من الولادة حتى البعثة
(1)
الولادة والنشأة
يعود النبي محمَّد (ص) في
نسبه لأبوين عريقين، فالأب هو عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد
مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، وأمه هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن
زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب، ولد، كما جاء في أغلب الرِّوايات، في سنة
570 ـ 571م، وقيل إنَّه ولد قبل ذلك بخمسة عشر عاماً.
توفي أبوه وهو في بطن أمّه خلال عودته من تجارة له
في الشام في يثرب متأثّراً بمرض الحمى اليثربي، ودفن هناك.
وما إن أبصر النور حتى أرسلت أمّه إلى جدّه عبد
المطلب "إنَّه قد وُلد لك غلامٌ فأته فانظر إليه"، فجاءه وحمله إلى
الكعبة، حيث راح يدعو اللّه ويشكره على ما أعطاه، ثُمَّ أعاده إلى أمّه
ريثما يلقى مرضعة له، ليرضع وينشأ، ويتعلّم في البادية النطق بالكلمات،
كما كانت عادة الأشراف في مكّة، حيث كانوا يسلّمون أولادهم الرضع إلى
المراضع اللواتي كنَّ يقصدن مكة في السنين العجاف، ووقع اختياره على
امرأة من بني سعد بن بكر يُقال لها "حليمة بنت أبي ذؤيب"، التي استصحبته
معها إلى مضارب قومها، حيث بقي هناك لمدّة سنتين، فحملته وزوجها إلى أمّه
في مكة، وكانت أمّه تريد أن يبقى عند حليمة، فقالت لها "لو تركت ابني
عندك ، فإني أخاف عليه وبأ مكة"، ولـم تزل بها حتى أجابتها إلى طلبها.
وبقي هناك مدة أرجعته حليمة بعدها إلى أمه، وأعلمتها
أنه قد بلغ، فأخذته أمه وعملت على رعايته في حماية وإشراف من جده عبد
المطلب، وعندما بلغ السادسة من عمره توفيت أمه بالأبواء، وهي في طريق
عودتها إلى مكة في أعقاب زيارة لأهلها من بني عدي بن النجار، فتولى أمره
جده عبد المطلب الذي كان أولاه رعاية واهتماماً خاصين، حيث كان يرى فيه
بشائر المستقبل.
محمد(ص) في كنف أبي طالب
لم تستمر رعاية الجد وعطفه طويلاً، إذ ما لبث أن
توفي، ومحمَّد لمّا يتجاوز الثامنة من عمره، فتولى أمره عمه أبو طالب،
لأنه وعبد اللّه والدا الرسول(ص) كانا لأمّ واحدة، ولم يكن أبو طالب
بالرجل الموفور المال، وكان يعيل عدداً من الأبناء، الأمر الذي جعل
محمَّداً(ص) يعمل لإعانته في كسب قوته حسب طاقته، فكان يرعى له الأغنام،
وعندما قرر عمه الخروج في تجارة إلى الشام ـ وكان قد بلغ آنذاك التاسعة
من عمره ـ رجاه أن يصحبه معه، فرقّ له أبو طالب وقال: "واللّه لأخرجن به
معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً".
ولما كان أبو طالب فقيراً كثير العيال ـ كما ذكرنا ـ
هب محمَّد لمساعدته، ولكن رعي الغنم لم يف بالغرض المطلوب، ففكر أبو طالب
في رزق يسوقه اللّه إليه، وكان ذلك عن طريق البيع والشراء والتجارة على
عادة أغلب أهل مكة في ذلك العهد، وقد عمل محمَّد(ص) بالاشتغال والشراء
مستقلاً بأعماله أحياناً ومشتركاً مع غيره أحياناً أخرى.
ولما عرف عنه من الصدق والأمانة، عرض عليه عمه أن
يسهم في تجارة خديجة (ع) علّها تدرّ عليه ربحاً، فاستجاب لطلب عمه، وجنى
أرباحاً مضاعفة عمّا كانت تدره هذه التجارة من قبل.
الإسهام في قضايا المجتمع
وعندما بلغ محمَّد(ص) العشرين من عمره، بدأ يسهم في
تجارب قريش السياسية والعسكرية والدينية، حيثما رأى في هذه التجارب حقاً
وعدلاًَ، رافضاً من جهة أخرى كل تصوراتها الخاطئة ومعتقداتها الوثنية.
حرب الفجار
ومما يروى أنه اشترك وهو في العشرين من عمره في حرب
الفجار التي سميت كذلك لوقوعها في الأشهر الحرم، والتي نشبت بين كنانة
وقريش من جهة، وقيس وأحلافها من جهة أخرى، وشارك فيها حرب بن أمية الذي
تمكن وسط النهار أن يتجاوز الهزيمة التي مني بها أول الأمر، وأن يحقق
النصر على قيس.
ويدّعي بعض المؤرخين أن الزبير بن عبد المطلب كان
قائد الهاشميين في تلك المعركة، بينما يرى آخرون أن أبا طالب منع
الهاشميين من الاشتراك فيها وتخلف عنها عبد اللّه بن جدعان وحرب بن أمية.
أمّا عن دور محمَّد(ص)، فقد جاء، كما ورد في بعض
الروايات، أنه كان ينبّل لأعمامه، ويردُّ عنهم نبال عدوهم، ولكن اليعقوبي
يورد رواية مختلفة يقول فيها: إنهم كانوا يستجدون النبي(ص) ويطلبون منه
أن يبقى إلى جانبهم، وقد ورد في ذلك: "يا ابن مطعم الطير وساقي الحجيج،
لا تغب عنّا فإنا نرى بحضورك الغلبة والظفر"، فقال "إذا اجتنبتم الظلم
والعدوان والقطيعة والبهتان فإني لا أغيب عنكم"، فعاهدوه على ذلك.
وفي هذا النص إشارة واضحة إلى مدى الصدقية التي كان
يتحلى بها الرسول(ص) لدى هؤلاء، كما أنه برهن على منهاجه في الحياة في
رفضه الظلم والعدوان والقطيعة والبهتان وما إلى ذلك.
حلف الفضول
واشترك النبي(ص) في حلف الفضول الذي تم عقده في
أعقاب حرب الفجار الذي يصفه ابن سعد بأنه "أشرف حلف كان قطّ". وكان أول
الداعين له الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم وغيرها من
عشائر قريش في دار جدعان، فصنع لهم طعاماً وتعاقدوا وتعاهدوا بالله
"لنكونن مع المظلوم حتى يؤدّى إليه حقه"، كما تعاهدوا على"التأسي في
المعاش"، فسمّت قريش ذلك الحلف "حلف الفضول"، وقد قال عنه الرسول(ص) بعد
نبوته، وهو يسترجع ذكرياته: "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد اللّه
بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".
وقد روى المؤرخون أن سبب إنشاء هذا الحلف إنما كان
بسبب الغبن الذي ألحقه أحد سادة قريش: العاص بن وائل السهمي برجل من
اليمن (من زبير)، فاستمطله حقه وأبى أن يدفعه حتى يئس الرجل، فعلا جبل
أبي قبيس ونادى قريشاً وهي في مجلسها حول الكعبة بشعر يصف فيها ظلامته،
"فمشت قريش بعضها إلى بعض..".
ويظهر من دراسة الأصول القديمة للروايات التي تتعرض
لحلف الفضول، أن الحاجة إلى الأمن والاستقرار بعد حرب الفجار هي التي
دفعت قبائل قريش إلى الاجتماع في دار عبد اللّه بن جدعان للتفاوض في أمر
إحلال الأمن والسلام في مكة، لأن حياة أهل مكة تقوم على الوافدين إليها
من الحجاج والتجار، وما حادثة العاص بن وائل السهمي إلا ترجمة عملية لهذا
التوجه.
الخلاف حول الحجر الأسود
وفي الخامسة والثلاثين من عمره، مارس(ص) مهمة
التحكيم في مسألة وضع الحجر الأسود، وكانت قريش قد أجمعت أمرها على إعادة
بناء الكعبة وتسقيفها بعد ما أصابتها أمطار السيول المنحدرة إليها من
المرتفعات المجاورة، فتصدع بنيانها وأوشكت على الانهيار، وبعد محاولة
لسرقة محتوياتها من قبل نفر من قريش. وكانت الكعبة منضودة من حجارة بعضها
فوض بعض من غير ملاط، وكان البحر قد رمى بسفينة لرجل من تجار الروم
قريباً من جدة، فتحطمت وحمل خشبها إلى مكة للإفادة منه في أعمال البناء،
وصادف أن كان بمكة آنذاك رجل قبطي نجار، فارتأوا ضرورة البدء بالعمل.
ولم تر قريش بدّاً من أن تجدد بناء الكعبة حرصاً على
مكانتها، وقد اشترك سادة قريش ورجالاتها في أعمال التجديد ونقل الأحجار
بعد ما هدموا الأنقاض الواهية وشرعوا يعيدونها كما كانت.
وتنافست القبائل في هذا المضمار، كل يبغي الصدارة
فيه والذهاب بفخره، ولكنهم عندما بلغوا موضع الركن، حيث يوضع الحجر
الأسود، اختصموا، حيث كانت كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى،
فانحاز كل رجل إلى قبيلته، وتأهب الجميع للقتال، وظل الأمر على ذلك أربع
ليال، وحينذاك تقدم أبو أمية بن المغيرة المخزومي واقترح على المتطاحنين
أن يحكّموا فيما شجر بينهم أول داخل من باب الصفا، فأقروا رأيه، وراحوا
ينتظرون أول داخل، فكان محمَّد(ص)، فلما رأوه هتفوا: "هذا الأمين،
ارتضيناه حكماً". وطلب محمَّد(ص) ثوباً، فأخذ الحجر فوضعه فيه، ثم نادى
رؤساء القبائل المتنازعين، فأمسكوا جميعاً بأطراف الثوب حتى إذا بلغوا به
موضعه، وضعه في مكانه العتيد.
وفي هذا المجال نلفت إلى أن أول من قام ببناء البيت كان
أبو الأنبياء إبراهيم وإبنه إسماعيل(ع)، والغرض من بنائه أن يكون معبداً
لله، ومسجداً يذكر فيه اسمه وحده، حيث كان إبراهيم قد عانى كثيراً في حرب
الأصنام وهدم المعابد التي تنصب فيها، حتى ألهمه اللّه أن يبني هذا البيت
ليكون أساساً للتوحيد وركناً، ومثابة للناس وأمناً، ومن البديهي أنه
عندما كان لا يسع كل قاصديه، ألحق ما حوله به وصار حرماً مقدساً.
ومن الأمور التي يسهل فهمها، أن تكون لأول مسجد في
الأرض مكانة خاصة، وأن يكون قبلة لما يستجد بعده من مساجد.
وقد ورد عن أبي ذر في رواية قال: سألت رسول اللّه(ص) عن
أول مسجد وضع في الأرض: قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال المسجد
الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عاماً. ثم الأرض لك مسجد فحيثما
أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه".
الزواج من السيدة خديجة(ع)
في الخامسة والعشرين من عمره، تزوّج محمد(ص) من
السيدة خديجة(ع)، وكانت تجربة ناجحة لعبت دوراً كبيراً في حياته قبل
البعثة وبعدها على السواء.
كان محمَّد(ص) قد اختير بوساطة عمه أبي طالب، من قبل
السيدة خديجة ذات الشرف والمال في قريش، ليساهم في تجارتها إلى الشام
برفقة خادمها ميسرة لما قد سمعت عن محمَّد"من صدق حديثه، وعظيم أمانته،
وكرم أخلاقه".
وأسفرت الرحلة عن مكاسب عظيمة ضاعفت من أرباح
التجارة، فأعجبت خديجة به، وزادها إعجاباً وتقديراً ما حدّثها به خادمها
ميسرة عن أخلاق محمَّد(ص) وصفاته.
وكانت السيدة خديجة(ع) قد اعتمدت الوضوح والصراحة في
التعامل معه، فبعثت إليه من يقول له بأنها قد رغبت فيه لقرابته وشرفه في
قومه، وأمانته وحسن خلقه وصدق حديثه. ثم عرضت عليه الزواج، وكانت خديجة
يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، كل قومها كان
حريصاً على خطبتها لو يقدر على ذلك.
استشار محمَّد(ص) أعمامه، فخرج معه من أعمامه أبو
طالب وحمزة وغيرهما إلى عم خديجة عمرو بن أسد، وخطبوا له ابنة أخيه، وكان
محمَّد (ص) في الخامسة والعشرين عندما تزوج خديجة(ع)، وكانت هي قد ناهزت
الأربعين، وظل هذا الزواج قائماً حتى ماتت السيدة خديجة عن خمسة وستين
عاماً، كانت طوال سني زواجها منه محل الكرامة والإعزاز، وقد أنجب رسول
اللّه(ص) أولاده جميعاً منها ما عدا إبراهيم.