السيرة النبوية > السرايا والغزوات بين عمرة القضاء وفتح مكة

السرايا والغزوات بين عمرة القضاء وفتح مكة

في الفترة التي تلت عمرة القضاء، وقعت بين المسلمين والمشركين مناوشات قامت بها بعض السرايا التي أرسلها النبيّ (ص) إلى جماعة من المشركين، كسرية الأضرم بن أبي العوجا إلى بني سليم في خمسين رجلاً من المسلمين، فاستعان بنو سليم بأحلافهم من العرب، وأحاطوا بالمسلمين، فقاتلوا حتّى قتلوا، ولـم ينج منهم إلاَّ قائد السرية واثنان معه.

وسرية غالب بن عبد اللّه الليثي إلى بني الملوح بالكديد في جماعة من المسلمين، وكانت نتيجتها لمصلحة المسلمين حيث إنَّهم قتلوا من بني الملوح جماعة واستولوا على نعمهم ومواشيهم، ورجعوا سالمين.

وسرية شجاعة بن وهب الأسدي في ربيع الأول من السنة الثامنة ومعه أربعة وعشرون من المسلمين إلى جماعة من هوازن، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتّى بلغ منازلهم في السحر، فاستولى على نعمهم وأغنامهم ورجع إلى المدينة.

وسرية كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلاً إلى ذات أطلاح من أرض الشام ولما انتهوا إليها وجدوا جمعاً كبيراً من النّاس، فدعاهم كعب بن عمير إلى الإسلام فأجابوه بالقتال والسيوف، فقاتلهم أشدّ القتال حتّى قتلوا عن آخرهم ولـم ينج منهم سوى رجل واحد.

غزوة مؤتة:

تلك هي صورة عن الحوادث التي وقعت خلال الأشهر الخمسة أو الستة بين عمرة القضاء وغزوة مؤتة، التي جهّز إليها النبيّ (ص) جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل، وأمرهم بالخروج إلى بلاد الشام لدعوة أهلها إلى الإسلام، وقتالهم إذا هم رفضوا، ولـم يقبلوا بشروط المسلمين، وكان ذلك في الشهر الخامس من السنة الثامنة للهجرة.

وقد اختلف المؤرخون في الدوافع إلى هذه الغزوة، فقال بعضهم إنَّ الدافع إليها هو الانتقام لحرب بن عمير الأزدي، قد وجهه النبيّ (ص) بكتابٍ إلى ملك بصرى، فلمّا نزل مؤتة، تعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني وأوثق رباطه ثُمَّ قدمه وضرب عنقه، ولـم يقتل أحد غيره من بعوث الرسول الكثيرة إلى الآفاق.

وكان لهذه الحادثة وقعٌ شديد على النبيّ (ص) والمسلمين، فأرسل رسول اللّه (ص) جيشاً من ثلاثة آلاف للاقتصاص من ذلك الوالي وأتباعه.

وقيل إنَّ هذه السرية كانت للانتقام لسرية كعب بن عمير التي أرسلها النبيّ (ص) إلى ذات أطلاح في بلاد الشام يدعوهم إلى الإسلام، وكان من أمرها أن قابلتهم تلك الحشود التي تجمعت في ذلك المكان بالسيوف والنبال ولـم يفلت منهم سوى رجل واحد وقع جريحاً ثُمَّ تحامل بعد انتهاء المعركة وانصراف النّاس، وانسلّ من بين القتلى مثخناً بالجراح، ورجع إلى المدينة ليُخبر بما جرى له ولأتباعه إلى غير ذلك مما قيل حول أسباب هذه الغزوة.

ومهما كانت دوافع تلك الغزوة، فإنَّها لا شك جاءت بعد أن أرسل النبيّ (ص) الرسل إلى هرقل وغيره من الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، وكانت بلاد الشام خاضعة لسيادة الروم، وهي الأشدّ التصاقاً وصلة بالمكيين والحجازيين.

وكان (ص) قد عيّن على هذا الجيش ثلاثة من الصفوة بين أصحابه يتولون قيادته على التعاقب، وتقول المصادر الشيعية إنّه جعل القيادة لجعفر بن أبي طالب، ومن بعده لزيد بن حارثة، ومن بعدهما لعبد اللّه بن رواحة، وترك للجيش أن يختار لقيادته من يراه صالحاً، إذا أصيب الثلاثة، بينما تقول المصادر السنية إنَّه جعل القيادة لزيد بن حارثة، ومن بعده لجعفر بن أبي طالب ومن بعدهما لعبد اللّه بن رواحة.

وانطلق الجيش إلى مشارف الشام، فنـزل وادي القرى، واستراح المقاتلون بها، وكانوا يفكّرون بأن يباغتوا العدّو، ولكنَّ أخبارهم كانت قد سبقتهم وبلغت المناطق التي يتولاها شرحبيل عامل هرقل، فجمع القبائل من حوله، وأرسل إلى هرقل ليمدّه بجيشٍ من عنده، فأمدّه بعددٍ كبير من العرب.

وتذهب بعض الرِّوايات إلى أنَّ هرقل خرج بنفسه على رأس ذلك الجيش ، كما يذهب بعضها إلى أنَّه أرسله بقيادة أخيه تيودور حتّى اجتمع من الروم والعرب لمقابلة جيش المسلمين مائة ألف أو مائتا ألف حسب اختلاف الرِّوايات في ذلك.

ولما انتهى المسلمون إلى (معان) بلغتهم أخبار تلك الحشود، فأقام المسلمون ليلتين في (معان) يتدبرون أمرهم، وقال نفرٌ منهم: نكتب إلى رسول اللّه نخبره بعدد عدوّنا، فإمّا أن يمدنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له، ولـم يرق ذلك لعبد اللّه بن رواحة، فشجع النّاس قائلاً:"يا قوم، واللّه إنَّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل النّاس بعددٍ ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلاَّ بهذا الدين، أكرمنا اللّه به، فانطلقوا، فإنَّما هي إحدى الحسنين إمّا ظهور وإمّا شهادة".

كان لهذه الكلمة الملتهبة أثرها الطيب في نفوس المسلمين، وحركت مشاعرهم وصمموا على المضي في القتال مهما كانت النتائج، ومضوا في طريقهم، فلمّا بلغوا أرض البلقاء، بلغهم أنَّ جيش الروم يُرابط في قرية من قرى البلقاء يُقال لها "مشارف"، فانحاز المسلمون إلى قرية يُقال لها مؤتة، وعبأوا جيوشهم بها، ولما التقى الجمعان أخذ الراية زيد بن حارثة وحمل على القوم بمن معه من المسلمين بسيوفهم ورماحهم يقاتلون قتال المستميت وظلّ يقاتل حتّى قتل، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، ومضى بها يُقاتل حتّى قتل، ويُقال إن رومياً قطع يمينه التي كان يحمل بها الراية، فأخذها بيساره، فضربه آخر على يساره فقطعها فاحتضنها بعضديه حتّى قتل.

فلمّا قتل حمل عبد اللّه بن رواحة الراية، فاعتراه بعض التردّد والخوف، ولكنَّه عندما أحسّ بدقة الموقف تخلى عن هذه الوقفة، وأقنع نفسه بورود المصير الذي آل إليه صاحباه من قبله، وقاتل حتّى قتل.

وجاء في كتب السيرة والتاريخ أنَّه لما قتل عبد اللّه بن رواحة، انهزم المسلمون، فأخذ الراية ثابت بن أرقم، وجعل يصيح بالأنصار، فرجع إليه جماعة منهم ولـم يلبث أن أعطى الراية لخالد بن الوليد، فشرع يُقاتل بمن معه ويعمل للانسحاب بما تبقى لديه من المسلمين.

وعندما عادوا إلى المدينة قابلهم المسلمون بجفاء وسخرية، حتّى لزم جماعة منهم بيوتهم خجلاً من النّاس، ولكنَّ الرسول (ص) كان قد هوّن عليهم الأمر واستقبلهم استقبال الفاتحين.

لقد كانت غزوة مؤتة درساً قاسياً للمسلمين، ولكنَّ ذلك لـم يمنعهم من المضي في نشاطهم العسكري، وإنما إلى ميدان جديد، لإشعارهم بأنَّ الإسلام يشكل قوّة لا يُستهان بها، وقادرة على الوقوف في وجه التحدّيات.

ومن جهة أخرى، ارتاحت قريش لنتائج هذه الغزوة واعتبرتها هزيمة منكرة، واستخفت بعدها بمكانة المسلمين ومعنوياتهم، ولـم يعد لوثيقة الصلح ذلك الأثر الذي يفرض عليهم الالتزام بها، لذلك فقد أسرعت إلى نقض بنود المعاهدة وناصرت بني بكر على خزاعة، أحلاف النبيّ (ص) وأمدتهم بالسّلاح والرجال حتّى قتلوا من خزاعة رجالاً وأصبحت قريش حرباً على المسلمين ومن دخل في عهدهم.

ذات السلاسل:

وقعت غزوة مؤتة في جمادى الأولى من السنة الثامنة، ولـم يلبث المسلمون طويلاً حتّى عادوا إلى مشارف الشام يلاحقون خصومهم قبل أن يستريحوا، فخرج عمرو بن العاص ليؤدب القبائل الضاربة هناك، إلاَّ أنَّه خشي من كثرة عددهم، فأرسل إلى النبيّ (ص) يطلب مدداً، وانحاز إلى ماء يسمى (السلاسل) ينتظر المدد.

وأرسل رسول اللّه (ص) جيشاً من المهاجرين الأولين يقوده أبو عبيدة بن الجراح، وعندما وصل أبو عبيدة إلى المكان الذي كان يرابط فيه عمرو بن العاص دبّ الخلاف بين الرجلين، ولكنَّ الخلاف لـم يلبث أن حُسم لصالح عمرو بن العاص، وأخذ عمرو يطارد القبائل الموالية للروم، فتوغّل في بلاد بلى وغدرة وبلقين وطيء، وكلّما انتهى إلى موضع قيل له كان هناك جمعٌ فلمّا سمعوا بك تفرقوا، وظفر مرة بواحدة من هذه الجموع فاقتتلوا، وحمل عليهم المسلمون فهزموا، وأعجزوهم هرباً في البلاد.

وجاء في مصادر أخرى أن النبي (ص) أرسل علياً إلى ذات السلاسل فأوقع بالقوم، بالرغم من محاولة بعض القادة عرقلة مهمته، وكان ذلك بعد أن بعث غيره من الصحابة ورجعوا خائبين، وفيه نزلت على النبي(ص) سورة العاديات.

وما يجدر ذكره في هذا المجال، أنه مع كلّ الانتصارات التي حقّقها المسلمون إلاَّ أنَّه لـم تحصل معركة حاسمة ومواجهة شاملة، ولكن مما لا شك فيه أنَّ هذه المواجهات المتفرقة قد أعادت إلى المسلمين بعض الاعتبار.