{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} هؤلاء
الّذين يلتزمون ولاية الكافرين الطاغين المستكبرين، الذين يلتزمون ولاية الاستكبار
العالميّ المتمثّل بالدول الكبرى التي تريد أن تذلّ المؤمنين، الذين يلتزمون ولاية
الصهيونيّة التي تشكّل الخطر على وجود المسلمين والمستضعفين، الّذين يتّخذون
الكافرين من هؤلاء الذين يتحرّكون في دوائر المخابرات والدّوائر السياسيّة الّتي
تعمل على إذلال المسلمين وعلى قهر المستضعفين، وإذا قلت لهم إنَّ هناك ولاية
للمؤمنين، إنَّ هناك قيادة إسلاميّة مؤمنة تخاف الله في نفسها، وتخاف الله في
النّاس، وتتحمَّل مسؤوليّة الإسلام كلّه، وتقوده إلى العزّة والحرّيّة والثّبات
والقوّة والكرامة، إذا قلت لهم ذلك، فإنَّهم ينفرون منك ويتركون ولاية المؤمنين...
ويحدِّثونك عن قيادات بديلة لا تؤمن بالله ولا برسول الله، وإذا كانت تؤمن إيماناً
محدوداً، فإنّها لا تؤمن بالإسلام كخطٍّ للحياة، ولا تؤمن بالرّسالة. أليس هذا
موجوداً عندنا؟! أظنّ أنّه موجود بكثرة، وأظنّ أنَّ كثيراً من الأوضاع القلقة التي
عشناها ويعيشها المسلمون في كلّ مكان، تجعل الكثيرين يطرحون قيادات غير قيادات
المؤمنين، وولاية غير ولاية المؤمنين...
إذا كنتم مؤمنين، فلماذا لا تلتزمون ولاية الإيمان، وإذا كنتم مسلمين، فلماذا لا
تلتزمون قيادة الإسلام؟ لماذا تنطلقون إلى قيادات كافرة طاغية ضالّة باغية تدخلونها
في أمور المسلمين وتتحرّكون معاً في الإضرار بالمسلمين وفي مخادعة الواقع الإسلامي
بشعارات تخفي الكفر في داخلها وتظهر الإسلام في واجهتها؟!
الله يقول للذين يتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين {
أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ
الْعِزَّةَ
}، لأنَّ الكافر يترأّس دولة، أو محوراً، أو أيّ شيء من هذا، فهو يملك
المال، ويملك الجاه، ويملك السلطة. أمّا المؤمنون والمسلمون في قياداتهم، وفي
واقعهم، فهم محاصرون من هؤلاء، فكيف نلتزم المحاصَر ولا نلتزم المحاصِر، نريد أن
نكون أقوياء؛ أُريد أن أكون قويّاً في بلدي، حتّى أضغط على أهل البلد، فأَلتزم
قيادة الكفر، لأنَّ الكفر يعطيني هذه القوَّة، أريد أن أكون ذا فعل كبير في المجتمع،
وهناك مَن يملك مقدِّرات المجتمع السياسية، ولذلك أريد العزَّة، أريد أن أكون عزيزاً
قويّاً، {فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيع}[النساء: 139]، {
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ
الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ
مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء...
}[آل عمران: 26].
لن يعطيك هؤلاء العزَّة، قد يعطونكَ انتفاخاً، ولكنَّ هذا الانتفاخ سيتمزَّق عندما
تنكشف المواقف، أو عندما تتبدَّل المواقف، عزّتك مستعارة من عزّته، فإذا أخذ
عاريته(1)، فأين تكون، وعزّتك تابعة لعزّته، فإذا صار ذليلاً فأين تكون؟ ولكن إذا
كانت عزّتك مستمدَّة من الله، وبقيت مع الله وفي طاعة الله، فهل يمكن أن تفقد عزّتك:
"إذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرج من ذلِّ معصيةِ الله إلى عزِّ
طاعةِ الله"(2)، "فكم قد رأيت يا إلهي من أناسٍ طلبوا العزَّ بغيرك فَذَلّوا،
وراموا الثروةَ من سواكَ فافتقروا، وحاولوا الارتفاعَ فاتّضعوا، فَصَحَّ بمعاينةِ
أمثالِهم حازمٌ وَفَّقَهُ اعتبارُهُ، وأرشدَهُ إلى طريقِ صوابِهِ اختيارُهُ". هذا
كلام زين العابدين (ع) [في دعائه متفرّغًا إلى الله عزّ وجلّ]...
* من كتاب "الجمعة منبر ومحراب".