اليوم: السبت15 ربيع الأول 1445هـ الموافق: 30 سبتمبر 2023

مقارنة قرآنيّة بين العاجز والعادل

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ}، أي أخرس {لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}، لا يملك أيّة قدرةٍ ذاتية في نفع نفسه، أو نفع الآخرين {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ}، ثقيلٌ عليه في ما يتحمّله من أموره وحاجاته الّتي لا يستطيع القيام بأيّ شيء منها لتخفيف العبء عنه، فهو يعتمد عليه في كل الأشياء.

{أَيْنَمَا يُوَجِّهْه لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ}[النّحل: 76]، لعدم امتلاكه العقل الذي يستطيع به إدراك الحسن من القبيح في القضايا المتعلّقة بالواقع من حوله وبالآخرين ليحدّد موقفه منها، كما لا يملك السمع الذي يستطيع أن يستوعب فيه التّوجيهات، ولهذا، فإنه لا ينفع صاحبه في ما يوجّهه إليه من أعمال، بل ربما يأتي بالشرّ وهو يظنّ أنه الخير، ويتحرّك نحو القبيح وهو يحسب أنه الحسن.

وهذه هي الصورة المظلمة؛ صورة الإنسان الأخرس الذي لا ينطق، وقد لا يكون ممن يسمع، العاجز الّذي يمثّل وجوده عبئاً ثقيلاً على مولاه، ولا يجلب له أيّ خير في أيّ طريق يتوجَّه إليه.

وهناك صورة أخرى، تتميَّز بالإشراق {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}، وهو الإنسان العاقل الذي يعي جيّداً واقع الناس والحياة من حوله، فيميّز بين الاستقامة والانحراف، وبين العدل والظلم، ويتدخّل لتقويم انحراف الواقع، ولقيادة الناس إلى خطّ العدل، بالكلمة وبالموقف، ليجلب لهم الخير، في ما يمثّله العدل من معنى الخير، أو يدفع عنهم الشرّ في ما يمثّله الظلم من معنى الشرّ، وهذا هو الإنسان القادر على الخير والعامل في سبيله {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} في فكره وفي عمله. وإذا كان البعد بين هذين الرّجلين بهذا الوضوح، ما يجعل اختيار الإنسان الأوّل أمراً لا معقولاً، لا بدّ معه من اختيار الإنسان الثاني الذي يعطي الحياة معنىً كبيراً، ويحقّق لها المنافع على أكثر من صعيد، فكيف تكون الحال عندما يقف الإنسان بين صورة الإنسان العاجز، والذي لا يتحرّك من موقع الخير، ولا يملك القدرة النافعة، وبين صورة الخالق الذي يعطي الحياة وجودها وقوَّتها واستقامتها في خطّ العدل، أو عندما يقف بين صورة الداعية إلى الكفر والضّلال الذي لا يقدِّم للحياة أيّ خير، بل يأخذ منها ولا يعطيها، ويضرّها ولا ينفعها، وبين صورة الإنسان الذي يسير على الخطّ المستقيم، ويأمر بالسّير على خطّ الاستقامة، ويحقّق للحياة النفع الكبير من جهده ومن فكره، هل يستويان؟ وربما كان جوّ هذه الآية هو الجوّ نفسه الذي توحي به الآية الكريمة: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[يونس: 35].

وهذه هي المعادلة القرآنيَّة التي تقضي بالوقوف مع الذين يأمرون بالعدل، ويسيرون على الخطِّ المستقيم الذي يصل بالنَّاس إلى الأهداف الكبيرة في الحياة، وهو الأمر الّذي يحدّد للإنسان المسلم الموقع السياسيّ الّذي يتحرّك فيه، أو ينطلق منه، في انسجامه مع خطّ العدل، وارتباطه بالمصلحة العليا للإنسان على مستوى نهايات الأمور لا بداياتها. وذلك هو الشّعار الذي يرفعه المسلم في خطوطه العريضة التي تشير إلى الخطوط التفصيليّة في كلّ مفردات الواقع وجزئيّاته.

*تفسير من وحي القرآن، ج13.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر