السيرة النبوية > صورة النبيّ (ص) في القرآن

صورة النبيّ (ص) في القرآن

يحتل القرآن الكريم بالنسبة لشخصيتنا الإسلامية موقع الصدارة، باعتبار أنَّه الكتاب الإلهي الذي يصوغ شخصيتنا ويصقلها، فيؤسس لنا عقيدتنا، ويحدّد مفاهيمنا، ويؤصّل تصوراتنا والمفردات المتصلة بالإسلام كلّه، في خطوطه العامة والخاصة، ويوجّه تطلعاتنا الروحية والعملية باتجاه الطريق المستقيم، فهو النور والكتاب المبين، الذي يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السلام الفكري والروحي والعملي، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، وليبيّن لهم أن الذي اختلفوا فيه هو هدى ورحمة لقوم يؤمنون، ويهدي للّتي هي أقوم، وفيه شفاء لما في الصدور وبرهان وبصائر من ربِّكم ـ كما وصف اللّه به كتابه ـ وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الوثيقة المعصومة التي حفظها اللّه من التحريف والزيادة والنقصان، كما جاء في قوله تعالى: {إنّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحافظون} (الحجر:9).

القرآن المصدر الأوّل للسيرة النبوّية:

وعلى ضوء ذلك، كان من الضروري أن يكون القرآن المصدر الأوّل للسيرة النبوّية الشريفة، فهو كتاب الرسالة الذي يتحدّث عن شخصية الرسول في طبيعته وقدراته، وفي أخلاقه وأساليبه وحركته في الدعوة، في حياته الخاصة في بيته، في حياته العامة مع النّاس، وفي حياته الداخلية في فكره وإحساسه وانفعاله بالتحديات التي واجهته، في علاقة المؤمنين به، في حربه وسلمه وغير ذلك. وبعبارة أخرى، كلّ ما يتعلّق بشخصيته الرسولية من حيث هي العنوان الإنساني للخطوط العامة للنبوّة، لينطلق من القرآن التصوّر للخط العقيدي في حدود النبوّة المفهومية وحركتها التجريبية في حياة النّاس، لا من الأفكار الفلسفية التي تتحدّث عن النبوّة بأسلوب المطلق بعيداً عن الظواهر القرآنية الواضحة التي أطلقت الفكرة العامة من خلال النظرية والتطبيق، حيث أريد للنّاس أن يستوعبوا هذه العناوين القرآنية في وجدانهم العقيدي والشعوري ببساطة تعبيرية يجري عليها التفاهم في القواعد الأصيلة في اللغة العربية، التي لا تحمل في داخلها اللغوي الكثير من التكلّفات والتعقيدات الفلسفية التي تحلّق في آفاق التجريد الذي قد لا يثبت أمام النقد، وربَّما كان البعض من هذه الخطوط خاضعاً للثقافات الأخرى التي فرضت نفسها على التصوّرات العقلية في الواقع الفكري الإسلامي، كالفلسفة اليونانية وغيرها.

إنَّ الرسولية في شخصية الرسول وفي خطّ الرسالة شأن إلهي لا مجال لمعرفته إلاَّ من خلال ما يوحي به اللّه في كتابه، وما يلهمه أو يبيّنه لرسوله الذي يعبّر عنه في سنته، ولذلك فلا بُدَّ للمسلمين أن يستغرقوا في دراسة هذه القضية من خلال القرآن في ظواهره من حيث يريد اللّه للنّاس أن يفهموه ويعتقدوه ويعيشوه، لا سيما في عهد الرسالة الأول، حيث كان النبيّ يعيش مع أتباعه وخصومه في آن واحد الأمر الذي كان يثير الكثير من المشاكل والتعقيدات وعلامات الاستفهام، باعتبار أنَّ الوحي كان ينطلق من الفكرة العامة على مستوى النظرية، ومن حركة التجربة الواقعية على مستوى التطبيق، فكان النّاس يرون النبيّ في مضمون الآيات، ويحدّقون به في حركة الواقع، فيجدون وحدة الخطّ الفكري مع التجسيد الإنساني الواقعي، وهذا يوحي بأنَّ الصورة العامة التي كانت تتمثّل في الواقع النبوّي في حديث اللّه عنه وفي سلوكه العملي مع النّاس، وبالتالي انفعالهم به، هي الصورة الحقيقية التي يريد للنّاس أن يتمثلوها في وعيهم ووجدانهم العقيدي، لأنَّه ليس من الطبيعي أن تكون الصورة النبوية في الوجدان الإسلامي في تلك المرحلة ـ التي تؤسس للمراحل القادمة ـ بعيدة عن الصورة الواقعية، كما فهمها الفلاسفة بعد ذلك.

على ضوء ما تقدّم، ينطلق السؤال: ما هي المصلحة في أن يقدّم اللّه لنا الصورة في ملامحها الإنسانية المنسجمة مع الواقع الإنساني في قدراته المحدودة وفي تجاربه العملية في الوقت الذي قد تكون الصورة الحقيقية تنطلق في البعد الإلهي، في القدرات المطلقة التي تحلّق بعيداً في أجواء الغيب الذي يقترب من قدرة اللّه بفارق واحد، وهو ذاتية القدرة في ذاته، وامتدادها منه في ذات النبيّ (ص)؟!

وقد يتحدّث البعض عن الأحاديث المأثورة التي تتناول الموضوع بطريقة مغايرة، الأمر الذي يجعلنا في الموقع الفكري الذي يحمل الآية القرآنية على خلاف الظاهر الذي لا بُدَّ أن ترفع اليد عنه بالحكم العقلي اليقيني، لأنَّ السمع لا يمكن أن يصادم العقل، وبالحديث الصحيح عن النبيّ محمَّد (ص) الذي يفصّل ما أجمله القرآن ويوضّح ما أبهمه، ما يفرض على القارئين للقرآن والمفسِّرين له أن يوازنوا بين مضمون الكتاب والسنّة بطريقة التخصيص للعمومات والتقييد للمطلقات والتأويل للظواهر.

القرآن: المقياس في تصحيح الأحاديث:

ونلاحظ على ذلك، أنَّ الأئمة من أهل البيت (ع) اعتبروا القرآن الأساس الذي يمثّل المقياس الصحيح في تصحيح الأحاديث، بحيث يكون الظاهر القرآني هو الشاهد على صحة الحديث وفساده، ما يفرض علينا دراسة المفاهيم القرآنية من خلال ظواهر القرآن للدخول في مقارنة بينها وبين المفاهيم الحديثية على أساس الخطوط الفكرية المستفادة من هذا أو ذاك لا على مستوى جمود الكلمات بالطريقة الحرفية.

ونحن إذ نؤكد ذلك، فإنَّنا لا ننكر شرعية حمل القرآن على خلاف ظاهره بالتخصيص والتقييد والتأويل، ولكن لا بُدَّ أن يكون ذلك منسجماً مع قواعد اللغة العربية التي يقوم عليها التفاهم بأسلوب الاستعارة والكناية ونحوهما، ممّا يتنوع فيه التعبير، ولا يجوز الخروج عن هذه القواعد لأنَّه يفقد الأساس العلمي للأسلوب القرآن،ي لا سيما إذا كان التفسير الباطني أو التأويلي بعيداً عن المستوى البلاغي الفني الرفيع الذي هو في الدرجة العليا من البلاغة، الأمر الذي يجعلنا نحمل ما صحّ من الحديث على طريقة الاستيحاء والانطلاق في ذلك من الجزئي إلى الكلي،ّ أو من المادي إلى المعنوي، لا على طريقة استعمال اللفظ في معناه الخاضع لقواعد حاسمة لا تنسجم مع ذلك.

إنَّنا ندعو إلى إعادة النظر في الدراسات القرآنية، ليكون القرآن هو القاعدة التي يخضع لها الحديث، بدلاً من العكس، مع ملاحظة مهمة، وهي أنَّ توثيق الأحاديث، قد عاش الكثير من المشاكل التاريخية، والمنازعات المذهبية، بحيث أصبحت علامات الاستفهام كثيرة أمام الباحث الذي يريد أن يوثّق راوياً، أو حديثاً، فلا بُدَّ من الحذر في الأخذ بالأحاديث، لا سيما إذا كان متضمناً لتغيير الظاهر القرآني. ومشكلتنا في هذا المجال هي أنَّ الذهنية التفسيرية قد خضعت للمؤثرات الفلسفية من جهة وللمدرسة الإخبارية التي لا تدقق في نقد الأحاديث من حيث السند والمضمون من جهة أخرى، ما ترك تأثيره السلبي على التصوّر القرآني بحيث أصبح البعض يفهمون القرآن من خلال الحديث ـ حتى لو كان ضعيفاً ـ ولا يفهمونه من خلال ظاهره، ممّا دفع ببعض المدارس الأصولية إلى إنكار الآيات القرآنية إلاَّ من خلال الأحاديث المأثورة، بحيث لو سُئل بعض أتباع هذه المدرسة عن السبب في ذلك فإنَّه يبادر إلى القول بأنَّه لا يفهمها لأنَّه يخشى أن يكون الفهم الظاهري من التفسير بالرأي.

إنَّ اللّه تعالى قد أنزل القرآن كتاباً هادياً بلسان عربي مبين، فلا بُدَّ لنا أن نهتدي به، وقاعدة الهداية تكون من خلال الأساليب الفنية لفهم النص في اللغة العربية.

وعلى ضوء ذلك كلّه، لا بُدَّ لنا من استيحاء القرآن في سيرة النبيّ محمَّد (ص) لنبدأ من ثقافته قبل النبوّة، هل درس التوراة والإنجيل في تلك المرحلة؟ وهل كان مطّلعاً على التفاصيل التاريخية للأنبياء، وهل كان يقرأ أو يكتب؟

إنَّ الصورة القرآنية تؤكّد أنَّ النبيّ (ص) لـم يكن ملمّاً بذلك كلّه، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:

{وأنزل اللّه عليك الكتاب والحكمة وعلَّمك ما لـم تكن تعلم وكان فضل اللّه عليك عظيماً} (النساء:113).

وقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنَّك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الشورى: 52).

وقوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيَّهُم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} (آل عمران:44).

{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذا جمعوا أمرهم وهم يمكرون} (يوسف:102).

وقوله تعالى: {وما كنت ترجو أن يُلقى إليك الكتاب إلاَّ رحمة من ربِّك فلا تكونن ظهيراً للكافرين} (القصص:86).

وقوله تعالى: {ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون} (ص:69)

وقوله تعالى: {قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عُمراً من قبله أفلا تعقلون} (يونس:16).

وهكذا جاء القرآن ليؤكّد أنَّ النبيّ (ص) لـم يكن يمارس القراءة والكتابة: {وما كنت تتلو من قبلِهِ من كتاب ولا تخطُّهُ بيمينك إذاً لارتاب المبطلون} (العنكبوت:48).

وقد كان ذلك كلّه حجّة على النبوّة في عمقها الغيبي لأنَّ هذه الشمولية الثقافية لا يمكن أن تكون منطلقة من جهد بشري، خاصة إذا لـم يكن صاحب تجربة ثقافية يطّلع من خلالها على مصادر المعرفة الكتابية وغيرها.

ولكن هذا لا يعني أنَّ النبيّ (ص) لـم يكن يملك مستوى ثقافياً عالياً من خلال تأمّلاته وتجاربه والألطاف الإلهية عليه في ملكاته الفكرية والروحية من خلال إعداد اللّه له للمهمة الكبرى في الرسالة الإسلامية.

المهمة الرسالية الموكولة إليه:

لقد تحدّث القرآن عن هذه المسألة في عدّة آيات، منها قوله تعالى: {يا أيُّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً} (الأحزاب:45ـ46).

ومنها قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين} (الجمعة:2).

ومنها: {رسولاً يتلو عليكم آيات اللّه مبيِّنات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} (الطلاق: 11).

دور الشهادة على الأمّة:

وهكذا نجد أنَّ دوره في المجال الإنساني كما حدّوته الرسالة هو دور الشاهد الذي يشهد على الأمّة من الموقع القيادي الذي يخطّ لهم الطريق، ويحدّد لهم العناوين والخطوط، ويراقبهم في تجربتهم العملية لتنسجم مع المنهج الإلهي. وهو دور الرسول الذي يتلو عليهم آيات اللّه ويعلِّمهم الكتاب في خطّ النظرية والحكمة في خطّ التطبيق ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنّة وأنَّ لهم أجراً حسناً، كما ينذر بعذاب أليم في النّار.

وهو المربي الذي يزكيهم ويطهّر قلوبهم من الرجس الفكري، وحياتهم من القذارة العملية، ويخرجهم من ظلمات الجهل والكفر والشرك والضلال والتخلّف، إلى نور العلم والإيمان والتوحيد والهداية والتقدّم في آفاق الوعي المنفتح على اللّه والإنسان والحياة.

ولـم يأتِ ليلغي الرسالات التي جاء بها الرسل السابقون أو ليتنكر لهم، بل جاء مصدقاً لما مع الرسل، كما قال اللّه تعالى: {ثمَّ جاءكم رسول مصدقِّ لما معكم} (آل عمران:81).

فقد كان يؤكّد الكتب التي أنزلت عليهم ويبيّنها للنّاس: {قل يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير} (المائدة:15).

ومؤكّداً للإيمان بالرسل كلّهم: {لا نفرِّق بين أحدٍ من رسله}(البقرة:28).

ونلاحظ أنَّه في الدور التبليغي في التبشير والإنذار والدعوة إلى اللّه، لا يملك السيطرة عليهم وإخضاعهم بالقوّة، بل عليهم طاعته بقوّة الإيمان والتقوى والعمل الصالح، فقد قال اللّه تعالى مخاطباً له: {إنَّما أنت مذكَّر * لست عليهم بمسيطر} (الغاشية:21ـ 22).

وقال تعالى: {من يُطع الرسول فقد أطاع اللّه ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (النساء:80).

وقال تعالى: {وما على الرسول إلاَّ البلاغ} (العنكبوت:18).

وقال تعالى: {نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبّار فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق: 45).

وهذا هو العنوان الكبير للدور الرسولي في الرسالة، في إيحاءاته التي تدلّ على أنَّ اللّه لـم يزوّد رسوله بالقوّة غير العادية التي يملك فيها السيطرة التكوينية على عقولهم ليقودهم من خلالها ـ بالإضافة إلى الكلمة الرسالية ـ إلى الإيمان، بل كلّ ما هناك أن يواجه الموقف بما علمه اللّه أن يقوله عند تقديم نفسه إليهم: {وأن اتلوا القرآن فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فقل إنَّما أنا من المنذرين} (النمل:92).

القتال الإسلامي خاضعٌ للأهداف:

وقد نستوحي ـ من هذه الآيات وغيرها ـ أنَّ القرآن الكريم ـ في مضمون الدعوة إلى اللّه ـ لـم ينطلق ليقاتل النّاس ليكرههم على الدخول في الإسلام بالقوّة، بل كان القتال الإسلامي ـ إن صحّ التعبير ـ خاضعاً للأهداف المتصلة بالواقع الإسلامي في ساحات الصراع في مواجهة الذين يفرضون الحرب على المسلمين، أو ليضغطوا عليهم للفتنة عن دينهم بمختلف وسائل الضغط الجسدي والمعنوي، أو ليخرجوا المسلمين من ديارهم، أو لمصادرة الحرية الإسلامية في الدعوة، وذلك بإقامة الحواجز ضدّ دعوة الإسلام والصدّ عن سبيل اللّه بغير حقّ، وهذا ما نستوحيه من الآيات التالية:

1 ـ {وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنَّ اللّه لا يُحبُّ المعتدين} (البقرة:190).

2 ـ {وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرّجال والنِّساء والولدان الذين يقولون ربَّنا أخرجنا من هذه القرية الظالـم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً * الذين آمنوا يقاتلون في سبيل اللّه والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إنَّ كيد الشيطان كان ضعيفاً} (النساء: 75ـ76).

3 ـ {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه للّه} (الأنفال: 39).

4 ـ {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أنَّ اللّه مع المتّقين} (التوبة:36).

5 ـ {إذن للذين يقاتلون بأنَّهم ظلموا وأنَّ اللّه على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلاَّ أن يقولوا ربَّنا اللّه} (الحج: 39ـ40).

وهكذا نجد أنَّ هذه الآيات وأمثالها تؤكّد على القتال الدفاعي أو الوقائي ممّا لا يقترب من مسألة الإكراه على الدخول في الدين، ولكن إذا انتهت الحرب فلا بُدَّ من إخضاع المهزومين لسيادة الإسلام بأكثر من وسيلة من خلال المعاهدات والاتفاقات التي تكفل للآخرين حقوقهم الإنسانية وتحمي الإسلام من العدوان وتؤكّد حريته في تركيز مواقعه ومناهجه ونشر الدعوة إلى اللّه في الأرض، وهذا هو الفارق بين حركة الدعوة إلى اللّه في أسلوب الفكر والحوار وحركة الدولة في ممارستها للضغوطات ومواجهة من يعتدي على مواقعها ومواقفها في الواقع.

الدعوة في أسلوبها النبوي العملي:

انطلق النبيّ محمَّد (ص) ـ بتوجيه من اللّه ـ في إبلاغ الرسالة بأسلوب حكيم يتحرّك في دائرة الرفق بالكلمة وإشاعة الأجواء الهادئة، ومضمون منفتح على الواقع الإنساني، متمثلاً بحركة الانفتاح على عقول الآخرين في الجوانب الفكرية، وعلى العمق الشعوري للإنسان في الجوانب العاطفية، مستخدماً في أدوات الصراع المرتكزة على عنوان القول بالتي هي أحسن والجدال بالتي هي أحسن والدفع بالتي هي أحسن، لأنَّ القضية المطروحة تتمثّل في إقناع النّاس بالإيمان باللّه بالطريقة العقلية والشعورية في محاولة منه لتثبيت الإيمان في امتداد الحياة، لأنَّ العقيدة المنطلقة من الاقتناع الفكري والتوازن العاطفي لا تسقط أمام كلّ الاهتزازات النفسية والاجتماعية والسياسية، أمّا الذين يعبدون اللّه على حرف فإنَّهم لا يملكون الثبات أمام التجارب الصعبة، كما قال اللّه سبحانه: {ومن النّاس من يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} (الحج:11).

ومن خلال ذلك نفهم أنَّ دخول النّاس إلى الإسلام بفعل العوامل الذاتية كالرغبة والرهبة، لا ينطلق في هذه الخطّة بقصد تجميع أكبر قدر ممكن من النّاس من دون أن يمتلكوا ناصية الوعي الداخلي، بل ينطلق من تحييد هؤلاء عن مجتمع الشرك لينتقلوا إلى مجتمع الإسلام، ليتنفسوا روحانيته وأفكاره وينفتحوا على إيحاءاته ويتحرّكوا في خططه وأساليبه، باعتبار أنَّ ذلك قد يكون وسيلة من وسائل إيجاد الأجواء الملائمة للتربية وتأمين فرصة للابتعاد عن الساحة التي تزيد في الموقف السلبي من الإسلام بفعل الأجواء المعادية في المعسكر المضادّ، وقد كان الإسلام ـ في حالة الحرب مع المشركين ـ يعمل على إجارة أيّ مشرك يريد الانفتاح على الوعي للإسلام، أو يريد الاستجارة بالمسلمين لغاية معينة، فيُعطى الفرصة للاستماع إلى كلام اللّه بكلّ ما يثيره ذلك من تفكير وحوار وإيحاء بالفكر الجديد الذي لا عهد له من قبل، وهذا يتجلى في قوله تعالى: {وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فأجِرهُ حتى يسمع كلام اللّه ثمَّ أبلغه مأمنه ذلك بأنَّهم قومٌ لا يعلمون} (التوبة:6).

فإذا كانوا يرفضون الإيمان لجهلهم بكلام اللّه، فلا بُدَّ من إيجاد الفرصة الملائمة لإسماعهم كلام اللّه بالطريقة التي توحي إليهم بأنَّ ذلك هو سبيل الخلاص في الدنيا والآخرة، وبذلك تكون قد أقيمت الحجة عليهم وأصبحوا وجهاً لوجه أمام مسؤولياتهم.

الدولة تأكيد لقوّة الدعوة:

إنَّ النبيّ محمَّد (ص) لـم ينطلق في دعوته ليبني دولة من حيث ذاتيتها في الحكم والسلطان، بل كانت الدولة وسيلة من وسائل تأكيد عناصر القوّة للدعوة في حشد المؤثرات المتنوعة، وتوفير الأجواء الملائمة لكي تتحرّك مفاهيم الإسلام في كافة مواقع الساحة الإسلامية ويتأكد فيها سلطانه بالعدل الحقّ والخير الشامل، وبتعبير آخر، أن يعيش النّاس التجربة الحيّة التي تقدّم لهم الإسلام في الواقع الإنساني بالصورة التي تحقّق لهم القناعة من خلال منطق الواقع بالإضافة إلى منطق الفكر المنفتح على الدعوة والحوار، وهذا ما جعل مفردات »التفكير« و »العقل« و »الحجّة« و »البرهان« والجدال بالحقّ، والكلمة الأحسن والحكمة والموعظة الحسنة، هي مفردات الدعوة في خطابيها العام والخاص، لأنَّ الغاية الكبرى هي أن يكون الدين كلّه للّه في عقول النّاس، فلا يبقى هناك شيء لغير منطق الدين في عقولهم وفي قلوبهم، فلا يتحرّك أيّ إحساس عاطفي لغير اللّه في الحبّ الروحي الذي تتحرّك فيه نبضاته، وفي حياتهم فلا يكون هناك عبادة لغير اللّه في كلّ أوضاعهم العبادية، ومن الطبيعي أن لا يتحقق ذلك إلاَّ من خلال القناعة العميقة المرتكزة على الفكر والحجّة والطريقة الأفضل في مواجهة العقل والقلب والوجدان، وهذا هو ما عالجته الآيات التالية:

1 ـ {ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنَّ ربُّك أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (النحل:125).

2 ـ {وإن كذَّبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ممّا أعمل وأنا بريء ممّا تعملون} (يونس: 41).

3 ـ {وإن جادلوك فقل اللّه أعلم بما تعملون} (الحج: 68).

4 ـ {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن إلاَّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} (العنكبوت: 46).

5 ـ {ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنَّه وليٌ حميم} (فصلت: 33ـ34).

6 ـ {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتّبع أهواءهم وقل آمنتُ بما أنزل اللّه من كتاب وأمرت لأعدل بينكم اللّه ربَّنا وربُّكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجّة بيننا وبينكم اللّه يجمع بيننا وبينكم وإليه المصير} (الشورى: 15).

7 ـ {وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سبأ:24).

وهكذا نجد الأسلوب الإسلامي الجدلي الحواري لا ينطلق من الضغط على الوجدان الإنساني بطريقة العنف والقسوة، بل يتحرّك من دراسة الإنسان في كلّ منطلقاته ومؤثراته وتطلعاته ومشاعره الخاصة في خطّ بياني يؤكّد فيه المحاور المسلم على الكلمة الأحسن والأسلوب الأحسن والجوّ الأحسن، ليعيش الإنسان الآخر الطمأنينة النفسية والراحة العقلية والشعورية في موقع الحوار.

الشخصية الأخلاقية في حركة النبيّ في الدعوة:

لقد كان النبيّ محمَّد (ص) يمثّل القمة في الأخلاق الإنسانية في علاقته بالنّاس كلّهم في عناصر حركته الذاتية، وفي علاقته بهم في العناصر المنفتحة في حركته الاجتماعية، بحيث كان يعيش العقل المفتوح على الواقع كلّه بكلّ محبة، والقلب الرقيق للنّاس كلّهم، فلم يكن يعاني من انغلاق العقل، ولا من فظاظة الطبع، ولا من قسوة القلب، ولا من حدة اللسان، بل كان كما قال اللّه عنه:

1 ـ {فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظاّ غليظ القلب لانفضّوا من حولك} (آل عمران:159).

2 ـ {وإنَّك لعلى خُلُق عظيم} (القلم:4).

3 ـ {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم} (التوبة:128).

ونستوحي من بعض آيات القرآن الكريم أنَّ النبيّ كان يحمل الحبّ للنّاس في إنسانيتهم من حيث أنَّه يريد صلاحهم، فيحزن عليهم لإصرارهم على الكفر، وقد يشتد الأمر به في هذا الشعور الإنساني الرقيق فيبلغ الدرجة التي تذهب فيها نفسه عليهم حسرات، ما يعني أنَّ القضية لـم تكن لديه ـ في هذا الحزن الإنساني ـ قضية شخصية من خلال عقدة نفسية قد تحصل للإنسان من خلال عدم استجابة الآخرين له في دعوته، بل كانت قضية الحزن عليهم لأنَّهم لـم ينتفعوا بالدعوة ولـم يستجيبوا لمصالحهم فيها، كما جاء في العديد من الآيات:

1 ـ {ولا تحزن عليهم ولا تكُن في ضيقٍ ممّا يمكرون} (النمل:70).

2 ـ {فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ إنَّ اللّه عليمٌ بما يصنعون} (فاطر:8).

3 ـ {فلعلّك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لـم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} (الكهف:6).

هذه هي الروحية الرسالية التي لا بُدَّ للداعية الإسلامي أن يتمثّلها في أخلاقيته عندما ينطلق بدعوته إلى النّاس، فيحبّهم في إنسانيتهم في الوقت الذي يبغض فيهم كفرهم وشركهم، ليدفعه ذلك الحبّ في العمق الإنساني إلى أن يبذل كلّ ما بوسعه من جهد لإنقاذهم من الكفر والشرك والوصول بهم إلى شاطئ النجاة في الالتزام بالإيمان، بحيث يبكي قلبه أسفاً وحزناً عليهم إذا لـم يؤمنوا، وذلك هو سرّ نجاح الداعية في محبّة العقل للعقل والقلب للقلب والكلمة للكلمة، لأنَّ المحبّة تملك القدرة على تحطيم الكثير من الحواجز النفسية التي تحول بين الداعية والإنسان الآخر.

وقد أراد اللّه للنبيّ (ص) أن يبقى مع الفقراء المؤمنين، باعتبار أنَّهم يشكّلون القاعدة الإسلامية التي تتأصل فيها الفطرة النقية الصافية التي لـم يلوّثها المال بقذاراته، ولـم يسقطها الجاه بكبريائه، ولـم تبتعد بها الامتيازات المعقّدة في المجتمع عن بساطتها الإنسانية، ليؤكّد للنّاس كافّة أنَّ الفقر ليس قيمة سلبية في إنسانية الإنسان، بل هو أمر عارض طارئ لا علاقة له بالعنصر الأصيل في عناصر الشخصية، كما أنَّ الغنى ليس قيمة إيجابية، بل قد يتحوّل بفعل الاستغراق فيه والبعد عن الخطّ المستقيم في التعامل معه إلى عنصر مضادّ للقيمة. ولذلك فلا بُدَّ للداعية من أن يؤكّد دعوته في تعزيز واقع المستضعفين المؤمنين الذين يمثّلون قاعدة الدعوة وجنود الرسالة الذين لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، فلا يطردهم من ساحته لأنَّ الأغنياء يستنكفون من مجالستهم انطلاقاً من استكبارهم الذاتي، ولا يعرض عنهم ليقبل على المستكبرين من مترفة النّاس. وهذا هو الخطّ الرسالي للدعاة إلى اللّه، وللعلماء السائرين في طريق اللّه. وهذا ما أشار اللّه إليه في قوله تعالى:

1 ـ {ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} (الأنعام:52).

2 ـ {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربَّهُم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تُطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتَّبع هواه وكان أمره فرطاً} (الكهف:28).

وقد عاتب اللّه نبيّه عتاباً إيحائياً على إعراضه عن الأعمى وإقباله على الأغنياء ممّن جاءوا إليه، ولـم يكن ذلك منه احتقاراً للأعمى وتعظيماً لهم، بل كان ذلك تأجيلاً لأنَّه كان من خواصّه للردّ على مسألة الأعمى وبإمكانه الدخول على الرسول (ص) في أيّ وقت شاء، حتى أنَّه كان يدخل عليه وهو جالس مع زوجاته، ومن ناحية أخرى كان تعجيلاً للتجربة في هداية هؤلاء الأغنياء أو دفع الضرر الصادر عنهم، ومن هنا كانت الآيات معالجة في الشكل لا في المضمون، لأنَّ النبيّ (ص) لـم يخطئ في ممارسته تلك، لأنَّه كان منسجماً مع رسالته في إقامة الحجة على المشركين والكافرين حتى لو لـم يدخلوا من خلال ذلك في الإيمان، ولكنَّ اللّه أراد أن يبيّن حقيقة هؤلاء الذين جاءوا ليشغلوا وقت النبيّ من دون عزم على مواجهة الموقف بجدية للحصول على القناعة مقارنة بالقضية التي جاء الأعمى سائلاً عنها وهو يريد أن يتزكّى بكلام النبيّ (ص). وهذا كلّه على تقدير الرِّواية التي تتحدّث عن سبب نزول هذه الآيات في قصة ابن أم مكتوم الأعمى مع النبيّ (ص)، وهناك روايات أخرى تتحدّث عن أنَّ المقصود بها بعض النّاس من بني أميّة، وهو غير واضح عندنا. وهذه هي الآيات:

{عبس وتولّى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعلّه يزكّى * أو يذكّر فتنفعه الذكرى * أمّا من استغنى * فأنت له تصدّى * وما عليك ألاّ يزكّى * وأمّا ما جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى} (عبس:1 ـ10).

وربَّما كانت الرِّواية في هذا المجال عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنَّ النبيّ كان إذا أقبل عليه ابن أم مكتوم قال له: أهلاً بمن عاتبني فيه ربّي، وهكذا كان ـ كما قلنا ـ عتاباً إيحائياً في الشكل على طريقة ما نزل به القرآن الكريم في أكثر من موقف: »إيّاك أعني واسمعي يا جارة« واللّه العالـم.

وقد أراد اللّه منه في علاقته بالمؤمنين أن يخفض جناحه لهم، فيفتح لهم قلبه ويفسح لهم في مجلسه ويقبل عليهم بوجهه ويسلّم عليهم، كما جاء في قوله تعالى:

{وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربَّكم على نفسه الرحمة إنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثمَّ تاب من بعده وأصلح فإنَّه غفور رحيم} (الأنعام: 54).

أخلاقية التسامح :

وإذا كان اللّه يريد لنبيّه (ص) أن يعيش أخلاقية التسامح مع الآخرين ولكن على أساس أن لا يكون ذلك على حساب الرسالة ومواجهة الموقف المضاد بأسلوب اللامبالاة أو تقديم التنازلات لهم والانحراف عن الخطّ، لأنَّ الانفتاح الأخلاقي على الكافرين كان لمصلحة اجتذابهم للإيمان بالإسلام، فلا يمكن أن يتحرّك في مفرداته لتمييع المضمون الإيماني للحصول على رضاهم، لأنَّ النبيّ (ص) ليس شخصاً يعمل لاجتذاب النّاس إليه لشخصه، ولكنَّه يعمل لإدخالهم في دينه، فكيف يتنازل لهم عن بعض دينه لمصلحة خطّهم الكافر، وقد عاش النبيّ (ص) عدّة تجارب من الضغوط التي كان المشركون يوجهونها له ليجتذبوه، وقد صوّر لنا القرآن هذه المحاولات في أسلوب تعبيري يوحي بأنَّهم كادوا أن يفتنوه ليستسلم إليهم فيما يريدونه منه لولا أن ثبّته اللّه، في إشارة إلى حجم الضغوط التي لو وجهت إلى غيره لافتتن بها وخضع لتأثيراتها، وذلك كما في قوله تعالى: {وإنْ كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثمَّ لا تجد لك علينا نصيراً} (الإسراء:73ـ75).

وفي هذه اللفتة في كلمة: {ولولا أن ثبتناك} لا بُدَّ من وقفة تأمّل، فهل التثبيت حالة طارئة بحيث كان النبيّ محمَّد (ص) خاضعاً ـ في قدراته الذاتية ـ للمؤثرات الضاغطة التي تنفتح على نقاط الضعف البشري ليفتري على اللّه فينسب إليه ما لـم يقله ممّا يقترب من طروحاتهم؟! وهل يعقل أن يبعث اللّه نبيّه في رسالته من دون أن يملك ـ في ذاته ـ القدرة على الثبات في الإصرار عليها مهما كانت الظروف؟! لأنَّ التنازل عن بعض الرسالة يعني عدم الجدية في طرحها كتجسيد للحقّ الذي لا يقترب إليه الباطل، ولأنَّه يغري الآخرين بطلب التنازل عن البعض الآخر، بحيث تفقد الرسالة شرعيتها لديهم إذا كانت قد فقدت توازنها لدى صاحب الدعوة.

لذلك نرى أنَّه يُراد بالتثبيت القوّة الروحية التي أودعها اللّه في شخصيته من ملكة العصمة ومناعة الروح وثبات الفكر، ولـم تكن علاجاً طارئاً للمشكلة الجديدة في أساليب الفتنة الموجهة إليه، بل كانت عنصراً ثابتاً أصيلاً في وجدانه النبوي، وربَّما كان في الحديث عن المسألة بصيغة الماضي ما يؤكّد ذلك، وقد تحدّث اللّه عن تثبيته لنبيّه وللمؤمنين في أكثر من آية، فقد جاء في قوله تعالى:

{وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل وما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحقّ وموعظة وذكرى للمؤمنين} (هود:120).

وفي قوله: {وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} (الفرقان:32).

وربَّما كان المراد به التقوية للروح النبوية في حركة التفاصيل، ليواجه المواقف من خلالها بالصلابة الثابتة التي لا تهتز أمام التحديات من خلال الحديث عن تاريخ الأنبياء الذي لـم يكن ملماً به قبل نزول القرآن، ليزداد بذلك وعياً للمشاكل التي تعيش في حركة الرسالة في الواقع، وليتصرف ـ من خلال ذلك ـ على سنّة اللّه في رسله ورسالاته، ليعرف كيف ينسج الخطّة في اتجاه الوصول إلى الهدف على ضوء تجارب الأنبياء في واقع النبوات، لأنَّ اللّه أراد للتاريخ الرسالي أن تقدّم فيه كلّ مرحلة تجربتها للمرحلة الأخرى، وأن يوحي كلّ نبيّ من خلال تاريخه بنتاج حركته للنبيّ الآخر، ولن يكون ذلك إلاَّ بالوحي الإلهي الذي يقصّ عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده.

أمّا الآية الثانية فإنَّها تتحدّث عن جزئيات التحديات والتطورات السلبية أو الإيجابية التي تعيشها الرسالة ويواجهها الرسول في التجربة الرسالية في الحرب والسلم، لتمنح لكلّ موقف حكمه، ولكلّ مشكلة حلّها، ولكلّ معركة سلاحها، ولكلّ تجربة درسها، لأنَّ اللّه كان ينزل آياته تبعاً لحاجة الواقع الذي يبحث عن الأجوبة في الكثير من علامات الاستفهام، ولـم يكن قد زوّد رسوله بكلّ تعليماته وكلّ تشريعاته وتوجيهاته له وللمسلمين، ولذلك كان النبيّ (ص) يردد كلمته المأثورة ـ عند إلحاح المسلمين عليه في إصدار الموقف الحاسم ـ »إنّي أنتظر أمر ربِّي«، لأنَّ ذلك هو الذي يعمّق في نفوس المسلمين أنَّ النبيّ في ما يبلّغه للنّاس أو يعالجه من مشاكل، لـم يصدر من موقف ذاتي، بل من وحي إلهي، حتى لا تختلط لديهم شخصية الذات في تصورهم للجانب الذاتي للرسول ممّا قد يملكون الحرية في قبوله أو رفضه ـ كما يتخيلون ـ وشخصية الرسول في حديثه عن اللّه ممّا لا بُدَّ لهم أن يقبلوه من دون مناقشة على أساس الخطّ الشرعي الإسلامي الذي جاء في قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (الأحزاب:36).

رسول اللّه القرآن الناطق:

ولذلك كانوا يسألونه ـ حسب رواية السيرة ـ عن كلّ أمر يصدره »هل هو رأي ارتأيته أو هو وحي من اللّه«؟ ليحددوا موقفهم منه وهذا لا يعني أنَّ للنبيّ (ص) شخصيتين في حركته الرسالية في الشؤون الخاصة والعامّة، بل شخصية واحدة تمثّل التجسيد الحيّ للرسالة، فهو القرآن الناطق الذي يتمثّل القرآن الصامت في كلّ سيرته قولاً أو فعلاً أو تقريراً:

{وما ينطق عن الهوى * إنْ هو إلاَّ وحيٌ يوحى} (النجم:3ـ4).

{فلا وربُّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً} (النساء:65).

{لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وذكر اللّه كثيراً} (الأحزاب:21).

فهو القدوة والأسوة في كلّ شيء، فكيف يكون له شخصيتان في سلوكه العملي مع النّاس، لتختلف فيه شخصية الإنسان عن شخصية الرسول.

أمّا تثبيت اللّه للذين آمنوا فإنَّه يحصل من خلال القرآن الذي يعمّق فيهم الإيمان باللّه ويفتح لهم آفاق المعرفة باللّه وبخلقه وبمنهجه ورسالته وشريعته، وذلك هو قوله تعالى:

{قل نزله روح القدس من ربِّك بالحقّ ليثبت الذين آمنوا وهدىً وبشرى للمسلمين} (النحل:102).

ويحصل بالقول الثابت الذي يمثّل الحقّ كلّه في الدنيا والآخرة، وذلك هو قوله تعالى:

{يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (إبراهيم:27).

وقد أراد لنبيّه في هذا التثبيت الكليّ والجزئي ـ إن صحّ التعبير ـ أن يكون حاسماً في الموقف، ليؤكّد لهم أنَّه لا مجال للمساومة وللتسوية ولأنصاف الحلول في قضية الرسالة، كما في قوله تعالى:

{قل يا أيُّها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتـم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين} (الكافرون:1ـ6).

وقوله تعالى: {قل إنّي أمرتُ أن أعبد اللّه مخلصاً له الدين * وأمرتُ لأن أكون أوّل المسلمين * قل إنّي أخاف إنْ عصيت ربّي عذاب يومٍ عظيم * قل اللّه أعبد مخلصاً له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إنَّ الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألاَّ ذلك هو الخسران المبين} (الزّمر:11ـ15).

{وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتِ بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي أن أتبع إلاَّ ما يوحى إليَّ إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم} (يونس:15).

وقد أكّد اللّه هذا الخطّ الممتد في كلّ مواقع الرسالة وموقفها في الآية الكريمة، التي تعلن للآخرين ممّن قد يفكّرون في اجتذاب النبيّ (ص) إليهم من خلال بعض الإغراءات أو التهويلات، أنَّ النبيّ لا يملك القدرة على ذلك ـ وهو لا يريد ذلك ـ لأنَّ اللّه الذي يخافه ويخشاه لن يسمح له بذلك، كما في قوله تعالى:

{ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثمَّ لقطعنا من الوتين * فما منكم من أحد عنه عاجزين} (الحاقّة: 44ـ47).

لطف اللّه ورعايته وتسديده للنبيّ (ص):

وهكذا أحاط اللّه نبيّه الذي جاء بالصدق وشمله بكلّ لطفه ورعايته وعنايته وتسديده وتثبيته، في الملكات القدسية التي أودعها في شخصه، والوحي المتدرج في التخطيط الدقيق لكلماته وأفعاله ومواقفه، لتكون له العصمة في ذلك كلّه في تبليغ الرسالة وفي مختلف شؤون الحياة.

وكان النبيّ (ص) من خلال الصورة القرآنية يحزن من مسارعة النّاس إلى الكفر، فيتألم من بعض ما يقولون له من كلام، ويضيق صدره ممّا يمكرون. فهل كان هذا الشعور السلبي في الواقع منطلقاً من إحساسه بالمشكلة الذاتية في موقف القوم منه، أو كان انفعالاً بالمفاجأة برفض الأكثرية للرسالة الجديدة التي هي الحقّ والخير والعدل كلّه للنّاس كلّهم، الأمر الذي يجعل رفضهم ضدّ مصلحتهم، لأنَّهم لـم يكتشفوا اللّه في وجدانهم الذي تحجَّر بالذهنية الوثنية، ففقدوا الإحساس بإنسانيتهم وبكلّ قيمتها الروحية والأخلاقية وبكلّ ما يرفع مستواها في الحياة؟

أو كانت هذه المسألة منطلقة من حالة التحدي الصارخ التي كانت تواجهه بشكل يومي، فيما يقترحون عليه من آيات جديدة، أو في القول: لولا أنزل عليه كنز، أو لو جاء معه ملك، وفي إعلان التكذيب له، وفي السخرية به وفي الاتهامات الكاذبة الموجهة إليه؟

لقد تحدّث اللّه إليه ـ حول كلّ هذه الأجواء ـ فإذا كان الحزن منهم لأنَّهم ـ في كفرهم ـ سوف ينزلون الضرر باللّه:

{ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنَّهم لن يضرّوا اللّه شيئاً} (آل عمران: 176).

وإذا كان من ناحية الاستهزاء:

{ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن} (الأنعام:10).

وإذا كانت المسألة مسألة تكذيبهم له في دعوته:

{فإنَّهم لا يكذبونك ولكنَّ الظالمين بآيات اللّه يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات اللّه ولقد جاءك من نبأ المرسلين} (الأنعام: 33ـ34).

وإن كان قد كبر عليك إعراضهم عنك وعن رسالتك، فلا بُدَّ لك أن تتحمّل ذلك لأنَّهم لن يقبلوا عليك إلاَّ إذا استجبت لطلباتهم التي لا تملك الاستجابة لها:

{وإن كان كبر عليك إعراضهم فإنْ استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلّماً في السَّماء فتأتيهم بآية ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى} بقدرته التي تجعلهم مؤمنين بطريقة تكوينية، ولكنَّ اللّه أراد لهم أن يؤمنوا باختيارهم، فلم يفرض عليهم الإيمان {فلا تكونن من الجاهلين} (الأنعام:35) لأنَّ القضية تتحرّك من موقع وعيٍ للرسالة في مقارنةٍ بالواقع، وأنت الواعي لذلك كلّه، والعارف بالمسألة كلّها.

وإذا كانوا يطلبون منك كنزاً ينزل عليك أو ملكاً يأتي معك، فعليك أن تبيّن لهم مهمتك وهي الإنذار، فلم يرسلك اللّه لتجترح المعجزات بطريقة ذاتية، ولـم يعطك هذه القدرة ـ مع قدرته على أن يعطيها لرسله، وأنت في مقدمتهم ـ لكنَّ ذلك يخضع لحاجة النبوّة إليها في التحديات الكبرى، لا في التحديات الصغيرة التي تشبه اللعب واللهو الطفولي، فما إن ينتهوا من طلب حتى يتقدمون بآخر من دون أن يقفوا على حالة فكرية للتأمّل والحوار. وبعبارة أخرى، لـم يجدوا أنفسهم في الموقع الذي يخوّلهم مواجهة الرسالة الجديدة بجدية ليتحرّك الرسول معهم بطريقة موضوعية عقلانية، ولذلك فلا يضيق صدرك ولا تترك بعض ما يوحى إليك، لأنَّ مثل هذا المنطق الذي يطرحونه ليس منطق العقلاء، الأمر الذي يوجب إهمالهم.

إنَّ المسألة تحتاج إلى صبر {واصبر وما صبرك إلاَّ باللّه}(النحل:127) لأنَّك تتحرّك في رسالة شاملة تهدف إلى تغيير العالـم كلّه من حيث الفكر والعمل والعلاقات والمواقع والتطلّعات، أو بالأحرى الدخول في عملية تحدٍّ للواقع كلّه بكلّ خلفياته الشركية وامتداداته الكفرية وضلالاته الأخلاقية وقيمه السلبية، الأمر الذي يؤدّي إلى عملية تهديم للبنيان التاريخي الصخري الضارب في الأعماق المتحجّرة في تاريخ الإنسان.

إنَّه وعد اللّه في وراثة الرسل للأرض:

{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنَّهم لهم المنصورون * وإنَّ جندنا لهم الغالبون * فتولَّ عنهم حتى حين * وأبصرهم فسوف يبصرون} (الصافات: 171ـ175).

{فاصبر إنَّ وعد اللّه حقّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون} (الروم: 60).

{أليس اللّه بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه} (الزمر: 36).

{فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} (الزخرف: 83).

إنَّ هذه الصورة لا تخاطب تجربة النبيّ محمَّد (ص) الشخصية والحالة التي كان يعيش فيها مثل هذه الانفعالات من الهلع أو الخوف أو الاقتراب من التراجع عن الرسالة أو الهروب من الواقع بأيّة طريقة حتى يُقال له إنْ استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلّماً فتأتيهم بآية، بل إنَّها تخاطب التجربة الرسالية التي تلتقي بذلك كلّه من خلال طبيعتها الموضوعية وما يعترضها من مشاكل وحصار تخضع له، وتحديات تقف أمامها، لأنَّ النبيّ محمَّد (ص) كان على درجة من الوعي للمسألة والقوّة في المواجهة والثبات أمام التحدي والحكمة في برنامج الحركة، بحيث إنَّه كان لا يتصور أيّة حالة حزن أو خوف أو ضيق أو تراجع، فهو القائل ـ حسب ما جاء في السيرة ـ:

»يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه«.

إنَّه خطاب للدعاة الرساليين ـ بعد النبيّ (ص) ـ من خلال توجيه الخطاب للنبيّ، لأنَّ اللّه يخاطب الأمّة من خلاله، وقد جاء عن بعض أئمة أهل البيت (ع) »إنَّ القرآن نزل على طريقة إيّاك أعني واسمعي يا جارة« وهذا هو الذي يحلّ المشكلة، واللّه العالـم.

وثمة تساؤل أثير من قبل بعض المستشرقين هو: هل أنَّ الرسول أرسل لأمّ القرى ومن حولها أو أنَّه أرسل للعالمين؟

ربَّما يتوهم البعض أنَّ الرسالة محدودة بالمجتمع المكّي ومن حوله، ثمَّ تطور ليأخذ طابع الشمول للجزيرة العربية ثمَّ القريبة والجوار، وقد يستشهد هذا البعض بقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أمَّ القرى ومن حولها} (الشورى: 3).

فقد يستوحى من ذلك أنَّ الرسول قد انطلق لينذر أهل مكة وما حولها بعد أن كانت الفكرة الأولى أن ينذر عشيرته الأقربين، وذلك في قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء:214).

وهكذا يرى هؤلاء أنَّ عالمية الدعوة إلى الإسلام لـم تكن واردة في فكر صاحب الدعوة في البداية، بل تطورت بفعل الانتصارات المتلاحقة التي حقّقها في حركته في الحرب والسلم، وربَّما يحاول هذا البعض أن يستوحي فكرة محدودية الدعوة في النطاق الخاص من خلال قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأمّيين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإنْ كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين} (الجمعة:2).

وذلك بتفسير كلمة: {الأمّيين} بالمنسوبين إلى أم القرى.

ولكنَّ هذا الرأي ليس له قيمة علمية، لأنَّ الآيات التي دلّت على عالمية الرسالة الإسلامية نزلت في مكّة وليس في المدينة، كما في قوله تعالى: {ما أرسلناك إلاَّ كافةً للنّاس بشيراً ونذيراً} (سبأ:28).

وفي قوله تعالى: {وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107).

وكما في قوله تعالى: {يا أيُّها النّاس إنّي رسولُ اللّه إليكم جميعاً} (الأعراف: 158).

وهكذا نجد الكثير من الآيات التي تتحدّث إلى النّاس بالصفة الشمولية خارج نطاق حدود الزمان والمكان، ما يدل على أنَّ العنوان الأوّل للرسالة كان عنواناً شاملاً للنّاس جميعاً لا محدوداً بجماعة مخصوصة.

أمّا الحديث عن إنذار عشيرته الأقربين، وإنذار أم القرى ومن حولها، فإنَّه يتصل بالدعوة المباشرة التي تنطلق من خلال التدرج الطبيعي في حركة أيّة رسالة وأيّ رسول، حيث ينطلق من القاعدة الصغيرة في مجتمعه ليتحوّل إلى المجتمع الأكبر بحسب مواقعه الضيّقة والواسعة، لأنَّه قد يكون من غير الطبيعي أن يقفز الرسول إلى العالـم الأوسع من دون أن يكون له في دعوته قاعدة انطلاق في مجتمعه، لأنَّ الحركة لن تكون واقعية آنذاك.

بشرية النبيّ:

لقد أكّد القرآن الكريم على بشرية الرسول بما لـم يؤكّد به على أيّ عنوان آخر من عناصر شخصيته، كما أكّد ذلك في الحديث عن بشرية الأنبياء في مقابل الفكرة التي ترفض الجمع بين النبوّة والبشرية، وأراد اللّه للنبيّ محمَّد (ص) أن يعلن في خطابه القرآني ذلك للنّاس كما في قوله تعالى: {قل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحد} (الكهف:110).

وقد أراد اللّه له أن يدخل في التفاصيل في هذا الاتجاه ليبيّن مدى قدرته البشرية التي لا يملك فيها أيّة عناصر ذاتية ترتفع بها فوق مستواهم من الناحية التكوينية أو من الناحية الشخصية الفعلية، وذلك في قوله تعالى: {ولا أقول لكم عندي خزائن اللّه ولا أعلم الغيب ولا أقول إنّي ملك} (هود:31).

وذلك فيما قصّه اللّه من قصّة نوح باعتبارها نموذجاً نبوياً لا يختلف في قدراته الذاتية عن الأنبياء الآخرين، لأنَّ ذلك ليس من شؤون نبوّتهم في المعنى، وقد أراد اللّه لنبيّه محمَّد (ص) أن يخاطب بهذا المعنى أيضاً قومه ـ في صفته الذاتية ـ كما في قوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه ولا أعلمُ الغيب ولا أقول لكم إنّي ملك أنْ أتّبع إلاَّ ما يوحى إليّ} (الأنعام: 50).

نستوحي من هذه الآيات أنَّ النبيّ محمَّد (ص) لا يملك هذه الأمور بشكل فعلي في تركيبته الذاتية، بل هو متّبع لما يوحيه اللّه إليه ممّا يريد له أن يبيّنه للنّاس أو يعلّمه من غيبه بالمقدار الذي يحتاجه في رسالته التي يتكامل لديه فيها جانب المعرفة الإلهية في كلّ حاجاتها الواقعية من الناحية الفكرية العملية.

وتتعاظم الفكرة في ملامح الصورة الشخصية القرآنية للنبيّ محمَّد (ص) في الآية التالية في قوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلاَّ ما شاء اللّه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء إنْ أنا إلاَّ نذير وبشير لقوم يؤمنون} (الأعراف:188).

توضح هذه الآية أنَّ القدرة البشرية لدى الرسول (ص) لا تملك أيّة عناصر غير عادية للقوّة لكي تحمي نفسها، إلاَّ من خلال القوانين الإلهية العامة التي يتحرّك فيها البشر، أو من خلال الألطاف الإلهية التي يرعى اللّه فيها نبيّه في الحالات الخاصة الطارئة، كما أنَّه لا يملك علم الغيب في تكوينه الذاتي ولا في الواقع الفعلي بشكل مطلق، فهو لا يعرف ـ من خلال هذا النص القرآني ـ ماذا يحدث له في الغد من عافية وبلاء، وضعف وقوّة، وذلك من خلال الفرضية الواقعية ـ وهي أنَّه لو كان يعلم الغيب في طاقته العلمية لأمكنه أن يجلب الخير لنفسه ويستكثر منه من خلال اطّلاعه على فرص الغيب في الحاضر والمستقبل، وأن يدفع عن نفسه السوء الذي تجتمع عناصره الآن وغداً، فقد يصيبه البلاء بشكل مفاجئ في الواقع، وقد لا يحصل الخير لديه من خلال العناصر الخفية في الزمان والمكان والأشخاص، لأنَّ هذه المسألة لا تتصل بمهمته الرسالية في الإنذار والتبشير، باعتبار أنَّ ذلك لا يرتبط بعلم النبيّ للغيب في واقع الحياة.

وقد جاء ذلك في قوله تعالى: {قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم وإن أتبّع إلاَّ ما يوحى إليّ إنْ أنا إلاَّ نذير مبين} (الأحقاف:9).

فإنَّها تدلّ على نفي الفعلية في واقع الذات وحصر المسألة في ما يأتيه من الوحي. وبتعبير آخر، فهو خارج هذا النطاق لا يملك علم الواقع من ناحية فعلية، وبهذا يردّ على ما ذهب إليه بعض المفسِّرين من أنَّ علم الغيب المنفيّ عن غير اللّه وارد على نحو الأصالة، فلا ينافي علم غيره بالتبعية ممّا يصدر منه، حيث يدل الظاهر من كلّ الآيات على نفي العلم الذاتي حتى على نحو التبعية، بمعنى جعل النبيّ عالماً بالغيب يملك هذا العلم في ذاته بقدرة اللّه في عطائه له كما أعطاه ملكاته الأخرى، بل المسألة هي مسألة مفردات الغيب في حاجاته له من خلال الوحي أو بطريقة أخرى.

الولاية التكوينية:

وفي ضوء ذلك، نستطيع أن نجد في النص القرآني الردّ على الفكرة التي تجعل للنبيّ الولاية على الكون، بأن يغيّره ويبدّله ويتصرف فيه من خلال القدرة العظيمة التي أودعها اللّه في شخصه ممّا يطلق عليه اسم »الولاية التكوينية«، حيث لا تلتقي هذه الفكرة بالنصوص القرآنية السابقة التي تدل على أنَّ النبيّ لا يملك ـ في فعلية قدراته الوجودية ـ لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، ولا يعلم الغيب الذي يهيئ له فرصة استكثار الخير في حياته وإبعاد السوء عن نفسه فيما يستقبله من أمره. وتزداد المسألة وضوحاً في الآية الكريمة التي تتحدّث عن مواجهة النبيّ للمشركين في اقتراحاتهم التعجيزية كشرط للإيمان، كما في قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السَّماء كما زعمت علينا كِسَفاً أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى إلى السَّماء ولن نؤمن لرقيك حتى تُنزِّل علينا كتاباً نقرأه قل سبحان ربِّي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً} (الإسراء:90ـ93).

فإنَّنا نلاحظ أنَّ النبيّ محمَّد (ص) ـ من خلال هذا النص القرآني ـ لـم يجبهم على اقتراحاتهم تلك، لأنَّه ليس مخوّلاً أن يجيب عليها، باعتبار أنَّ النبيّ لا ينطلق بالمعجزة إلاَّ من خلال الأمور التي يرى أنَّها ضرورية للتحدّي أو مواجهة التحدي، لا من خلال ما يقترحه الآخرون في طلباتهم، ولذلك نرى أنَّ جوابه كان منطلقاً من أنَّ ليس له القدرة على ذلك، لأنَّه بشر لا يملك قدرة غير عادية، وتلك ليست مهمته ودوره، لأنَّه رسول يحمل مسؤولية تبليغ الرسالة لا مسؤولية التصرّف في الكون بالطريقة التي يتطلبونها، كردّ على الفكرة التي كانوا يحملونها في عقيدتهم من أنَّ النبيّ الذي يملك العلاقة الغيبية باللّه في رسالته، لا بُدَّ أن يكون قادراً على تحقيق كلّ ما يريد أو ما يطلبه الآخرون منه.

وعلى ضوء ذلك، فلا مجال ـ في النص القرآني ـ لفكرة (الولاية التكوينية) للنبيّ أو للأنبياء كافة وإذا كان اللّه قد أعطى للأنبياء القيام بالمعجز، فإنَّها تتصل ـ بشكل مباشر ـ بحاجة النبوّة إلى ذلك أمام التحديات الموجهة إليهم، لأنَّ المسألة ليست مسألة تشريف وتكريم للنبيّ الذي كرّمه اللّه أفضل تكريم باختياره لمهمّة النبوّة بين النّاس ليكون سفيراً له في خلقه ومسؤولاً عن هدايتهم لدينه وتقريبهم إليه. ومن خلال ما ورد في القرآن، نجد أنَّ اللّه أعطى الأنبياء الفرصة للحصول على كلّ ما يدعم موقفهم في الحالات الصعبة، ولكنَّ ليس من الضروري أن يكون ذلك من خلال القدرات الذاتية الجديدة المعطاة لهم، بل قد تكون بعض الحالات منطلقة من قدرة اللّه بشكل مباشر من دون أن يكون للنبيّ أيّ دور في تحقيق ذلك، كما في قضية موسى (ع) عند بداية تلقي التكليف بالرسالة من اللّه، فخاض تجربة ناجحة في موقفه عندما ذهب ليقتبس لأهله ناراً، وعند دخوله على فرعون حيث تحوّلت يده أمام السحره بيضاء للناظرين وعصاه ثعباناً، ما جعله يعرف طبيعة القدرة الإلهية التي وضعها اللّه بين يديه.. فقد وقف السحرة الذين ألقوا عصيهم وحبالهم: {فإذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنَّها تسعى * فأوجس في نفسه خيفةٌ موسى * قلنا لا تخف إنَّك أنت الأعلى * وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنَّما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} (طه: 6ـ69).

فنحن نلاحظ أنَّ الأمر الإلهي هو إلقاء العصا من دون أيّ جهد ذاتي، بل كانت المسألة مسألة القدرة الإلهية التي تدخلت لحماية الموقف.

وهذا ما نراه في طوفان نوح والنّار التي تحوّلت برداً وسلاماً على إبراهيم وناقة صالح ونحو ذلك، وليس هناك إلاَّ النبيّ عيسى (ع) الذي صوّره اللّه لنا أنَّه يقوم بتحقيق المعجزة بطريقة إرادية، ولكن بإذن اللّه، حيث منحه القدرة على ذلك في هذه الدائرة المحدودة التي تتصل بحاجة النبوّة إلى مجابهة التحدّي، وهذا ما عبّر عنه اللّه سبحانه في الآية التالية: {ورسولاً إلى بني إسرائيل أنّي قد جئتكم بآية من ربِّكم أنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه وأبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن اللّه وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إنَّ في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} (آل عمران:49).

فقد لاحظنا أنَّ العنوان هو تقديم الآية من اللّه التي تشهد له بصدقه في ادّعاء الرسالة، ما يوحي بأنَّ هذه المسألة تنحصر في دائرة القدرة على مستوى حاجة النبيّ في موقعه الجديد إلى آية ربانية من خلال الإذن الإلهي المحدود الذي لا يملك القدرة على تجاوزه ولا التحرّك فيه بحرية، لأنَّه لا يملك القدرة الذاتية لذلك حتى بطريقة الولاية التكوينية، وربَّما نستوحي من هذه الآية: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلاَّ بإذن اللّه لكلّ أجل كتاب} (الرعد: 38).

إنَّ مسألة الآيات الإعجازية كانت حالات طارئة في حياة الرسل ولـم تكن مسألة ذاتية في وجودهم، ولهذا كان بعض الرسل يواجه أمّته بدون معجزة في بداية رسالته كإبراهيم ونوح، وكان بعضهم يقدّمها بين يدي رسالته كموسى وعيسى عليهم السلام ومحمَّد (ص).

وتبقى هناك آية تدل على أنَّ اللّه يمنح رسله علم الغيب، كما في قوله تعالى: {عالـم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً * إلاَّ من ارتضى من رسول فإنَّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربِّهم وأحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيء عدداً} (الجن:26ـ28).

تدل هذه الآية على أنَّ اللّه يطلع رسوله على غيبه، وذلك من خلال الوحي، ولكنَّها لا تدل على علم الرسول بالغيب بحيث يتحرّك من اختياره الذاتي كلّما أراد ذلك في شتّى جوانب الغيب.

وخلاصة الفكرة هي أنَّ اللّه قادر على أن يمنح أيّاً من عباده، لا سيما الأنبياء، أية قدرة غير عادية كما منح بعضهم إيجاد المعجزة، كما أنَّه قادر على أن يمنح القدرة على اكتشاف الغيب، فإنَّه على كلّ شيء قدير، ولكنَّ القضية المطروحة أمام البحث هو أنَّ القرآن دالّ على أنَّ اللّه لـم يمنحهم ذلك، بل كانوا يتحرّكون كما يتحرّك البشر بقدرة عادية، فهم يعيشون تحت تأثير الضعف البشري في الخوف والحزن والألـم والمرض والجوع والعطش وما إلى ذلك، كما يعيشون تحت تأثير عناصر القوّة إلاَّ في بعض الحالات المتصلة بدورهم الرسالي من خلال حاجتهم إلى المعجزة والآية الربّانية ونحو ذلك، ممّا يكون في المستوى المحدود بمقدار الحاجة، كما أنَّ اللّه لـم يركّب في ذواتهم القدرة على علم الغيب بحيث يكون داخلاً في واقع حركتهم الوجودية بشكل شامل ومستمر، بل كان يلقي إليهم من علمه علماً بحسب حاجتهم إلى ذلك.

ولا بُدَّ من التنبيه على أنَّ المسألة ليست مسألة تشريف وتكريم، لا سيما في قضية الولاية التي تمثّل موقعاً تنفيذياً في حاجة محلّها وموقعها إلى حركة ورعاية وعناية، كما هي الحال في الولاية الرسولية المتعلّقة بحياة النّاس العامة التي يملك الرسول فيها أمر التشريع ـ في دائرة الرسالة ـ وأمر التنفيذ، أمّا الولاية على الكون فهي ليست من شأنهم ولا من دورهم، لأنَّ اللّه وحده هو الذي يملك الولاية الخالقية والفعلية على إدارة نظام الكون كلّه، وليس لأحد من خلقه شأن فيه، لا سيما إذا عرفنا أنَّ الأنبياء لـم يمارسوا الولاية التكوينية في أيّ موقع من مواقعهم، حتى في مواجهة التحديات التعجيزية، إلاَّ في موارد الإذن الإلهي الخاص بإصدار المعجزة هنا وهناك. إذاً، فما معنى ولاية لا يستعملها صاحبها حتى في دفع الضرر عن نفسه وحمايتها من الأخطار، وإذا كانت المسألة مجرّد تكريم إلهي، فإنَّ النبوّة تمثّل أعلى مظاهر التكريم من اللّه لرسله، وأيّة قيمة أعظم من أن يمنحهم اللّه الأمانة على رسالته والسفارة في خلقه والحجة على عباده؛ واللّه العالـم.

علاقة المسلمين برسول الله.

يوضح القرآن للمسلمين علاقتهم برسول اللّه على أنَّها علاقة المؤمنين به من خلال علاقتهم برسالته، ولكن لا بمعنى إبعاد الذات الرسولية عن الصلة الشعورية والروحية به، لأنَّ من الطبيعي أن تكون هناك رابطة عميقة بالشخص الذي تتمثّل فيه الرسالة والقيادة، لأنَّ الإيمان بالرسالة ليس حالةً في الفراغ على سبيل المطلق، فهي ليست فكراً معلّقاً في الهواء، بل هي فكرٌ متجسد في شخص، وقيمةً متحرّكة في إنسان، وخطّ منفتح في الواقع، وحركة منطلقة من قائد، ورسالة ممتدة في رسول، وربَّما كانت العناصر الحيوية في الإنسان هي التي تجذب النّاس إلى رسالته وفكره وقيادته، بل القضية أن لا يكون لصفاته الشخصية في أبعادها النسبية أو القومية أو الجغرافية أو نحو ذلك، دخل في ذلك، فليست علاقة الذات بالذات، بل هي علاقة أتباع الرسالة برسولها وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: {ما كان محمَّد أبا أحدٍ من رجالكم ولكنَّ رسول اللّه وخاتـم النبيين} (الأحزاب: 40).

فلا بُدَّ أن تكون صورته في وجدانكم الإيماني، عقلاً وعاطفة وشعوراً، صورة »رسول اللّه«، لتحدقوا فيه من خلال رسالته، ليكون ارتباطكم برسالته هو الذي يؤكّد ارتباطكم به بدلاً من أن يكون ارتباطكم به أساساً لارتباطكم برسالته، كما تفعل بعض الشعوب التي ترتبط بالفكر من خلال علاقتها بالشخص، فإذا تغيّر فكره انتقلوا معه إلى الفكر الجديد بقطع النظر عن الصواب والخطأ في الفكر الأوّل أو الثاني لأنَّ القضية لديهم هي قضية الإخلاص للشخص بكلّ خصوصياته، ومنها فكره، الذي ينظر إليه بعيداً عن أيّة موضوعية باعتبار أنَّه من شؤونه.

وهكذا تؤكّد الآية على استحضار صورته من حيث هو »خاتـم النبيين«، لأنَّ ذلك هو الذي يجعلهم في موقف الرفض لأيّة دعوة نبوّة جديدة في نبيّ جديد، ولأيّة شريعة جديدة أو منهج جديد للحياة من إنسان معيّن بأيّة صفة من الصفات القيادية أو الفكرية أو الروحية.

هذا الأمر لا بُدَّ من التركيز عليه في الوجدان الإسلامي الذي يواجه في الواقع حركة شخصيات تخوض صراع الأفكار المختلفة والمبادئ المتنوعة، لفرض نفسها على الواقع كأديان معاصرة وكأنبياء عصريين تقوم على أنقاض الأديان القديمة والأنبياء السابقين، بحجة أنَّ التطورات الثقافية تفرض الانفتاح عليها والالتزام بها، لأنَّ الرسالات السابقة قد استنفدت دورها واستهلكت طاقتها، فأصبحت جزءاً من الماضي، لتفسح المجال لرسالات الحاضر.

إنَّ عنوان »خاتـم النبيين« يعني أنَّ الإسلام هو الرسالة النهائية، وأنَّ نبوّة محمَّد (ص) هي النبوّة الخاتمة التي لا نبوّة بعدها، ولذلك فإنَّ الالتزام بالرسالة والرسول هو التزام أبدي لا يخترقه التطور، ولا يستنفده الزمن، بل يبقى ليجدد الواقع، لأنَّه يحمل في داخله العناصر الحيّة التي تغني الإنسان في تجربته الحاضرة والمستقبلية كما أغنته في التجربة الماضية، لأنَّها ابنة الزمن كلّه، كما هي الحقيقة في أبعادها الحيّة، وليست ابنة مرحلة زمنية خاصة.

وقد جاء التعبير عن الفكرة الإسلامية في تحديد نوعية العلاقة بالرسول ومداها في حركة الرسالة في قوله تعالى: {وما محمَّد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين} (آل عمران: 144).

إنَّ هذه الآية تعالج الطريقة المتخلّفة التي يرتبط النّاس فيها بالفكرة من خلال الارتباط بالشخص، فإذا مات الشخص القائد أو الرسول أو المرشد، ماتت الفكرة ـ لديهم ـ في الواقع، فينقلون ولاءهم وارتباطهم إلى شخص آخر يحمل فكرةً أخرى قد تكون مضادة للفكرة الأولى، ما يجعل من الصلة الجديدة انقلاباً على الأعقاب ورفضاً للخطّ الماضي كلّه من دون أيّ اكتشاف لخطأ الأوّل وصواب الثاني، بل كانت المسألة هي ذاتية الفكرة الأولى لذاتية الشخص الأوّل التي تختلف عن ذاتية الشخص الآخر في شؤونه الذاتية التي يمثّلها فكره.

إنَّ الآية تريد أن تؤكّد للمسلمين أنَّ محمداً لـم يكن إنساناً يتحرّك في قيادته للنّاس وفي اتباعهم له من خلال ذاتياته، بل من خلال أنَّه رسول جاء على فترة من الزمن حامِلاً لرسالة اللّه التي يمثّل الرسول مرحلة في تاريخها ليبلغها ويرسم خطوطها ويدعو إليها ويجاهد في سبيلها ويحمِّل النّاس مسؤوليتها من خلال دعوتهم إلى الإيمان والالتزام بها والسير على خطّها والعمل بمنهجها، لتكون جزءاً من حياتهم العقلية والجسدية والعملية، لتمتد في حركتها الوجودية بامتداد المؤمنين بها في الزمن، حيث ينقلها كلّ جيل إلى الجيل الذي بعده حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها. فعلى المؤمنين إذا مات محمَّد الرسول أو قتل أن لا ينقلبوا على أعقابهم بانقلابهم على الرسالة، لأنَّ الرسالة لا ترتبط بشخصه بل ترتبط باللّه الذي أرسله بها ليعيش مرحلته المحدودة في عمرها لتبقى بعده في حياتكم ولتتحرّكوا بها في الخطّ المستقيم، فذلك هو الذي يجعلكم قريبين إلى اللّه، مستحقين لثوابه لأنَّه هو الذي يجسّد معنى الشكر للّه في القول والعمل، والثبات على الخطّ هو الذي ينفعكم في دنياكم وآخرتكم. فإذا انقلبتم على أعقابكم وتركتم الرسالة وانحرفتم عن الخطّ بعد الرسول، فلن تضرّوا اللّه شيئاً، لأنَّ اللّه لا ينفعه إيمان المؤمنين به ولا يضرّه كفر الكافرين به، بل إنَّ النفع للنّاس المؤمنين الذين لا ينفعون إلاَّ أنفسهم بالإيمان، والضرر للنّاس الكافرين الذين لا يضرّون إلاَّ أنفسهم بالكفر، وسيجزي اللّه الشاكرين بالجزاء الأوفى.

إنَّها الفكرة التي توحي إلينا بأنَّ علينا أن ننطلق من موقع الفكرة لا من موقع الشخص، فإذا آمنا بها كان علينا الامتداد معها والالتزام بها، حتى إذا مات الشخص الذي أطلقها أو حملها، وإذا اكتشفنا خطأها، تركناها وابتعدنا عنها حتى لو بقي الشخص حيّاً.

إنَّ الفكرة الإسلامية تؤكّد أنَّ الرسالة هي الأصل، والرسول مجرّد مرحلة حيّة لتأسيس الرسالة في وجدان الإنسان وتحريك خطواتها في حياته.

صفته في رسالته وفي أخلاقه:

ويتحدّث القرآن عن الصورة الرسولية للنبيّ محمَّد (ص) في الكتب السَّماوية كالتوراة والإنجيل في المضمون الرسالي الذي تتضمنه دعوته في خطوطها العامة، كما في قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبيّ الأمّي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويُحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليه الخبائث ويضع عنه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (الأعراف: 157).

تنطلق هذه الآية في تعريف النبيّ من خلال العناوين الكبرى لرسالته التي تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحليل كلّ ما هو طيّب ينفع النّاس في خصائصه، وتحريم كلّ ما هو خبيث يسيء إلى النّاس في عناصره الخبيثة الضارة، ووضع الأثقال التاريخية عنهم والأغلال التي كانوا يتخبطون فيها، فهو الرسول الذي أرسله اللّه ليقدّم للحياة وللنّاس كلّ ما يرفع مستواهم ويثبت مواقعهم ويصلح أمرهم بتقريبهم لكلّ خير وإبعادهم عن كلّ شرّ، وهذا ما ينبغي للدارسين للمفردات الإسلامية أن يعرفوه في كلّ مفردات التشريع وحركة المفاهيم العامة في تفاصيلها الواقعية.

وقوله تعالى في صفة النبيّ في إيمانه الشامل: {فآمنوا باللّه ورسوله النبيّ الأمّي الذي يؤمن باللّه وكلماته واتبعوه لعلّكم تهتدون} (17: 157).

فهو النبيّ الأمّي، بمعنى عدم الكتابة والقراءة، أو بمعنى انتسابه إلى المجتمع الأمّي في أمّة العرب، كما جاء في بعض تفاسير الكلمة، باعتبار غلبة الأمّية عليهم، أو إلى أم القرى ـ وهي مكّة ـ في بعض التفاسير الأخرى، وهو الذي يؤمن باللّه وبكلّ كلماته التي أنزلها على رسله، فكان مصدقاً لما بين يديه من الكتب ولمن تقدمه من الرسل.

قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة:128). إنَّه الرسول الذي جاء من قلب الأمّة ومن داخل مضمونها الوجودي الإنساني وانفتح عليها بكلّ آلامها ومشاكلها ومتاعبها، فكان يرهقه ويعزّ عليه كلّ ما يتعبها ويثقلها في كلّ حياتها، ويحرص عليها حرصه على نفسه وأهله، ليجنبها كلّ سوء، ويدفعها إلى كلّ خير، ويرأف بالمؤمنين ويرحمهم بكلّ فكره وشعوره وسلوكه معهم وسيرته في كلّ قضاياهم العامة والخاصة. وهذا هو مُثَل القيادة الإنسانية التي تتفاعل مع مجتمعها في مشاعرها وأفكارها وسلوكياتها من موقع الرحمة المنفتحة على كلّ جوانب الحياة لديه.

قال تعالى: {وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين} (الأنبياء: 107). فقد كان رحمةً لهم في صفاته الروحية التي تتحرّك في حياتهم بالمحبة والرفق والرعاية والتوجيه، وفي الرسالة التي تمثّل الرحمة في خصائصها وعناصرها المتصلة بالمصلحة المنفتحة على واقع الإنسان والحياة.

{محمَّد رسول اللّه والذين معه أشداء على الكفّار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من اللّه ورضوان سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار وعد اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} ( الفتح:29).

فهو النبيّ الذي يعيش مع قاعدته ممّن اتبعوه، فلا يلغي أصحابه في حركته القيادية ولا يرتفع عنهم في الموقع، لأنَّ القيادة لا تلغي قاعدتها، بل تعيش معها لتتقدمها في خطّ المسؤولية من غير كبرياء، ولتلتزم بالتزاماتها، ولتعيش مشاعرها السلبية والإيجابية تجاه الواقع من حولها، فهو ومن معه الأشداء على الكفّار في موقف الحرب الذي يؤكّد قوّة الموقف من أجل تحقيق الانتصار في ساحة الصراع، والرحماء بينهم حيث يرحم الواحد منهم الآخر في دراسة ظروفه والتعرّف على مشاكله وأوضاعه وأحلامه وآلامه ونقاط ضعفه ونقاط قوّته، ليكون سلوكه معه من موقع مراعاة ذلك كلّه من خلال الرحمة به والانفتاح عليه في عقله وقلبه وروحه.

وهو ومن معه الراكعون الساجدون الذين يبتهلون إلى اللّه ليبتغوا منه مغفرةً ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود لكثرة سجودهم لربِّهم، تماماً كما هو الزرع الذي يخرج فرخه ليقويه ويؤازره ليستغلظ فيستوي على سوقه، إنَّه المجتمع المتكامل في حركة القاعدة مع القائد وحركة القائد مع القاعدة، من أجل إيجاد القوّة الرسالية الفكرية والعملية في الإنسان والحياة.

أسلوبه في مواجهة التحديات:

لقد واجه النبيّ محمَّد (ص) أقسى التحديات من قبل الكفّار والمشركين، حتى اتهموه بكلّ التهم التي تسقط موقعه الرسال،ي لتجعله ـ في نظر النّاس ـ شاعراً جاء بأسلوب جديد في الشعر، ما يجعله متقدّماً على الشعراء الذين لا يملكون أيّ موقع مقدّس في الواقع الاجتماعي، لأنَّ صفته الشعرية لا تؤهله للدور القيادي لديهم، أو كاهناً يتمثّل دوره بالإخبار عن الأشياء الخفية أو الغيبية ممّا يتعلّمه من الجنّ أو نحوهم، أو ساحراً يجتذب سحره قلوب النّاس.. لتتطور الأمور بعد ذلك إلى الأسوأ، ليتحدّثوا عنه أنَّه كاذب يكذب على اللّه في ادّعائه الرسالة، أو مجنون تصيبه نوبات الصرع فيفقد عقله من خلال ذلك فلا يملك التوازن فيه، ثمَّ تطور الأمر إلى اتهام رسالته بأنَّها {أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} (الفرقان:5) وقالوا: {إنَّما يعلّمه بشر} (النحل:103).

وقد ردّ اللّه على ذلك في أكثر من آية، كما في قوله تعالى: {إنَّه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون * تنزيل من ربِّ العالمين } (الحاجة:43).

وفي قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون اللّه إنْ كنتم صادقين} (يونس: 38).

وقوله تعالى: {ولقد نعلم أنَّهم يقولون إنَّما يعلّمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} (النحل:103).

وقوله تعالى: {أم يقولون تقوّله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديثٍ مثله إنْ كانوا صادقين} (الطور:33ـ34).

وقوله تعالى: {قل إنَّما أعظكم بواحدةٍ أنْ تقوموا للّه مثنى وفرادى ثمَّ تتفكروا ما بصاحبكم من جنّة إنْ هو إلاَّ نذير لكم بين يدي عذاب شديد} (سبأ:46).

نلاحظ أنَّ المنطق القرآني لـم ينطلق بأسلوب الرفض المباشر، بل انطلق بأسلوب تحديد المنهج للتفكير، فإذا كانوا يصرخون أنَّ به جنّة، فعليهم أن ينفصلوا عن الجوّ الجمعي الذي يفقد فيه الإنسان شخصيته المستقلة في التفكير، لا سيما إذا كان الجوّ مملوءاً بالحقد والعداوة والانفعال، وذلك بأن يقوموا للّه مثنى مثنى أو فرداً فرداً، ليعود إليهم صوابهم وليملكوا عقولهم وليفكروا مستغلّين فرصة أجواء الهدوء الفكري والتحليل الموضوعي، وليدرسوا كلماته وأفعاله وعلاقته بالحياة وبالنّاس، فإذا تـمّ لهم ذلك أدركوا أنَّ صاحبهم ليس مجنوناً، لأنَّ كلّ تصرفاته لا توحي بذلك، بل كلّ ما هناك أنَّه جاء إلى النّاس لينذرهم عذاب اللّه الشديد إذا لـم يسيروا في الخطّ المستقيم في رسالته ونهجه، مستغربين ذلك، باعتبار أنَّ ذلك يمثّل أسلوباً جديداً للدعوة لـم يواجهوه من قبل، الأمر الذي جعلهم يتحرّكون من موقع ردّ الفعل الانفعالي للدعوة الجديدة التي ترفض الواقع الفكري والعملي والديني الذي يلتزمون فيه خطّ الشرك، وهذا هو الأسلوب المنهجي الذي يمثّل العقلانية القرآنية في مواجهة الآخر، حتى لو كانت القضية متمثّلة بمثل هذا الموقف العدواني الموجه للرسول نفسه الذي لـم يواجهه بالحدّة والانفعال بل واجهه بالحكمة والعقل.