ونقاء وروحانية،
ويدعوه إلى أن لا يستسلم للأجواء المترفة المحاطة بزهو الحياة وزينتها
ممّا يعيشه المترَفُون اللاهون العابثون الذين لا تنفتح قلوبهم للّه في
خشوع الإيمان.
الانسجام مع خطّ الرسالة:
إنَّنا نلاحظ في
هذه الآيات انسجاماً مع خطِّ الرسالة في شخصية الرسول عندما ترتبط
بالقاعدة المؤمنة من خلال إيمانها الصافي العميق، بعيداً عن كلّ مظاهر
العظمة والترف، لأنَّ القيمة كلّ القيمة هي في ما تمثّله من الإيمان الذي
يجعل العلاقات خاضعةً لذلك.
أمّا الجوانب
الأخرى التي يتعاظم بها النّاس خارج نطاق الإيمان، فقد تجذب الأشخاص
الذين لا يعيشون رسالية الحياة، بل ينجذبون إلى شهواتها ومظاهرها، ويرون
فيها كلّ القيمة، أمّا الرساليون، فقد لا يجدون فيها مجد القيمة، بل قد
يرونها ضدّ القيمة، من خلال الممارسات المنحرفة، التي تهوي بالإنسان إلى
مكانٍ سحيق.. إنَّها ليست عقدة ضدّ الغني والأغنياء، بل كلّ ما هناك
أنَّها تتَّجه اتجاهاً في جانب العلاقة الإيجابية للإيمان مع الفقر،
وتتحوّل إلى اتجاه سلبي في رفض المظاهر المنحرفة للغنى في طريق الضلال
{واصبر
نفسك مع الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك
عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتّبع
هواه وكان أمره فرطاً}
(الكهف:28).
نلاحظ في هذه الآية
أنَّ الدعوة انطلقت بكلمة
{واصبر نفسك} ما يوحي بأنَّ
القضية تحتاج إلى معاناة وتأمّل وصبر، لأنَّ العيش مع المستضعفين قد يوحي
للإنسان الغافل بالمهانة التي لا تتناسب مع مركزه الاجتماعي. وقد تطرح
القضية بأسلوب آخر يوحي بأنَّ هناك حادثةً طلب فيها بعض النّاس من النبيّ
أن يطرد مَنْ حوله من الفقراء، فكان التوجيه القرآني في مواجهة هذه
العقلية، بأسلوب قويّ حاسم:
{ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون
وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون
من الظالـمين}
(الأنعام:52).
إنَّ هذه الآية
تؤكّد على الصفة الروحية المتمثّلة في الممارسات العملية لإخلاص المؤمنين
للّه، بعيداً عن أيّة صفة أخرى طارئة.. ولا بُدَّ للرسول أن ينسجم مع هذا
الاتجاه انطلاقاً من عمق رسالته، فيقرِّبهم إليه ولا يطردهم لفقرهم
ووضاعتهم الاجتماعية، ثُمَّ لماذا يطردهم؟ إنَّ القضيَّة ليست هي علاقته
بهم وعلاقتهم به، فلا هم يحاسبون عنه، ولا هو يحاسب عنهم.. وتنتهي الآية
إلى اعتبار ذلك ظلماً كبيراً(1).
ويعنف الأسلوب في
سورة
»عبس«:
{أمّا من استغنى * فأنت له تصدَّى * وما عليك ألا
يزّكى * وأمّا من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهّى} (عبس:5ـ10).
الدعوة عامّة للبشر:
إنَّه يعالج حالة
عامة، هي حالة الاهتمام بالأغنياء في مقابل التلهي عن الفقراء.. ونتساءل:
هل هي دعوة لترك الأغنياء يعيشون على هواهم وضلالهم فيوجهون طاقاتهم في
اتجاه الشر والعصيان.. والاكتفاء بالفقراء في مجال الدعوة إلى اللّه،
ونجيب: ليست القضية كذلك، فالدعوة عامّة للبشر كلّهم فقيرهم وغنيهم،
والنبيّ مسؤول عن هداية الجميع.. ولكنَّ القضية هي ـ كما صرّحت الآيات ـ
أن لا يصرف الإنسان بوجهه عن الفقراء ويتلهَّى عنهم، لينشغف بالأغنياء
وينشغل بهم لمكانتهم ولثروتهم، وقد لا تكون الرسالة واردة في حسابهم ممّا
يحتاج إلى جهد كبير لإدخالهم في الجوِّ وإخراجهم من حالات اللامبالاة،
بينما يقف أولئك الضعفاء الفقراء، وفي قلوبهم خشية اللّه التي تدفعهم إلى
العمل، وفي أعينهم تطلُّعات الإيمان التي تقودهم إلى المعرفة.. فليس بين
الداعية وبين السير في رسالته معهم إلاَّ أن يعلِّّمهم فيتعلَّموا
ويأمرهم فيطيعوا، فكيف يتركهم حيارى ويستسلم للغافلين السكارى؟!
وهكذا نجد في هذه
الآيات التي عاشت في أجواء النبيّ (ص) على أساس الأحداث المتنوعة في
مسيرة الرسالة.. درساً عملياً لنا بأن نعيش الرسالة في أجواء البسطاء
والضعفاء والفقراء من المؤمنين الذين يبحثون عن المعرفة وعن الخطّ العملي
السليم، ولا نوحي لأنفسنا بالمراكز الكبيرة التي نحتلها في المجتمع
فنبتعد عنهم ونستطيل عليهم، لأنَّ المركز الكبير للإنسان الرسالي يتجسَّد
في الارتباط برسالته وبقاعدته، لا بامتيازاته الدنيوية. وبذلك يبقى
الارتباط الواعي بالقاعدة على أساس عضوي بعيداً عن الهزاهز السياسية
والاقتصادية والاجتماعية، لأنَّ ذلك هو السبيل الأفضل لتركيز المسيرة
ووعي الهدف، ومعه لن يتحوّل العاملون في سبيل اللّه إلى طبقة اجتماعية
تشعر بالحواجز الطبقية التي تفصلها عن الآخرين، لأنَّ العمل في سبيل
اللّه ليس مهنةً تدرُّ الأرباح، بل هي رسالة ترتفع بالإنسان في حياته
الفردية والاجتماعية إلى مستوى النبوَّات السائرة أبداً في طريق اللّه.
الفقراء القاعدة للدعوات التغييرية:
وهناك ناحية أساسية
تستوقفنا في هذا المجال، وهي أنَّ الفقراء يمثِّلون القاعدة الجاهزة
للدعوات التغييرية في الحياة.
أولاً: لأنَّ تلك
الدعوات قد انطلقت من موقع الحاجة إلى مواجهة الظلم والطغيان والانحراف
عن خطّ اللّه في الحياة، بالرسالة التي تعمل على إقامة العدل في الأرض
وحلِّ مشاكل الإنسان المتنوعة، وهذا ما يهدف إليه الضعفاء والفقراء الذين
يبحثون عن الحركة التي تنقذهم من ضعفهم وفقرهم، الأمر الذي يجعلهم
الأتباع الطبيعيين للرسالة.. وهذا هو ما نلاحظه في الرسالات السَّماوية
والدعوات الإصلاحية التي بدأت المسيرة بهذه الفئات، كما نستوحيه من قوله
تعالى:
{وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي}
(هود:27).
وثانياً: إنَّ
الفقراء والضعفاء لا يجدون شيئاً يخسرونه من خلال تحرّكهم مع الرسالة،
لأنَّهم لا يملكون الامتيازات التي يملكها الآخرون ليخافوا من فقدانها
عندما يجاهدون، أو عندما تنتصر الرسالة لتنفيذ برنامجها العملي في
الحياة، بينما يتوقف الأغنياء والأقوياء والمترفون، ليفكروا طويلاً في ما
تستهدفه الرسالة أو تؤدي إليه من نتائج صعبة في مواقعهم العامّة والخاصة.
وثالثاً: إنَّ
الفئات المضطهدة في المجتمع تظلُّ مرتبطةً بالفطرة في صفائها ونقائها،
ومنسجمةً مع روح البساطة والعفوية في الحياة، ما يجعلها أكثر انجذاباً
للقيم الروحية الطيبة التي تحملها الرسالات، وأقرب إلى معانيها البسيطة
الصافية، بينما يبتعد الآخرون عن الفطرة من خلال ما تحدّثه العلاقات
المادية المعقَّدة، وما ينتجه الترف من أطماع وشهوات وامتيازات تحجب
الإنسان عن رؤية النور في ينابيعه الأولى، وتجعل بينه وبين الحقيقة
حاجزاً كبيراً يبتعد به عن الوضوح في تصوّر الأشياء.
وهذا ما يجب أن
نواجهه في حياتنا الإسلامية العملية، بالانفتاح على قضايا النّاس
ومشاكلهم من خلال الإسلام، بدلاً من الانفتاح عليها من خلال المبادئ
الأخرى كما يفعل الآخرون.
خطورة إخفاء نقاط الضعف:
ربَّما كان من
الأمور التي نواجهها في أعمالنا الشخصية والاجتماعية والرسالية، قضية
إخفاء نقاط الضعف عن أنظار الآخرين والتنكر للذين يثيرونها، باعتبار أنَّ
ذلك يمسّ كرامة الفرد والمجتمع والرسالة، لأنَّنا نحاول دائماً أن نعطي
لأنفسنا ولأعمالنا ومبادئنا صفة الكمال المطلق الذي لا يعتريه النقص ولا
يطرأ عليه الضعف.. وقد أدّى هذا الاتجاه إلى إبقاء نقاط الضعف في مكانها
دون إصلاح، بل ربَّما تطوّر بها الأمر لكي تتحوّل إلى شيء خطير يهدد
الوجود بفعل التنامي والتصاعد المستمر لها في الخفاء، وقد يقول بعض
النّاس: إنَّ إظهار نقاط الضعف لدى الأمّة ينتج سلبياتٍ كبيرةً في حياتها
الفكرية والعملية، لأنَّه يفقدها الثقة بنفسها من جهة، ويغري بها الآخرين
من جهة أخرى، الأمر الذي يجعلها عرضةً للاهتزاز والانهيار.
ولكنَّنا نجيب على
ذلك، أنَّنا عندما نؤكِّد على خطورة إخفاء نقاط الضعف، لا ندعو إلى
إظهارها بشكل استعراضي ساذج، بل كلّ ما نريده هو أن لا نتنكر لها في
عملية النموّ والتقدّم، لأنَّ ذلك يوقعنا في الخوف المرعب من الأخطاء
بالمستوى الذي يحوّلها إلى عقدةٍ ذاتيةٍ تشلّ فينا الشعور الأصيل بالثقة
والقدرة على تجاوزها والتغلّب عليها، فيؤدي ذلك إلى الهروب منها
والانهزام أمامها بدلاً من مواجهتها بنقاط القوّة من الجهات الأخرى
لنحوّلها إلى نقاط قوّة جديدة.. فتتأكد الثقة من جديد وتتعمّق عندما نشعر
أنَّ قوّتنا ليست في خطر، وأنَّها تنتقل من موقع إلى موقع في عملية صنع
الإنسان للتكامل وللفكرة القوية.
وهذا هو الذي واجهه
النبيّ محمَّد (ص) في بداية الدعوة في مرحلة الإيمان الأولى، وفي مرحلة
الجهاد والصراع.
فقد استسلم بعض
المؤمنين ـ وهو عمَّار بن ياسر(1) ـ لنقاط الضعف الموجودة في نفسه، فنطق
بكلمة الكفر تحت تأثير التعذيب الشديد والإكراه الشرس من قريش.. وجاء إلى
رسول اللّه وهو يشعر بالاهتزاز وقال له النبيّ لقد أنزل اللّه فيك قرآناً
فإن عادوا فعُد.. وذلك قوله تعالى:
{إلاَّ من أكره وقلبه مطمئن
بالإيمان}
(النحل:106).
ويحدّثنا القرآن
الكريـم عن اتخاذ الكافرين المؤمنين أولياء، وينهى المؤمنين عن ذلك..
ثُمَّ يستدرك ليلاحظ بأنَّ هناك ظروفاً قاسية قد يستسلم فيها المؤمنون
للضغط والإكراه فأباح لهم ذلك على أساس التقية.
إنَّنا نجد هناك
تأكيداً لوجود نقاط ضعفٍ في سلوك المؤمنين في حالات الشدّة، لكنَّها ليست
مميتة، فأراد اللّه أن يعطي الإنسان الفرصة الطبيعية للانسجام معها من
أجل أن لا يقع في حرجٍ يبعده عن السير الطبيعي للأشياء كما حصل في بدايات
الإيمان، لأنَّ مثل ذلك لا يعطِّل المسيرة ولا يشلُّ الحركة، بل يترك لها
الفرصة لتستريح وتتنفس في جوٍّ بعيد عن الضغط لتبدأ الرحلة من جديد،
لتقوى وتشتد، فتستقيم لها الإرادة، ويمتدُّ بها الإيمان، وتتّجه أهدافها
إلى التضحية في نهاية المطاف، كما حدث للكثيرين من المسلمين ومنهم عمّار
بن ياسر صاحب التجربة الأولى في الإكراه.
نقاط الضعف الطبيعية لـم تمنع من الانتصار:
ونلتقي بنقاط الضعف الطبيعية من خلال المرحلة في
معركة بدر.. فقد حدَّثنا القرآن الكريم عن فريقٍ من المؤمنين الذين يعترف
القرآن بإيمانهم.. كيف كان استقبالهم لدعوة النبيّ في الخروج لقتال قريش.
{كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وإنَّ فريقاً من
المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحقّ بعد ما تبيّن كأنَّما يُساقون إلى
الموت وهم ينظرون} (الأنفال:5ـ6).
{وإذ يعدكم اللّه إحدى الطائفتين أنَّها لكم
وتودُّون أنَّ غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد اللّه أن يحقّ الحقّ
بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحقّ الحقّ ويُبطل الباطل ولو كره
المجرمون} (الأنفال:7ـ8).
{إذ تستغيثون ربَّكم فاستجاب لكم إنّي ممدّكم بألفٍ
من الملائكة مردفين} (الأنفال:9).
{ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض
تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الآخرة واللّه عزيز حكيم * لولا كتابٌ من
اللّه سبق لمسّكم فيما أخذتـم عذاب عظيم}
(الأنفال:67ـ68).
إنَّنا نلاحظ
الجوِّ المملوء بنقاط الضعف، سواء قبل المعركة من حيث الإحساس بالضعف
الشديد الذي يُشعر المسلمين بحبّ الحياة ولو على حساب الرسالة، والخوف من
الأعداء إلى حدِّ الاستغاثة، ثُمَّ الموقف من الأسرى والاحتفاظ بهم
للحصول على الفداء منهم لمواجهة الوضع المادي السيئ للمسلمين، مع أنَّ
المصلحة تقتضي تصفيتهم انطلاقاً من إضعاف المشركين بالتخلص من كلّ
العناصر القوية فيهم.
ولكن هذه النقاط
لـم تمنع من الانتصار عندما انطلق المسلمون ليحوّلوها إلى نقاط قوّة من
خلال تأييد اللّه لهم وتثبيته لمواقفهم وتوجيههم نحو اختيار الحلّ الأفضل
لمشاكل العمل والجهاد.
مخاطر ربط العمل بالشخص القائد:
إنَّنا نلاحظ وجود ذهنية خطرة على مسار العمل
الإسلامي، وهي الذهنية التي تربط العمل بالشخص العظيم القائد، وتعتبر
أنَّ غيابه يمثّل غياب الفرصة الوحيدة للنجاح، وقد يقودها ذلك إلى اليأس،
أو يدفعها إلى التراجع عن الخطّ، ولكنَّ اللّه سبحانه لا يريد لنا أن
نستسلم لهذا اللون من التفكير، لأنَّ قضية الحياة هي قضية الرسالة التي
تمتدّ في جهادها وحركتها فتصنع الرجال وتحدِّد المواقف من خلال تحديد
الخطوط والأهداف.. أمّا الرسول، فهو المرحلة الكبيرة في ولادة الرسالة
وحركتها الأولى وتثبيت قواعدها وتأصيل مفاهيمها وتوضيحها، فهو الذي أطلق
الدعوة وحدَّد المسار، ودفع الأمّة إلى الامتداد فيه على ضوء الهدف
الكبير.. وتنوّعت التجارب في حياته عبر المواقف المختلفة.. ولكنَّه بشر
يموت كما يموت البشر، وتبقى الرسالة حيّة من بعده، لأنَّها رسالة اللّه
للحياة ليحملها من بعده الرساليون من خلفائه وأتباعه.. وهذا هو ما
نستوحيه من قوله تعالى: {وما محمَّدٌ إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرسل
أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه
شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين}
(آل عمران:144).
فإذا كانت القضية
مع النبيّ في هذا المستوى، فكيف تكون مع الآخرين الذين يتسلَّمون مركز
القيادة في مرحلة من مراحل العمل، سواء كانت على أساس العلم أو على أساس
الحركة. إنَّ على الأمّة في مثل هذه الحال أن تؤمن برسالتها وتثق بنفسها
فتبحث عن القيادة الجديدة إذا لـم تكن بارزةً على السطح، وترتبط بها إذا
كانت موجودة في مستوى الثقة، أو تعمل على صنع القيادة في داخلها لتستمر
الرسالة في مسيرتها الصاعدة نحو الأفضل.
وفي هذا الاتجاه،
نشعر أنَّ علينا تفريغ الذهنية الإسلامية من هذه المشاعر العاطفية حتى في
ما اعتدناه من كلمات الرثاء للعلماء والعظماء المشتملة على المبالغات
الضخمة التي توحي بأنَّ العلم قد مات ولن تقوم له قائمة بعد الفقيد إذا
كان عالماً، وأنَّ الحياة سوف تنهار وتنتهي بعد القائد الذي انتقل إلى
جوار ربِّه، وأنَّ الكون سيتوقف عن الامتداد والفلك عن الدوران.
إنَّ البعض قد
يعتبر هذا الأسلوب في الرثاء أسلوباً وجدانياً لا ضرر منه ما دام الشرع
لا يتنكر للمبالغة إذا كانت في طريق التقييم لا في مجال الإخبار لتكون
كذباً إذا خالفت الواقع، ولكنَّنا نجد في مثل هذا الأسلوب طريقةً خطرةً
في تربية الذهنية الإسلامية على المفهوم الذي يربط العمل بالشخص ويربط
الحركة بالمرحلة الزمنية التي يعيشها هذا الفرد في حياة العمل، فلا يثق
بوجود أشخاص آخرين يمكنهم أن يكملوا المسيرة ويقودوا العمل من جديد.
إنَّنا نستوحي من
القرآن الكريم خطّاً بعيداً عن هذا الاتجاه، فإنَّنا نراه يتحدّث عن موت
النبيّ بأسلوبٍ بسيطٍ جداً لا أثر فيه للمبالغة ولا لليأس في المستقبل.
{إنَّك ميّت وإنَّهم ميّتون} (الزمر:30).
{وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم
الخالدون} (الأنبياء:34).
{ما كان محمَّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول اللّه
وخاتـم النبيين}
(الأحزاب:40).
وهناك نقطةٌ حيوية
جداً في هذا الاتجاه، فقد درجنا في تقييمنا للانتصارات الرسالية أو
العسكرية على ربطها بالشخص دون أن نلتفت إلى القاعدة التي ساهمت في صنع
النصر، فنتحدّث بأنَّه هو الذي فتح، وهو الذي هدى، وهو الذي انتصر، أمّا
الآخرون فلا قيمة لهم ولا حديث عنهم إلاَّ من خلاله.
إنَّنا نحتاج إلى
عدم إغفال القاعدة التي تتحرّك مع القيادة وتنسجم مع خططها وأهدافها،
لأنَّها استطاعت بجهادها وإخلاصها وتعاونها مع قيادتها أن تحقّق
الانتصارات والإنجازات، فإنَّ ذلك يضع الصورة في مكانها الطبيعي ويحقّق
لنا هدفين عمليين:
1 ـ التخلُّص من
عبادة الشخصية في المسار الطويل، لأنَّ اعتبار الشخص كلّ شيء في العمل من
دون ملاحظةٍ لرفاق الطريق، يؤدي إلى تجميع الطاقات في ذاته بعيداً عن
حساب طاقات الآخرين، ما يجعلهم مجرّد آلات تتحرّك بدون إرادة أو تفكير.
2 ـ الإيحاء
للقاعدة دائماً بأنَّ طاقاتها المتحرّكة تعتبر إحدى الأسس الكبيرة للعمل
والانتصار، مضافاً إلى الأساس الكبير المتمثّل في حكمة القيادة في
تخطيطها الفكري والعملي، وهذا ما يجعلها تعيش المسؤولية من زاوية الشعور
بقيمة الذات، والشعور بالقضية، حيث لا تتحرّك الذات بعيداً عن القضية، بل
تحقّق لها الغنى الكبير.
ولعلّ هذا هو الذي
نتمثّله في الآيات القرآنية التي تحدّثت عن رسول اللّه والذين معه في
قوله تعالى:
{محمَّدٌ رسول اللّه والذين معه أشدَّاء على الكفّار
رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً سيماهم
في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ
أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرَّاع ليغيظ بهم
الكفّار}
(الفتح:29).
والآيات التي
تحدّثت عن الذين هاجروا وجاهدوا والذين آووا ونصروا في قوله تعالى:
{إنَّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
في سبيل اللّه والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض}
(الأنفال:72).. {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه والذين آووا
ونصروا أولئك هم المؤمنون حقّاً لهم مغفرة ورزق كريـم}
(الأنفال:74).
لتوحي لنا بأنَّ
النتائج كانت منطلقة من قيادة النبيّ وجهد هؤلاء، فلم يتحولوا إلى أصفار
في المعركة، بل كانوا يمثِّلون أرقاماً حيّة في حركة العمل.
{يا أيُّها المدثر * قم فانذر * وربّك فكبّر}
(المدثر:1ـ3).
{فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} (الحجر:94).
{إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}
(المزمّل:5).
إنَّ هذه الآيات
وغيرها تربطنا بفكرة أساسية في حركة الدعوة في الحياة، وهي أن يتحرّك
الداعية من موقع الدخول في حياة النّاس على أساس الدعوة والإنذار، ليفسح
للدعوة مجال القوّة أمام التيارات الأخرى، وليتفادى ـ على ضوء ذلك ـ كلّ
نقاط الضعف، وبذلك يتحوَّل كلّ داعية إلى عنصر مسؤول يحمل على كتفيه عبء
الرسالة ويتقدَّم إلى حلبة الصراع من خلال مسؤوليته من دون أن يخفف ضعف
الآخرين من قوّة اندفاعه، أو تشارك قوّتهم في إضعاف موقفه، لأنَّه يؤمن
بفعل القوّة المنطلقة من عناصرها الذاتية، لا من ضعف الآخرين أو قوّتهم،
وذلك هو السبيل الطبيعي للتقدّم والتكامل.
إنَّنا نريد إثارة هذا الموضوع في
أجواء ما نستوحيه من هذه الآيات التي تحرّك الإنسان الداعية نحو العمل
على أساس العنصر الذاتي النابع من المسؤولية الرسالية، لأنَّ هناك فكرة
يعيشها الكثيرون من الدعاة، وهي استيحاء الشعور بالقوّة من ضعف الآخرين،
فنحن نرتاح كثيراً إذا ضعفت هذه القوّة المنحرفة والكافرة، ونحمل الهمَّ
الكبير إذا تصاعدت قوّة هذه أو تلك في اتجاه الحكم والحياة.. إنَّه الخطأ
الكبير والضعف الساحق أن تستمد قوّتك من ضعف الآخرين، أو تفقد قوّتك أمام
قوّتهم، لأنَّ صاحب الرسالة هو الذي يتحرّك في طريق صنع القوّة الذاتية
التي تواجه القوى الأخرى لتضعفها ولتستفيد من الضعف الطبيعي لها في سبيل
بناء قوّةٍ جديدة على أنقاض تلك القوّة، لا أن يدفعها ذلك إلى مزيدٍ من
الكسل والاسترخاء.