لقد شكّل سقوط مكة
زعيمة الشرك، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين، آخر ضربتين حالمتين
للوجود الوثني في جزيرة العرب، وانطلقت حركة الإسلام بخفة وسرعة، وأزيلت
العوائق في كلِّ مكان، وأدركت القبائل العربية التي ظلّت على وثنيتها أن
لا مناص من دخولها في الإسلام، فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها
إلى المدينة، لتبايع الرسول (ص) على الإسلام، ولكثرة ما وفد المدينة من
القبائل، سمى المؤرخون العام الذي تلا فتح مكة (عام الوفود)، حيثُ دخل
هؤلاء في دين اللّه أفواجاً يضربون إليه من كلِّ وجه، على حدِّ تعبير ابن
هشام.
فدخلت ثقيف وكافة
قبائل الطائف في الإسلام، وحطمت أصنامها، وبذلك صفا المركز الثالث في
شمال الجزيرة من الأصنام، ثُمَّ ما لبث أن التحقت تميم بأشرافها، وأسلمت
بنو عبد القيس، ثُمَّ وفد بني حنيفة، ووفود من كندة والأمراء. ولخم
وسلامان وغسان وعامر وبنو أسد، وبهراء وبني البكاء وبني فزارة، وبنو سعد،
وغيرها من القبائل.
كما قدم إلى
المدينة عددٌ ممن كانوا يعتنقون المسيحية، كعدي بن حاتـم وغيره، وكان قد
كتب إلى يهود ومسيحيي نجران "... أنَّه من أسلم من يهودي أو نصراني
إسلاماً خالصاً من نفسه ودان بدين الإسلام فإنَّه من المؤمنين، له مثل ما
لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنَّه لا يردّ
عنها...".
وفي مقابل ذلك، قام
الرسول (ص) بإرسال أمرائه وعمّاله إلى المناطق التي انتشر فيها الإسلام
والقبائل التي أعلنت انتماءها للدين الجديد لكي يجبوا الصدقات ويعلّموا
النّاس أصول دينهم.
وقد تمكَّن بعض
الدعاة من نشر الإسلام بين عددٍ من القبائل اليمنية، ثُمَّ ما لبثت
الدعوة الإسلامية أن انتشرت بسرعة في تلك الأصقاع، وشهدت السنة العاشرة
إسلام عدد من أبناء الفرس هناك، وتوِّج ذلك بإسلام باذان حاكم اليمن
الفارسي، حيثُ أرسل إلى النبيّ (ص) كتاباً يعلمه فيه بإسلامه.
وعندما أشرف العام
التاسع للهجرة على نهايته، وحان موعد الحج، بقي الرسول (ص) هذه السنة في
المدينة، ونزلت سورة براءة لتنذر بتصفية معاقل الوثنية وإعلان البراءة من
المشركين:{براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتـم من المشركين* فسيحوا
في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنَّكم غير معجزي اللّه وأنَّ اللّه مخزي
الكافرين* وأذان من اللّه رسوله إلى النّاس يوم الحج الأكبر أنَّ اللّه
بريء من المشركين ورسوله} (التوبة:1 ـ 3).
وأرسل الرسول (ص)
عليّاً إلى مكة ليبلغ النّاس تعليمات الرسول (ص)، وآيات براءة في يوم
الأضحى، وتنص على أن لا يقربنَّ المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا
يطوفنَّ بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول اللّه (ص) عهد فإنَّ عهده
إلى مدّته، ومن لـم يكن له عهد فمدّته أربعة أشهر لا يدخل الجنّة...
إلاَّ من كان مسلماً...
وهكذا بعد مضي
اثنين وعشرين عاماً من محاربة الخرافة، جاءت الأوامر الإلهية صارمة وتنذر
بوجوب إلغاء كلّ مظاهر الوثنية وأن لا عودة إليها، وهذا يعني أنَّ
السيادة الأولى أصبحت للإسلام، وأصبح المسلمون القوّة السياسية المتفردة
في زعامة الجزيرة، وعلى جميع سكانها أن يحدّدوا ولاءاتهم، فأهل الكتاب
كانت الجزية رمز انتمائهم، أمّا العرب فكانت معظم القبائل قد أعلنت
انتماءها ودخولها في الإسلام، ولـم تبقَ إلاَّ فئة قليلة لا تدين بمبادئ
الإسلام ولا تخضع لقوانينها، وهذا يشكِّل خطراً إذا ما تمت معالجته، ومن
هنا كان الإصرار على دخول هذه الجماعات الإسلام وضرورة انتمائها إلى
الدولة الجديدة.
وقد آتت هذه
العملية ثمارها، حيث حج الرسول (ص) وفق ما نصّت عليه الشريعة الإسلامية،
ولـم يكن بين الحجاج الذين بلغ عددهم حوالي مائة ألف، مشركٌ واحد، وطبق
الرسول (ص) في الفترة التي تقع ما بين إعلان براءة ووفاته(ص) هذا القانون
بحذرٍ شديد وكياسة سياسية بارعة، بحيث تجنب الاصطدام بالقبائل، فاكتفى من
وفودها بإعلان إسلامهم وانضمامهم إلى دولته، وكان يرسل معهم عند عودتهم
مسلمين يعلّمونهم الإسلام في بلادهم.
وبذلك يكون إعلان براءة قد عمل
الرسول (ص) من خلاله على تطهير الوثنية التي تشكل خطراً على الدولة
الإسلامية الناشئة، خاصة وأنَّها قادمة على مرحلة مفصلية مهمة تعمل فيها
على جبه التحدّيات المنتصبة أمامها في مواجهة القوى المحيطة بهذه الدولة.