اليوم: السبت15 ربيع الأول 1445هـ الموافق: 30 سبتمبر 2023

مات ثم عاد إلى الحياة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ}، وهي بيت المقدس، لما خرّبه بختنصر ـ كما قيل ـ أو الأرض المقدّسة، في قول آخر، أو هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت في احتمال ثالث، وهي خاوية على عروشها، فلا أثر فيها للحركة والحياة والعمران، فقد مات أهلها وسقطت سقوفها وأبنيتها، فهي قرية ميتة في جميع مظاهرها وأوضاعها، فانطلقت أفكاره في قضية الحياة والموت كأيّة ظاهرة للموت في هذا الحجم يلتقي بها الإنسان، فيطرح السؤال الكبير الذي قد ينطلق من فضول المعرفة، أو من خاطرة الشكّ الطارئ السريع الذي لا يبتعد عن أجواء الإيمان، لأنّ المؤمن قد يطوف به طائف من الشيطان في حالة الاستغراق الفكري ليتذكّر بعدها.

{قَالَ أَنَّى يُحْي هَـذِهِ} القرية بأهلها وبنيانها {اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَ}.

كيف يحدث ذلك؟ وهل يمكن للحياة أن تتجدّد بعد الموت؟ ومن أين يحدث ذلك؟ وفي أيّ زمان؟ وكيف يكون ذلك من دون أن يعرف طعم الموت؟

فلم يكن قد دخل تجربة الموت ليعرف تجربة الحياة بعدها، وكأنّه أراد أن يعرف سرّ الظاهرة في إمكانات التّغيير {فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ}، تماماً كما تموت الحياة بالكلَّية في إشباعٍ عميقٍ بالموت، بحيث يزول الإنسان من حركية الحياة، كما يزول من خاطر الوجود من خلال هذا التقادم في السنين، كما هي هذه القرية التي ربما كانت عاشت تجربة الموت في الزمن السحيق، ما جعل تجربة الموت في جسده، مماثلة لتجربة الّذين ماتوا فيها.

{ثُمَّ بَعَثَهُ} كما كان.

وبدأت الحياة تضجّ في جسده كما لو كانت حالة طبيعيّة مستمرّة في حياته اليومية، لأن الإنسان لا يشعر بثقل الموت عليه في داخل تجربته، فإذا عادت إليه الحياة، فلا مجال للإحساس بشيء جديد في طبيعة ذاته، إلا كما يحسّ الإنسان الذي يستيقظ بعد الموت، ولذلك فلم يشعر بمرور الزمن عليه {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}، هل هذا القول حقيقيّ ـ كما هو ظاهر الكلمة ـ أو هو شيء يخاطبه من داخل نفسه، أو هو شخص مرَّ عليه في حالته هذه ممن سمع عن هذا الإنسان منذ زمن بعيد، وهل هو حديث مع الله أو مع النّفس أو مع الناس، وهل تكون نسبة البعث إلى الله دليلاً على أنّ القائل هو الباعث؟ كلّ ذلك محتمل {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. وما هو سرّ الغرابة في هذه التجربة العادية في حياة الإنسان اليوميّة ليطرح هذا السؤال بهذه الطريقة؟ فليست المسألة إلا ظاهرة نوم طبيعيّ قد يستغرق الإنسان فيه فيشمل اليوم كله أو يقتصر على بعضه.

{قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ}، وهنا كانت المفاجأة الصاعقة، فليست القضيّة قضيّة سبات طبيعي، بل قضية موت محقَّق في مدى القرن من الزمان وبعث جديد. إذاً فهذه هي التّجربة التي كان السؤال يدور حولها، فقد انطلقت في داخل ذاته، لقد مات كلّ هذا الزمن الطويل وأحياه الله من جديد، وكان ـ هو ـ الجواب الحاسم عن سؤاله الكبير، فلم تعد القضية قضية الظاهرة في خارج ذاته، بل في عمقها وامتدادها. ويمتدّ الوضوح به ليجسّد له معنى المعجزة الإلهية في المسألة التي تؤكّد فعلية الحياة بعد الموت من خلال ذلك.

{فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} الذي كان معك {لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم تغيّره السنون، فبقي في حيويّة خصائصه وعناصره من دون أن يستهلكه أو يبدّله مرور الزّمن، فإن الذي أبقاه هو الذي منحك البقاء في الحياة من جديد، {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} الذي كان معك كيف تفرّقت أجزاؤه، وتقطّعت أوصاله، وتبددت عظامه، وكيف نعيدها من جديد. {وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} يعتبرون بها في إيمانهم بالله وبقدرته على إعادة الحياة كقدرته على إيجادها، ويؤمنون ـ من خلالها ـ بالبعث في اليوم الآخر، فيرتفع عن أفكارهم استبعاد ذلك {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَ} ونرفعها على الأرض لتنضمّ إلى بعضها البعض، في عملية إعادة الحياة إلى الجسد؛ جسدك أو جسد حمارك، لترى التجربة الحيَّة أمامك، فتعيش المسألة التي كانت مجرّد فكرة تبعث على التساؤل في وضوح من الرّؤية الباعثة على اليقين {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} الموضوع الجديد الغريب بكلّ تفاصيله {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فهذه هي الحقيقة التي انضمّ فيها الحسّ في تجربتي هذه، إلى العقل في قضيّة الإيمان، فلا مجال لسؤال جديد، إذ لا غموض ولا شبهة في أيّ شيء، بل هو الوضوح كلّه.

*تفسير من وحي القرآن، ج 5.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر