الترتيب حسب:
Relevance
Relevance
Date

لماذا اختارَ اللهُ عليّاً للولايةِ دونَ غيرِه؟

حوار فاطمة خشاب درويش


السيِّد محمَّد باقر يتحدَّث عن شقيقه الرَّاحل:
السيِّدُ فضل الله مدرسةُ الحوارِ والاعترافِ بالآخر
مقابلة أجرتها فاطمة خشاب درويش
في الذكرى الثَّالثة عشرة لرحيل المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله، أجرت «القوس» مقابلة مع المدير العام لجمعيَّة المبرات الخيريَّة د. محمَّد باقر فضل الله، للحديث عن مبادئ العدل والإنصاف في فكر السيِّد محمَّد حسين، وكيفيَّة ترجمتها عملياً وتعميمها ونشرها وترسيخها في المجتمع وبين النَّاس، بغضّ النظر عن انتماءاتهم وطوائفهم ومذاهبهم.
وفيما يلي نصُّ المقابلة:
السيّدُ والعدالةُ الاجتماعيَّة
- حدِّثنا عن مرتكزات فكر السيِّد فضل الله وعقيدته، وعن مفهومه للعدل والإنصاف والعدالة الاجتماعيَّة.
- تحقيق التوازن والمساواة يكون في التوزيع العادل للثَّروات والموارد في المجتمع، كما أنّ العدالة الاجتماعيَّة تتحقَّق من خلال تبني المجتمع لسياسات وبرامج وقوانين تقلل من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين أفراد المجتمع وليس العكس، وتوفّر الخدمات الأساسية لجميع أفراد المجتمع، بغضّ النظر عن ظروفهم المادية، وذلك من خلال توفير فرص عادلة للتعليم والصحة والعمل والسكن والمشاركة السياسية.
كان السيِّد فضل الله من روَّاد العدالة الاجتماعية، إذ لم يقبل الواقع والتقاليد العرفيَّة، بل خرج عليها. ولتحقيق هذه العدالة، لا بدَّ أن تتمظهر في فكر منفتح، وهذا ما تجلَّى في فكر السيِّد منذ بداية حياته، حيث اقتحم ميادين كان مجرد التفكير فيها يُعدّ تجاوزاً للعرف السائد في الوسط التقليدي. وعندما كان في العراق، وخلال دراسته في سنواته ما قبل العشرين، كان يذهب بنفسه إلى الأماكن الفقيرة والنَّائية في النجف ليتفقَّد أحوالها ويساند الفقراء والمحرومين.
حمل السيِّد هموم المستضعفين، وحين عاد إلى لبنان وسكن في منطقة النبعة المتنوّعة دينياً وطائفياً، وبدأ عمله المؤسَّسي في جمعية أسرة التآخي الخيرية، أنشأ مستوصفاً مجاوراً للمسجد والمعهد الشَّرعي، واهتمَّ بموضوع تنظيم الأسرة ومساعدة الفقراء، وبنى مدرسة، لكنها لم تكتمل بسبب الحرب اللبنانية.
نظرةُ السيِّدِ إلى الحرب
- ما السبل التي سلكها السيِّد فضل الله لحلِّ المشكلات بين اللّبنانيّين إبَّان الحرب؟
- كان السيِّد فضل الله يصف الحرب اللبنانيَّة التي بدأت العام 1975 بـ«الحرب المفروضة على لبنان»، إذ كان يعتقد أنّ اللبنانيين لو تُركوا لأمرهم، فلن يحتاجوا إلى من يجمعهم. كان يدعو إلى إلغاء خطوط التماس، ليلتقي النَّاس من دون أيّ حواجز. فالحرب – في رأيه - ليست سبيلاً لحلّ المشكلات. وأصرّ على البقاء في النبعة، رغم الخراب وكثافة القذائف الَّتي كانت تتساقط من حوله، إذ كان يشعر بالمسؤوليَّة للبقاء فيها والصّمود مع الناس. أصدر كتابه «الإسلام ومنطق القوَّة» في ضوء الشموع آنذاك، ولكنَّ اشتداد الحرب وإصابته بعارض صحّي اضطراه إلى الخروج من النبعة والانتقال إلى منطقة شعبيَّة أخرى، إلى حيّ السلَّم في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم انتقل إلى مسجد بئر العبد. وقد حوّل السيِّد فضل الله كلَّ أماكن العبادة التي أمّها إلى مراكز للتَّلاقي والحوار مع النَّاس، ورغم الأوضاع الأمنية الصعبة، لم يترك المساجد، سواء في حي السلّم، أو بئر العبد.
حوّل السيِّد فضل الله كلَّ أماكن العبادة التي أمَّها إلى مراكز للتَّلاقي والحوار مع النَّاس
أولويَّاتُ السيِّد
- إلى أيّ مدى ساهم فكر السيِّد فضل الله في إحداث خرق إيجابيّ في المجتمع، ولا سيَّما في تحقيق مشروع العدالة الاجتماعيَّة؟
- جعل السيِّد فضل الله حقل القضايا الاجتماعيَّة من أولوياته، فكان همّه رعاية الأيتام، وحقّهم في التعلم والرعاية الصحية، وإيجاد البيئة الآمنة لهم في المؤسَّسات ولأسرهم أيضاً. كما حقوق المعوَّقين الَّذين ضاعت بعض مؤسَّساتهم في أتون الحرب اللبنانيَّة، فالمؤسَّسات – في رأيه - تشكِّل مساحة متقدّمة لهم يتغلبون فيها على صعوبات الإعاقة، وتوفر حقّ التعلم والرعاية واختصاصات متعدّدة، إضافةً إلى أن الخدمات الاجتماعية والصحية في المجتمع كانت حاجة ملحَّة، فأخذت من اهتمامات السيِّد التي تنوعت بين دينية مرجعية وثقافية مجتمعية إنسانية. لقد حاول السيِّد تأكيد فكره وقناعاته ورؤاه وتجسيدها على أرض الواقع، خاطب النَّاس بكلِّ محبَّة، وتحسّس آلامهم ولامس حاجاتهم، وعاش تطلعاتهم وخفّف من معاناتهم.
لم يكن عقل السيِّد عقلاً مناطقياً ولا طائفياً ولا مذهبياً، بل كان يستوعب كلَّ الناس وكلَّ المحرومين والفقراء والأيتام، لا تحدّ تفكيره أرض ولا أيّ علاقات قرابة أو علاقات شخصيَّة أو غيرها. كان تفكيره تفكيراً إنسانياً إيمانياً عندما فكَّر في أكثر المناطق حرماناً في لبنان.
صحيح أنه خطا خطوات عكس التيار الَّذي كان يهدف إلى بثّ الحقد والاقتتال بين اللبنانيّين، فكان خطابه إنسانياً ينطلق من الإنسان ليصبّ في الإنسانيّة وبناء الإنسان وإنسانيّة الإنسان وعدم الفصل بين الإسلام والإنسان. ولذلك عُرف السيِّد بجملته الشهيرة «الحقيقة بنت الحوار»، وعدّ التحاور تلاقحاً معرفياً يغني الفكر ويقرّب المسافات ويقود إلى ترسيخ القناعات أو التخلّي عنها عند الاقتناع بحجَّة الطرف الآخر، فكان يقول: «من حقّ كلِّ شخص أن يكون له وجهة نظر، وتحصيل الرأي الأفضل يكون عن طريق التفاهم، وتقديم الأدلة الداعمة لوجهة نظره»، ويؤكِّد من خلال تجربته «أنَّه لا يمكن أن يحرك الإنسان شيء مثل الحوار».
لذلك، فإنَّنا نرى أنَّ السيِّد تجاوز تحقيق العدالة الاجتماعيَّة في لبنان ببناء المؤسَّسات التي تنوّعت تربوياً ورعائياً وصحياً واجتماعياً، إلى خرق إيجابي آخر للمجتمع اللبناني بطرح عدالة اجتماعيَّة على صعيد الحوار مع الآخر والاعتراف بالآخر للانفتاح عليه ومناقشته وحواره، على قاعدة الآية القرآنيَّة {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[سبأ: 24]. العدالة الاجتماعيَّة التي توفِّر احترام رأي الإنسان للإنسان الآخر بما كان يمثِّله من قيمة إسلاميَّة أساسيَّة.
لم يكن عقل السيِّد عقلاً مناطقياً ولا طائفياً ولا مذهبياً، بل كان يستوعب كلَّ الناس
المؤسَّساتُ والعدالةُ الاجتماعيَّة
- كيف ترجم السيِّد فضل الله مفهومه للعدالة الاجتماعيَّة من خلال حركته ومؤسَّساته؟
- كان السيِّد يرى أنَّ إنشاء المؤسَّسات يحوِّل مفهوم العدالة الاجتماعيَّة من معنى مجرَّد إلى معطيات محسوسة، ويحوّل قيمة الأفراد إلى قيمة اجتماعيّة وإنسانيّة، وهذا يستدعي مساحات ومسافات ينبغي تعبيدها وتأمين الإمكانات وإزالة العقبات التي تعترض طريقها، فمن جمعيَّة أسرة التآخي الخيرية في النبعة، إلى جمعية المبرات الخيرية التي كان يراها السيِّد وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية لمشكلات اليتم والفقر، والتعليم، والبطالة، والإعاقة، وضيق الأفق، وهجرة الأدمغة، وسائر القضايا الاجتماعية. وذلك ببناء مؤسَّسات تساهم في تحقيق العدالة الاجتماعيَّة، تبني القدرات والكفاءات، وتواكب الغرب في علومه، الأمر الَّذي يساعد في رفض الانصياع للواقع المفروض قهراً.
أراد السيِّد لجمعيَّة المبرات الخيرية أن تحاكي فكره، لا أن تكون مجرَّد مياتم تقليدية، بل جمعية مرحِّبة تتحرَّك لتؤكّد تفوّق إنساننا، كما كان يقول السيِّد: «القلب مفتوح، والبيت مفتوح»، إذ تفتح أبوابها أمام كلِّ من يطلب خدمة، مؤكِّداً أنها ليست جمعية طائفية، ولا تربي الإنسان على أن ينغلق على طائفته، بل تربيه على الانفتاح على الطوائف الأخرى، وعلى الإنسان الآخر، وعلى الوطن كلِّه. فانطلقت المبرات من تفكير السيِّد الإيماني بأكثر المناطق حرماناً في لبنان، من بيروت إلى البقاع فالجنوب ثم جبيل وطرابلس.
عقباتٌ أمامَ المؤسَّسات
- هل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعيَّة اليوم في ظلِّ الواقع الصَّعب في مؤسَّسات الدولة؟
- كيف السبيل إلى تحقيق العدالة الاجتماعيَّة، وزرع مفاهيم هذه العدالة كقيمة إنسانيَّة في وعي الجيل الجديد، ونحن نعيش في وطن استشرى فيه الفساد، الَّذي سيترك آثاره على جيل نعمل على تربيته ورعايته وتعليمه؟! نحن في عصر تتبدَّل فيه القيم، ولكنَّنا نسعى لنجترح الأساليب المتنوعة لنزرع الوعي في عقول أبنائنا عن الفساد الأخلاقي الَّذي هو سبب هلاك الأمَّة، بما يمثّله من الفساد التعليمي والإعلامي، وكذلك الفساد الاقتصادي الذي نعانيه في كل يوم داخل المؤسَّسات مهدِّداً استمراريتها.
إن تعطيل مؤسَّسات الدولة يشكِّل تحدياً لاستمرار المؤسَّسات الاجتماعية، ولكننا لن نجعل اليأس والإحباط يشعراننا بالهمّ، ولن نسمح بأن يقودنا ذلك إلى فقدان الثقة بالله، وخصوصاً أنَّ المبرات تحظى بثقة عدد من أهل الخير في لبنان وخارجه، لتستمرّ في عطاءاتها الإنسانيَّة.
مسؤوليَّةُ جمعيَّةِ المبرّات
- هل تستطيع «المبرات» الاستمرار في خدماتها رغم الوضع الاقتصادي الصَّعب؟
- إنَّ جمعية المبرات الخيريّة ومؤسَّسات المرجع فضل الله، التي احتضنت منذ تأسيسها حتى اليوم 85145 يتيماً و11764 تلميذاً من ذوي الاحتياجات الخاصَّة، وتحتضن 300 مسنّ داخلها، و865 مسنّاً خارجها، لن تتخلَّى اليوم عن مسؤوليَّاتها، ستبقى مسؤولة عن الحالات المأساويَّة للأيتام والمسنّين والمعوَّقين في المجتمع، لأنها جزء من هذا المجتمع، حتى لو كانت الدَّولة تساهم بما لا يسمن ولا يغني من جوع.
كما لن نتخلَّى عن مسؤوليَّاتنا في رفع مستوى التعليم للمستفيدين في مدارس ومعاهد المبرات الَّذين تجاوز عددهم الأربعة وعشرين ألفاً العام الماضي، وننتظر أعداداً أكبر للعام القادم، وذلك بأقساط لا تسدّ الكلفة، مستعينين بمؤسَّسات المبرات الإنتاجيَّة لسدّ العجز المادي المتراكم.
* المقابلة منشورة في مجلَّة "القوس" الإلكترونيَّة، بتاريخ: 8 تمّوز 2023م.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر